إيران.. قبل فوات الأوان

إيران.. قبل فوات الأوان

إيران.. قبل فوات الأوان


03/11/2026

محمد خلفان الصوافي

الممنوع في عالم الدبلوماسية هو إعطاء إيحاء بعدم الحركة، يعني تحرك ولو كانت النتيجة كما يقال إنك تراوح مكانك.

في تقديري بعض "السكون الدبلوماسي" أفضل من إجهاد الوسطاء الذين يبذلون مجهوداً كبيراً في إقناع الأطراف المتصارعة على بناء الثقة المتبادلة لتحريك حالة الجمود الدبلوماسي في المواقف السياسية تحت مزاعم وشعارات الحفاظ على كرامة الوطن.. الجملة التي يعتنقها الأيديولوجيون دون أن يكون لها تعبير واقعي يمكن ملامسته. 

الأمر ينطبق على كل التحركات الدبلوماسية تجاه النظام الإيراني التي تلقى كما أظن "رسالة الفرصة الأخيرة" يوم الخميس من نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس والتي تذكرنا برسالة الرئيس بوش الأب لصدام حسين والتي حملها جيمس بيكر عام 1990 التي رفضها وزير الخارجية العراقي في وقتها طارق عزيز فكانت النتيجة تدمير العراق. 

الفرق بين السياسي والأيديولوجي أن السياسي يستطيع قراءة السياقات الدولية والإقليمية ويبني قراراته على مصلحة الوطن وشعبه، أما الأيديولوجي فلا تحركه مصلحة الوطن بقدر بقائه في السلطة ولو تم تدمير الوطن، محاولا رسم شعارات كبيرة حول مصلحته كي يظهر أنه الوطني الوحيد والبقية خونة إلى أن تقع الكارثة، وبعدها يبدأ الحديث يدور حول "لو سمعنا" النصيحة لما حدث كل هذا!!

يكاد العالم كله يتحرك تجاه المسؤولين في طهران لإقناعهم بقبول العودة إلى طاولة المفاوضات ولو بتقديم تنازلات بسيطة تعبر عن حسن النية في إبعاد خطر الضربة العسكرية المنتظرة، آخر تلك التحركات ما قام به الوفد القطري يوم الجمعة. لكن في كل مرة ترجع الوفود دون أي تقدم أو حراك نتيجة لتصلب الموقف الإيراني.

أفضل وصف للمشهد السياسي أن الدولة الإيرانية باتت "مصلوبة" بفعل سياسييها، ودولة معزولة حتى من جوارها الجغرافي سواءً بفعل الحصار الأمريكي عليها أو بفعل سلوكيات قادتها مع جيرانهم، كما بات المواطنون الإيرانيون شبه "معتقلين" من نظام بلادهم بحجة الدفاع عن الوطن كما لو كانت الكرامة الإيرانية ستسقط إن أنقذوا البلد من الدمار الذي يمكن أن يخلفه الهجوم العسكري.

يبدو لنا من بعض الزيارات التي ذهبت إلى طهران لـ"إخلاء طرفها" من مسؤولية النتائج المحتملة. والإيرانيون يتجاهلون تلك الزيارات الدبلوماسية نتيجة لنجاحهم في بعض المرات السابقة في إنقاذ بلدهم -وفق دبلوماسية حافة الهاوية-. لكن هذه المرة يبدو الأمر "قد فصل" واللحظة قربت لأن المؤشرات السياسية من خلال القفز على محمد باقر قاليباف، رئيس الوفد المفاوض مع الولايات المتحدة ومخاطبة محسن رضائي الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني مباشرة هي إشارة دبلوماسية أنه تم مخاطبة الفاعل الأول للقرار الإيراني بعد المرشد والشخص الأكثر تصلباً في النظام.

ليت الإيرانيين يتنازلون عن كبريائهم ويتعلمون من الأنظمة التي تحدت القوى الكبرى في العالم حيث انهارت بلدانهم ودمرت حضارتهم وبعضهم استسلم بذل ودون كرامة، وغيرهم انتحر تاركاً إرثاً كبيراً من الدمار والخراب، في حين جيرانهم يعيشون في سلام واستقرار فقط لأنهم ركزوا على البناء والإعمار وليس في محاولة امتلاك أسلحة لتدمير الإنسانية.

"تمطيط" المفاوضات وإطالتها بدون زمن وفق نظرية صانع السجاد التي يفتخر بها دبلوماسيو النظام الإيراني، أو حتى نظرية صياد السمك اللتين تعتمدان على الصبر الطويل والرهان على ملل الطرف المقابل إلى حين تنازله عن موقفه ولى زمنه، لأن النظريتين كُشفتا وفُضحتا أنهما من الطرق الملتوية وغير الأخلاقية للهروب من المسؤولية الدولية.

يتساءل الناس إن كان أحد في طهران يصغي لأية نصيحة من الوسطاء قبل فوات الأوان، وبعدها لن تنفع كلمة (يا ليت)، ويتساءلون أيضاً إن كان أحد يدرك الخطأ الجسيم في التصلب مع الرئيس دونالد ترامب الذي لا يمكن توقع أفعاله وليس تصريحاته المتأرجحة.

كل الخوف من أن يتسبب النظام الإيراني في مأساة في الداخل قبل الجوار الإقليمي الذي يراهن قادة إيران على تدميره انتقاماً من الضربة الأمريكية المحتملة، وكأن الخليجيين هم السبب وهي مصيبة أخرى لمن يجيد التهرب من مسؤولياته أمام شعبه وأمام الرأي العام العالمي.  

العين




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار


آخر التقارير

الصفحة الرئيسية