إيران والتنظيمات الإرهابية: براغماتية عابرة للخلافات المذهبية

إيران والتنظيمات الإرهابية: براغماتية عابرة للخلافات المذهبية

إيران والتنظيمات الإرهابية: براغماتية عابرة للخلافات المذهبية


12/03/2026

يمكن توثيق العلاقات التاريخية التي جمعت الإسلام السياسي السنّي والتنظيمات الجهادية المسلحة والإرهابية بالنظام في إيران، من خلال ما كشف عنه تقرير وزارة الخارجية الأمريكية حول الإرهاب لعام 2021 حيث كشف أنّ إيران بقيت أبرز دولة راعية للإرهاب في العالم، مشيراً إلى أنّ أجهزتها الأمنية والعسكرية، وعلى رأسها الحرس الثوري وفيلق القدس، واصلت تقديم الدعم المالي والعسكري واللوجستي لعدد من الجماعات المسلحة في الشرق الأوسط وخارجه.

أنشطة إرهابية عابرة للحدود

بحسب التقرير، سهلت وزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية تنفيذ "طيف واسع من الأنشطة الإرهابية وغير المشروعة" في مناطق مختلفة من العالم، شملت أفريقيا وآسيا وأوروبا والأمريكيتين. ووفر فيلق القدس، الذراع الخارجية للحرس الثوري، الأسلحة والتدريب والتمويل لميليشيات وجماعات مسلحة في البحرين والعراق ولبنان وسوريا واليمن. وأشار التقرير إلى أنّ إيران وميليشياتها الحليفة تمثل أحد أكبر مصادر التهديد الإرهابي في الشرق الأوسط، إلى جانب تنظيمي داعش والقاعدة.

ولفت التقرير الأمريكي إلى أنّ قيادات بارزة من تنظيم القاعدة واصلت الإقامة داخل إيران، رغم التباينات الإيديولوجية بين النظام الإيراني ذي المرجعية الشيعية والتنظيم الجهادي السنّي. وأوضح أنّ طهران امتنعت عن الكشف علناً عن هويات هؤلاء القياديين أو اتخاذ إجراءات علنية بحقهم. وسمحت إيران، وفق التقرير ذاته، لعناصر تابعة للقاعدة بتشغيل شبكة لوجستية عبر أراضيها منذ عام 2009 على الأقل، مكنت التنظيم من نقل الأموال والمقاتلين إلى مناطق مختلفة، بينها جنوب آسيا وسوريا.

وفي العراق، أكد تقرير الخارجية الأمريكية أنّ طهران دعمت خلال عام 2021 عدة ميليشيات موالية لها، من بينها كتائب حزب الله وحركة النجباء وعصائب أهل الحق، عبر تزويدها بأسلحة متطورة وتمويل وتدريب، بما في ذلك طائرات مسيّرة قتالية متزايدة الدقة والقدرة التدميرية. في حين نفذت هذه الجماعات نحو عشرين هجوماً بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد مواقع أمريكية وقوات التحالف في العراق خلال العام ذاته، من بينها هجمات استهدفت السفارة الأمريكية في بغداد وقاعدة عين الأسد الجوية.

وفي سوريا، أشار التقرير ذاته إلى أنّ إيران عززت دعمها للجماعات المسلحة الموالية لها، وعلى رأسها حزب الله اللبناني، الذي شارك بشكل واسع في القتال إلى جانب قوات النظام السوري. واستخدمت طهران مقاتلين شيعة من أفغانستان وباكستان جرى تجنيدهم عبر حوافز مالية أو ترتيبات إقامة. وأوضح أنّ إيران واصلت تزويد حزب الله في لبنان بآلاف الصواريخ والأسلحة، إضافة إلى تقديم مئات الملايين من الدولارات سنوياً لدعمه وتدريب مقاتليه في معسكرات داخل إيران. واستمرت في تقديم الأسلحة والتمويل لحركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي وفصائل فلسطينية أخرى، التي نفذت بدورها هجمات انطلاقاً من قطاع غزة والضفة الغربية.

وفي اليمن، ذكر التقرير أنّ إيران زودت ميليشيا الحوثي بأسلحة ومعدات عسكرية متطورة، بما في ذلك الطائرات المسيّرة، وهو ما مكّن الجماعة من تنفيذ مئات الهجمات ضد أهداف في السعودية. واتهم القوات الإيرانية بتنفيذ هجمات ضد سفن تجارية في خليج عمان خلال عام 2021، من بينها هجوم بطائرة مسيّرة استهدف سفينة "ميرسر ستريت" في تموز/يوليو من ذلك العام.

وتابع التقرير: "طهران واصلت دعم أو التخطيط لهجمات تستهدف معارضين إيرانيين في الخارج، وقامت عدة دول أوروبية باعتقال أو طرد مسؤولين إيرانيين للاشتباه في تورطهم في مخططات اغتيال أو عمليات إرهابية". وأعلنت الولايات المتحدة إحباط مخطط لشبكة استخبارات إيرانية لاختطاف الصحفية والناشطة الإيرانية الأمريكية مسيح علي نجاد من داخل الأراضي الأمريكية، عبر استدراجها إلى دولة ثالثة تمهيداً لنقلها قسراً إلى إيران.

الاستثمار في الميليشيات

يخلص التقرير الأمريكي إلى أنّ إيران استمرت خلال عام 2021 في استخدام شبكة واسعة من الوكلاء والميليشيات الإقليمية لتعزيز نفوذها وتنفيذ سياسات تزعزع الاستقرار في الشرق الأوسط، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قنوات تواصل غير مباشرة مع تنظيم القاعدة.

وتشير بعض الرسائل والوثائق المعروفة بـ "أبوت آباد" إلى أنّ العلاقة بين القاعدة وإيران اتسمت بطابع براغماتي، حتى وإن اتسمت بالحذر مرة والانتهازية وفق حسابات الربح والخسارة الإيرانية مرات أخرى. فوفقاً لما ورد في إحدى المراسلات، اعتبر أسامة بن لادن أنّ إيران مثلت في بعض الأحيان ممراً لوجستياً مهمّاً لنقل الأموال والأفراد والاتصالات المرتبطة بالتنظيم. غير أنّ الرسائل تؤكد في الوقت نفسه أنّ هذه العلاقة لم تكن قائمة على الثقة الكاملة، إذ اشتكى بن لادن من قيام السلطات الإيرانية باحتجاز عدد من عناصر التنظيم وأفراد من عائلاتهم، واستخدامهم كورقة ضغط في سياق صراعاتها الإقليمية والدولية.

وتشير المراسلات إلى أنّ قيادة التنظيم كانت تنظر إلى التعامل مع إيران باعتباره أمراً يتطلب حذراً شديداً، مع الاستفادة من بعض القنوات المتاحة دون الاعتماد الكامل عليها. وتكشف أيضاً عن وجود قنوات مختلفة استخدمها التنظيم لنقل الأموال إلى فروعه في مناطق متعددة. وهناك ما عرف بـ "القناة الإيرانية" بحسب ما تردد في الوثائق التي كانت أحد المسارات التي استخدمت أحياناً لنقل الموارد المالية إلى عناصر التنظيم، مع التشديد على ضرورة اتخاذ احتياطات أمنية صارمة. وتعكس مراسلات أخرى قلقاً دائماً لدى قيادة القاعدة بشأن أمن الاتصالات والتنقل. فقد شدد بن لادن في أكثر من رسالة على ضرورة تقليل استخدام وسائل الاتصال الحديثة غير الآمنة، محذراً من أنّ أجهزة الاستخبارات الغربية تركز بشكل خاص على تعقب قيادات التنظيم. ودعا إلى تقليل حركة القادة وتجنب السفر غير الضروري، في محاولة لتقليص فرص تعقبهم.

ومنذ تم نشر الوثائق التي تم العثور عليها في منزل زعيم التنظيم الإرهابي بالمدينة التي حملت الوثائق اسمها في باكستان عام 2021، برزت العلاقة بين إيران وتنظيم القاعدة بمحطاتها المثيرة. إذ تقدم هذه الوثائق مادة لافتة لفهم طبيعة العلاقة التي ربطت بين الطرفين، التي بدت في كثير من الأحيان علاقة براغماتية فرضتها الظروف الأمنية والسياسية، فقد كانت طهران ملاذاً مؤقتاً بعد سقوط طالبان، بل أحد المسارات التي استخدمها بعض عناصر التنظيم للعبور أو الإقامة المؤقتة، خاصة خلال السنوات الأولى التي أعقبت التدخل العسكري الأمريكي في أفغانستان.

وتشير بعض الوثائق إلى أنّ عدداً من أفراد عائلة أسامة بن لادن وعناصر من التنظيم توجهوا إلى إيران خلال تلك الفترة، حيث خضع بعضهم لاحقاً لإجراءات احتجاز أو إقامة جبرية فرضتها السلطات الإيرانية. ففي عام 2021 أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية أنّ شبكة مرتبطة بالقاعدة كانت تعمل من داخل إيران لتسهيل نقل التمويل والمقاتلين إلى قيادة التنظيم في أفغانستان وباكستان. وأسهمت الشبكة في تسهيل انتقال الوسطاء والمقاتلين عبر الأراضي الإيرانية، قبل توجههم إلى مناطق نشاط التنظيم في جنوب آسيا. إلا أنّ الرسائل تكشف أنّ قيادة التنظيم الإرهابي كانت تنظر إلى التعامل مع إيران باعتباره خياراً اضطرارياً فرضته الظروف الأمنية بعد خسارة القاعدة لملاذاتها الرئيسية في أفغانستان. في حين تتضمن الوثائق إشارات إلى اتصالات جرت في بعض الفترات بين عناصر من القاعدة ومسؤولين إيرانيين، من بينهم أفراد مرتبطون بالحرس الثوري.

بالنسبة إلى إيران، مثل وجود عناصر من القاعدة على أراضيها ورقة ضغط يمكن استخدامها في سياق الصراع الإقليمي والدولي، مع الغرب والولايات المتحدة، كما أنّه ساعد في تقليل احتمالات استهداف التنظيم للأراضي الإيرانية. أمّا بالنسبة إلى القاعدة، فقد أتاح هذا الواقع إمكانية استخدام بعض المسارات اللوجستية لنقل الأموال أو العناصر بعيداً عن مناطق الملاحقة العسكرية المكثفة في أفغانستان وباكستان.

براغماتية انتهازية

تكشف الوثائق مفارقة لافتة في هذه العلاقة، فالتنظيم الذي يتبنّى إيديولوجيا سلفية جهادية يعتبر الشيعة خصوماً عقائديين، في حين تمثل إيران إحدى أبرز القوى الشيعية في المنطقة. لكنّ الضغوط الأمنية التي واجهها التنظيم بعد عام 2021 دفعته إلى تبنّي مقاربات براغماتية في التعامل مع بعض القوى الإقليمية، بما فيها إيران. وتُظهر بعض الرسائل أنّ قادة التنظيم ظلوا ينظرون إلى إيران باعتبارها خصماً محتملاً على المدى البعيد، حتى أثناء الاستفادة البراغماتية من بعض التسهيلات التي وفرتها الظروف السياسية. 

والواقع أنّ إيران اليوم هي الراعي الرئيس لحركة حماس، التي تُعدّ أحد أجنحة جماعة الإخوان. وعلى مدار تسعينيات القرن العشرين كانت إيران متحالفة مع حسن الترابي، زعيم جماعة الإخوان المسلمين، الذي ساعد على تدبير الانقلاب العسكري في السودان في عام 1989. وكان الترابي بدوره أحد الداعمين الرئيسيين لأسامة بن لادن في الفترة من عام 1991 إلى عام 1996. وتم توثيقه أثناء محاكمة بعض أعضاء القاعدة المسؤولين عن تفجير السفارتين الأمريكيتين في شرق أفريقيا، في نيروبي ودار السلام، في عام 1998، فقد تم تقديم بن لادن إلى زعماء إيرانيين رئيسيين، فضلاً عن قادة في حزب الله، في السودان تحت حكم الترابي.

وبالمحصلة، فإنّ إيران كانت دائماً متحالفة مع جماعة الإخوان، حتى وإن ظهرت التوترات والخلافات الخطابية بينهما بين الحين والآخر، وفق المركز العربي لدراسة التطرف. وعلى المستوى السياسي البحت تشارك إيران جماعة الإخوان والإسلاميين المصريين في العداء العميق للرئيس السابق أنور السادات، ولهذا السبب أطلق الخميني على أحد شوارع طهران اسم خالد الإسلامبولي الذي نفذ عملية اغتيال الرئيس السادات وأعلنه شهيداً. وكان الإسلامبولي عضواً في حركة الجهاد الإسلامي المصرية. وتمتد العلاقات بين الظواهري وإيران إلى عقود من الزمن، ففي كتابه "البروج المشيدة" يشرح لورانس رايت أنّ الظواهري خطط لانقلاب في مصر في عام 1990. ويوضح رايت: "لقد درس الظواهري الإطاحة بشاه إيران في عام 1979، وسعى إلى التدريب لدى الإيرانيين". وفي المقابل عرض الظواهري على الإيرانيين معلومات حساسة "حول خطة الحكومة المصرية لاقتحام العديد من الجزر في الخليج الفارسي التي تدّعي كل من إيران والإمارات العربية المتحدة ملكيتها". ودفع الإيرانيون للظواهري مليوني دولار مقابل هذه المعلومات، ودربوا عملاء الظواهري على محاولة الانقلاب التي تم إحباطها في نهاية المطاف.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية