إذا كانت الحرب هي القبح فهل ينتصر الجمال في النهاية؟

إذا كانت الحرب هي القبح فهل ينتصر الجمال في النهاية؟

مشاهدة

19/05/2019

"الجمال" كلمة تتردد على مسامعنا عشرات المرات في اليوم الواحد، كغيرها من المفردات اللغوية لكننا لا نتأملها بما يكفي، فنقف عند غيرها من المفردات كالعنف والقتل والدمار والقبح المنافية لقيمة الجمال وطبيعته، أكثر مما نقف عند الجمال. 

اقرأ أيضاً: عداء الإسلام السياسي للقيم الجمالية.. الحرب الأهلية على الذات

الجمال؛ مفهوم فلسفيّ ليس له معايير أو مقاييس محددة، إنما هو إحساس يكمن في الرؤية، رؤية الإنسان لنفسه ورؤيته للآخرين، ورؤيته للطبيعة، وكذلك القبح المناقض للجمال. وقد دخل مفهوم الجمال في جميع الثقافات في العالم، وكان المحرك الديناميكي للإبداع عن طريق الأدب بكافة أنواعه والفن (كالرسم والنحت والتصوير) والفنون المسرحية وغيرها، وجميعها تساهم في بناء الحضارات وازدهار الأمم.

دخل مفهوم الجمال في جميع الثقافات في العالم وكان المحرك الديناميكي للإبداع عن طريق الأدب والفن

لم يتوان الفيلسوف البريطاني "روجر سكروتون" عن تقسيم الجمال وتبويبه في أربعة أقسام: الجمال البشري بوصفه موضوعاً للرغبة، والجمال الطبيعي كموضوع للتأمل؛ وجمال مفردات الحياة، موضوع العقل العملي؛ والجمال الفني، وهو شكل للمعنى وموضوع للذوق1 .

إنّ أهم ما توصل إليه "سكروتون" في أبحاثه الجمالية؛ هو التفرد، الخاصية الحرة للإنسان، التي تعبر عن استقلاليته وذاته الحرة؛ أي إنّ الذائقة الجمالية تختلف من شخصٍ لآخر بقدر الاختلاف بين الأفراد والجماعات. ويختلف مفهوم الجمال وفقاً للسياقات المتعددة التي يرد فيها ليشمل كل أنواع الجمال المختلفة ومستوياته واستخدامه في تلك السياقات.

اقرأ أيضاً: مواجهة عبر الموسيقى بين التشدد والاعتدال

أغفل العرب تلك الخاصية التي لاحظها سكروتون (التفرد) في رؤيتهم للجمال، فكانت تلك الرؤية إما نقدية أو روحية؛ كقول عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: "ليس الجمال بأثواب تزيّننا؛ إنّ الجمال جمال العلم والأدب"، نرى في الشطر الأول من القول، عدم الاهتمام بالشكل الفني للمظهر الخارجي، مع أنّ الحضارة العربية هي من أقدم الحضارات في العالم، تلتها الحضارة الإسلامية التي أنتجت أهم الفنون في العالم وهي الزخارف الدقيقة رائعة الجمال، إضافة إلى ذلك فقد كان الرسول، عليه الصلاة والسلام، يرتدي من الثياب أحسنها وأجملها وأليقها له، وإن دلّ ذلك على شيء فهو يدل على ارتباط المظهر بالجوهر ارتباطاً وثيقاً؛ أي الجمال الداخلي عند الإنسان أو الجمال الروحي والسمت الأخلاقي كما ورد في الشطر الثاني من قول الصحابي عليّ بن أبي طالب، رضي الله عنه.

اقرأ أيضاً: كيف تساهم الموسيقى في تجاوز البؤس الدنيوي؟

لم يغب الجمال عن ذهن الفلاسفة أيضاً، فقد جعله أفلاطون قيمة مطلقة وخالدة إلى جانب الحق والخير، وأبرز جانبه الصوفي في الشعر حيث قال: "لا يستطيع أحد أن يتقن الشعر إلاّ بإلهام من ربات الشعر" على اعتبار أنّ الآلهات جميلات، كما أنّه اعتبر أنّ الموسيقى هي لتطهير النفس والتسامي، ولم يعترف إلاّ بالفن الجميل القائم على فلسفته للجمال؛ أي ما يمتلك الفن من جمالية في قدرته على محاكاته للطبيعة.

وقد نظر "إيمانويل كانت" إلى الجمال من خلال "الحكم" الذي يصدره الشخص على "الجميل" وهو حكم يتميّز عن الحكم العلمي وعن الحكم الأخلاقي كما ورد في كتابه "نقد العقل المحض"، فيقول: "لكي نميّز الشيء هل هو جميل أو غير جميل، فإننا لا نعيد تمثيل الشيء إلى الذهن من أجل المعرفة، بل إلى مخيلة الذات وشعورها باللذة والألم. وبالتالي ليس منطقياً، بل جمالياً، ونعني بذلك أنّ المبدأ الذي يعيّنه لا يمكن أن يكون إلاّ ذاتياً". لا بد أن يكون "سكروتون" قد حذا حذو "كانت" في اكتشافه للتفرد في علم الجمال. 

اقرأ أيضاً: مشروع مجراية: الفنّ في مواجهة التعصّب بصعيد مصر

إذا ذهبنا إلى أعماق مفهوم التفرد أو الاستقلالية الذاتية، نكون قد منحنا أنفسنا فرصة جديدة للتفكير في أنّه قد تكون هناك معايير للجمال والذوق. و(لغة الجسد) هي التعبير الأمثل للتفرد، نظرة العينين، احمرار الوجنتين، ارتجاف الشفتين، حركة اليدين، جميعها علامات واضحة على الحرية الشخصية، وجميعها تختلف من شخص إلى آخر، تعبر عن الأفكار وليدة اللحظة (كالخجل والإعجاب) على سبيل المثال، من ثم تكشف عن النيّة والسمت الأخلاقي عند الشخص (الذكر والأنثى) وتكشف أيضاً عن نظرته لذاته، والأعمال الفنية هي التجسيد الأمثل لتلك الفردانية والحرية الذاتية؛ نجدها جليّة الملامح في لوحة "الموناليزا" وتمثال "فينوس" آلهة الخصب والجمال. لكن ماذا عن الفن والجمال في زمن الحرب؟ هل حافظ الجمال على نفسه، أم أنّه ذهب في غياهب السلب والنهب والدمار؟

لم تستطع الحرب أن توقف الجمال عن التدفق داخل الناجين من دمارها الذين صمدوا في وجه القبح

لا شك في أنّ للحرب تأثيرها السلبي على كل ما يقع تحت رحاها من بشرٍ وحجر، لم يسلم الجمال من تشوهات الحرب في الوطن العربي (كسوريا والعراق واليمن وليبيا) وفي غير مكان من العالم، ولم تستطع الحضارات الدفاع عن نفسها أمام الأسلحة الفتاكة الذي صنعها الإنسان، كما صنع الجمال في أعماله الفنيّة، فقد شوهت الحرب الطبيعة ودمّرت الجوامع والكنائس والقلاع الأثرية في سوريا، ونهبت داعش آثار تدمر، واستولت أمريكا على آثار العراق، وقبل ذلك بزمنٍ بعيد قتلت الكنيسة "مايكل أنجلو" و"غاليلو" وغيرهم من المبدعين في العلم والفن والجمال.

فالحرب إذن هي القبح بكليّته، ورغم كل ذلك لم تستطع الحرب أن توقف الجمال عن التدفق داخل الناجين من دمارها، الذين صمدوا في وجه القبح لإنقاذ الجمال، فقد استمر الأدب بكافة أشكاله، واستمرت الفنون بكافة أنواعها، يبقى الفرق في تصوير الواقعين الزمان والمكان، ما قبل الحرب وأثناءها، فاحتل القبح مكانة لم يكن موجوداً فيها في زمن ما قبل الحرب.
فهل ستنتهي الحروب يوماً ويعود الجمال جمالاً حقيقياً داخل الإنسان وخارجه؟


هامش:

1 - راجع/ي، روجر سكروتون، الجمال، ترجمة بدر الدين مصطفى، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2014.

الصفحة الرئيسية