إلى أين تتجه سيناريوهات الصراع بجماعة الإخوان؟

إلى أين تتجه سيناريوهات الصراع بجماعة الإخوان؟

مشاهدة

20/10/2021

مايزال صراع قادة الإخوان على من يقود التنظيم مشتعلاً ولم يحسم بعد، ولم تجب قواعد التنظيم عن سؤال من يقود الجماعة حالياً؟ هل نائب المرشد والقائم بالأعمال إبراهيم منير ما زال يديرها؟ أم تمّ عزله كما أعلن المتحدث الرسمي طلعت فهمي؟ وهل الأمين العام للجماعة محمود حسين ومجموعته ما زالوا يمارسون مهامهم التنظيمية أم تمّ عزلهم وتحويلهم للتحقيق بالفعل؟ أمّا السؤال الأخطر الذي يحاول الجميع التهرب من الإجابة عنه، فهو هل ما زالت الجماعة موحدة أم انقسمت إلى تنظيمين لكل منهما رأس وأعضاء ومتحدث رسمي؟ والكثير في الداخل المصري ينتظر من ستؤول إليه القيادة ليعلن بيعته له.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون ولعبة الأواني المستطرقة.. كيف يبحث التنظيم عن بعث جديد؟

تُعدّ الأزمة الحالية من أشد الأزمات التي مرّت بها جماعة الإخوان، فهي تأتي في ظل تشتت أعضاء الجماعة المصريين وهروبهم في أكثر من دولة، بعد صدور أحكام ضدهم، إضافة إلى حبس قياداتهم الكبرى مثل المرشد ونائبيه خيرت الشاطر ومحمود عزت وعدد كبير من مكتب الإرشاد ومجلس شورى الإخوان بعد إدانتهم في جرائم إرهابية، ووسط هزائم شديدة لأفرع الجماعة في أقطار عدة، وانصراف الشعوب عن المشروع الإخواني بالكليّة.

قد يكون من المبكر الحكم على أوضاع الجماعة، سواء بالانقسام أو بالاتحاد، فما زالت الأزمة أو "الفتنة" كما يحلو لهم وصفها قائمة، تعصف بأركان الجماعة التي كانت تفتخر بوحدة صفها وقوة وتماسك تنظيمها، أصبحت مع هذه الخلافات مهددة بالانقسام، وليس الانشقاق، فالانشقاق مجموعة تخرج عن الجماعة وتعلن ذلك وتمارس عملها بقيمها الجديدة، أمّا الانقسام، فإنه يعني شقّ الجماعة إلى تنظيمين كلاهما يتحدث باسم الإخوان ويحمل الأفكار نفسها.

تُعدّ الأزمة الحالية من أشد الأزمات التي مرّت بها جماعة الإخوان المسلمين في تاريخها

وقد كشفت الأزمة عن أخطر أمراض الجماعة، وهو هشاشة تمسك القيادات بقيم الأخوّة وأخلاق الدعاة، التي كانوا ينادون بها، ففي يد كل جبهة أوراق تدين الطرف الآخر في ذمته المالية ومروءته، يقدّمونها للصف الإخواني لينصرف عن تأييد فريق لصالح فريق آخر، ممّا يؤدي إلى تمزق البنية التنظيمية وسقوط المشروع الأخلاقي والإصلاحي، ويؤكد مقولة إنّ كثيراً من أزمات الإخوان عبر تاريخهم تأتي في الغالب تجلياً ديناميكياً للصراع على المناصب، منذ البنا والسكري والهضيبي والسندي، وفي هذه الأزمة من المؤكد أنّ الخلاف لم يكن على خطط ولا استراتيجيات أو أهداف أو مسارات أو مواقف، فهم مشتركون في كل جريمة ارتكبها التنظيم، ولكنهم مختلفون على المناصب والقيادة وأسرار التمويل.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون: مناورات عبثية في تونس وتسريحات داخلية في المغرب

ولفهم مآلات هذه الأزمة والسيناريوهات المتوقعة يجب فهم جذورها جيداً؛ فقد بدأت الخلافات بعد استشعار إبراهيم منير أنّ أمين عام الجماعة محمود حسين كان يتلاعب به ولا يخبره بكل التفاصيل التي يرسلها محمود عزت القائم بأعمال المرشد وقتها، في رغبة واضحة لاستئثاره بقيادة الجماعة أو تجهيز نفسه ليكون هو القائم بالأعمال، تفاقمت الخلافات عقب إلقاء الشرطة المصرية القبض على محمود عزت وتنصيب "إبراهيم منير" في أيلول (سبتمبر) 2020 قائماً بأعمال المرشد العام، عندها قام منير باتخاذ جملة من الإجراءات، منها إلغاء "الأمانة العامة" التي كان يرأسها محمود حسين، ثم عمل على تشكيل لجنة لإدارة التنظيم تحت رئاسته، ضمّت محمود حسين بصفته عضواً منتخباً بمكتب الإرشاد و6 قيادات آخرين هم: محيي الدين الزايط، وحلمي الجزار، وأحمد شوشة، ومحمد عبد المعطي الجزار، ومدحت الحداد، ومصطفى المغير.

ولم تقف مجموعة محمود حسين مكتوفة الأيدي أمام قرارات منير، فقاموا بالترويج ضده وأنه لا يصلح لإدارة الجماعة، وأنه نموذج غير مؤسسي، ومن ثم عطلوا عمل اللجنة التي شكلها، وأداروا الجماعة من خلف ظهره، ممّا دعاه إلى حلّ "المكتب الإداري" لشؤون التنظيم بتركيا في شهر تموز (يوليو) الماضي، بدعوى عجزه عن القيام بمهامه، ولم تمتثل مجموعة حسين لقرارات منير، فردّت جبهة منير بإعادة الحديث عن مخالفات مالية وإدارية تطال محمود حسين، وقيامه مع عدد من رجاله بتسجيل عقارات وممتلكات وأموال خاصة بالجماعة بأسمائهم وأسماء أبنائهم، وهو ما كشفه التسريب الصوتي للقيادي أمير بسام في وقت سابق.

كشفت الأزمة عن أخطر أمراض الجماعة وهو هشاشة تمسك القيادات بقيم الأخوّة وأخلاق الدعاة

استمرت جبهة محمود حسين في رفض تنفيذ قرارات إبراهيم منير، الذي أصدر قراراً بتشكيل "لجنة إدارة تركيا" (وهي لجنة خاصة تدير شؤون الجماعة في تركيا) تتكون من مجموعة من القيادات الموالية له، ورفض محمود حسين ومجموعته الامتثال لقرارات إبراهيم منير مرّة أخرى، فأحالهم إلى التحقيق في آب (أغسطس) الماضي وأوقفهم عن العمل، وقد وصف مؤيدو منير هذه الخطوات بأنها إصلاحية ونقلة نحو تجديد دماء الجماعة، في حين فسّرتها مجموعة محمود حسين، المستبعد من الأمانة، بأنها إجراءات غير مؤسسية واستبدادية، وفي محاولة للمّ الشمل داخل التنظيم اتفق الجانبان على إجراء انتخابات داخلية بهدف اختيار أعضاء "المكتب الإداري للإخوان بتركيا" في أيلول (سبتمبر) الماضي، أسفرت الانتخابات عن خسارة جبهة حسين، وقد رفضوا النتيجة وشككوا في نزاهة الانتخابات.

اقرأ أيضاً: صراع إخوان إسطنبول ولندن: تناحر القيادات هل ينحر الجماعة؟

تقدّم "منير" خطوة على  "حسين" عندما أصدر قراراً بإيقاف محمود حسين (الأمين العام السابق وعضو مكتب الإرشاد)، ومحمد عبد الوهاب (مسؤول رابطة الإخوان المصريين بالخارج)، وهمام علي يوسف (عضو مجلس الشورى العام ومسؤول مكتب تركيا السابق)، ومدحت الحداد (عضو مجلس الشورى العام)، وممدوح مبروك (عضو مجلس الشورى العام)، ورجب البنا (عضو مجلس الشورى العام)، وتمكنت مجموعة حسين من فرض رجالها الإعلاميين الذين رفعوا حدة الخلاف بإعلانهم إعفاء منير من منصبه، وذلك لخلق حالة مضادة لجبهة منير، سعياً للجلوس إلى مائدة التفاوض من مركز القوة في حال تدخل الوسطاء، وفي سبيل ذلك رفضوا تسليم الموقع الرسمي للجماعة (إخوان أون لاين)، وقيام أنصار حسين بتدشين أكثر من قناة عبر "تليغرام" للهجوم على جبهة منير، والدعوة للتمسك باللائحة وبنتائج اجتماع مجلس الشورى الذي أصدر قرار الإعفاء للقائم بأعمال المرشد.

حتى اللحظة، ما زالت الانحيازات غير كافية لترجيح جبهة على أخرى، رغم ما يبدو من تقدم ملحوظ لمجموعة إبراهيم منير، فقد انحاز بعض ضحايا محمود حسين إلى منير كردّ فعل عقابي، لاستبعادهم عن العمل، مثل القيادي محمد جمال حشمت والشيخ عصام تليمة، في حين أنّ ابنة الرئيس الإخواني المعزول محمد مرسي تنحاز لمجموعة محمود حسين، وتعلن ذلك على صفحتها في فيسبوك. 

اقرأ أيضاً: صمت الإخوان عن إدانة مقتل النائب البريطاني: مباركة مبطّنة؟

ويرى مراقبون أنّ الأسباب الموضوعية لتفاقم مثل هذه الخلافات على المناصب القيادية في تنظيم الإخوان يعود بالأساس إلى غياب الشفافية وانعدام الدور الرقابي في الجماعة، واستبدال المؤسسية بالفردية والاكتفاء بثقة الأفراد في القيادة، وخضوع الصف للسمع والطاعة، ممّا يُعدّ بيئة خصبة لنمو النزعة الاستبدادية والسلطوية عند القيادة، والتنازع فيما بينهم للحصول على المنصب، وامتيازات قيادة صف لا يناقش قادته ولا يحاسبهم ولا يملك مساءلتهم عن قراراتهم التي أدت إلى مزيد من الخسائر أو عن مصدر الأموال التي يكتنزونها.

ماتزال الانحيازات غير كافية لترجيح جبهة على أخرى رغم ما يبدو من تقدم ملحوظ لمجموعة إبراهيم منير

وأمام تفاقم الصراع وخروجه إلى العلن بهذه الصورة، لن يكون أمام التنظيم سوى مسارين؛ الأول: استقرار الأوضاع لصالح جبهة إبراهيم منير، بعد تدخل شخصيات إسلامية عالمية، ولا سيّما مع تجديد مجلس الشورى العام لجماعة الإخوان المسلمين المصريين بالخارج البيعة لمنير كقائم بأعمال المرشد، من أجل الاستقرار وتجاوز الآثار التي خلفها هذا الصراع، سواء في البنية التنظيمية أو في خطاب الإخوان العام، وهذا المسار هو الأقرب للتنفيذ نظراً لتوالي إعلان شخصيات قيادية بيعتها لإبراهيم منير.

اقرأ أيضاً: احتجاجات السودان: هل يحاول فلول الإخوان الانقلاب على حكومة حمدوك؟

المسار الثاني هو الإطاحة بإبراهيم منير عبر نجاح جبهة محمود حسين في تشكيل تيار كبير داعم لها يقوم بعزله، نظراً لتمكّن محمود حسين من المفاصل التنظيمية للجماعة، فضلاً عن احتفاظه بأسرار تمويل الجماعة، غير أنه احتمال ضعيف رغم وجاهته، لافتقاده الشرعية التنظيمية اللازمة، فمجموعة محمود حسين سقطوا في الانتخابات وخرجوا من المكتب بشكل صحيح، ولم يعد من حقهم الاجتماع بمجلس شورى الإخوان وإصدار أيّ قرارات، ومن المعلوم أنّ الجماعة لا تلتف حول أشخاص، حتى لو كانوا تاريخيين، بل يلتفون حول التنظيم وقيادته الشرعية.

في كلا المسارين خسرت الجماعة بأيدي قادتها ما لم تخسره في صراعها مع شعوب المنطقة، فقد ثبت بالدليل القاطع وبالممارسة الفعلية سقوط المشروع الإخواني، وقد وجدنا قادة الإخوان الربانيين لا يتورعون عن اختلاس أموال الجماعة الربانية، ولا عن اتهام إخوانهم الربانيين بأبشع التهم، طالما كانوا ضد مصلحتهم التنظيمية، وقد كشفت الأزمة وتصريحات الإخوان تدليسهم على الشعوب بامتلاكهم قدرات إدارية فذّة وخارقة وعالمية، وعند التجربة فشلوا في إدارة جماعتهم وتنظيمهم، فهل يمكن الوثوق بهم لإدارة دولة وأستاذية العالم؟




آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية