
لم يكن القرار الأمريكي الأخير مجرد إجراء روتيني في سياق مكافحة التمويل، بل كان" إعلاناً سياسياً وقانونياً" يضع جماعة الإخوان المسلمين في سلة واحدة مع أكثر التنظيمات دموية في التاريخ الحديث: "داعش " و"القاعدة".
هذا "التساوي القانوني" ينهي عقوداً من المراهنة الغربية على فكرة الإسلام السياسي المعتدل أو المعارضة السلمية، ويؤكد أنّ واشنطن باتت ترى في الإخوان "البيئة الحاضنة" والمنبع الإيديولوجي الذي تتغذى منه كافة حركات العنف.
إنّ هذا التصنيف لا يغير فقط من قواعد اللعبة في الشرق الأوسط، بل يلقي بظلال ثقيلة ومعقدة على أفرع التنظيم في أوروبا، التي طالما حاولت تسويق نفسها كبديل حضاري للتنظيمات الجهادية، فإذا بها اليوم تُحاصَر في المربع القانوني والأمن نفسه المنبوذ دولياً.
"المساواة القانونية"... ماذا يعني الإدراج مع داعش والقاعدة؟
إدراج الإخوان في القائمة نفسها مع داعش والقاعدة يعني انتقال التعامل معهم من "قانون السياسة "إلى" قانون الحرب على الإرهاب". في العرف القانوني الأمريكي هذا التصنيف (FTO) يترتب عليه تجريم أيّ نوع من أنواع الدعم، حتى لو كان لفظياً أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تحت بند "تقديم دعم مادي للإرهاب".
هذا التحول يجرّد الإخوان من "الحصانة السياسية "التي تمتعوا بها لسنوات. فبينما كان التنظيم الدولي يدّعي أنّه ضحية للأنظمة السلطوية، فإنّ وضعه في مرتبة القاعدة وداعش يسقط هذه المظلومية؛ إذ لم تعد واشنطن تميز بين "الذئب المنفرد" الداعشي وبين" الكوادر المنظمة الإخوانية"، بل باتت تراهما وجهين لعملة واحدة تستهدف الأمن القومي العالمي، وهو ما سيؤدي إلى ملاحقة قادة التنظيم الدولي كـ "إرهابيين فارين" وليس كـ" لاجئين سياسيين".
"صدمة العواصم الأوروبية"... التحدي الأمني والقانوني
يمثل هذا القرار الأمريكي مأزقاً حاداً للدول الأوروبية، وخاصة ألمانيا وبريطانيا وفرنسا. فهذه الدول كانت تتبنّى استراتيجية الفصل بين الجماعات العنيفة داعش والقاعدة،) وبين الجماعات السياسية" (الإخوان".
اليوم، ومع المعادلة الأمريكية الجديدة، ستجد الأجهزة الاستخباراتية الأوروبية نفسها مضطرة لإعادة تقييم مراقبتها لآلاف المؤسسات الإخوانية. فإذا كانت واشنطن -وهي الحليف الأمني الأوثق ـ تضع الإخوان في خانة داعش، فكيف يمكن للندن أو برلين الاستمرار في السماح لهذه الجمعيات بالعمل؟ هذا التناقض سيقود حتماً إلى موجة من القوانين الأوروبية الجديدة التي تتبنّى المعيار الأمريكي، خشية أن تتحول القارة الأوروبية إلى"خزان تمويل" لتنظيمات تُصنفها واشنطن كخطر وجودي مساوٍ للقاعدة.
تجفيف المنابع الفكرية"..." ضربة لمراكز الأبحاث والجامعات
أحد أخطر آثار مساواة الإخوان بداعش والقاعدة يكمن في المجال "الأكاديمي والبحثي"، فقد تغلغل الإخوان لسنوات في الجامعات الأوروبية ومراكز الأبحاث تحت غطاء "دراسات الإسلام السياسي".
هذا التصنيف الجديد سيجعل أيّ تمويل يأتي من مؤسسات إخوانية مثل مؤسسة قطر الدولية أو اتحادات المنظمات الإسلامية بمثابة تمويل مشبوه يقع تحت طائلة قوانين مكافحة الإرهاب.
من المرجح أنّ الجامعات الأوروبية ستحاول التخلص من المنح والأكاديميين المرتبطين بالتنظيم خوفاً من الملاحقة الأمريكية. إنّ "غسيل السمعة" الذي مارسه الإخوان عبر القوة الناعمة في أوروبا قد انتهى، وسيتم التعامل مع أدبيات حسن البنا وسيد قطب بالحذر نفسه الذي يُتعامل به مع منشورات أسامة بن لادن أو أبي بكر البغدادي.
"الذعر المالي "وانتحار الشبكات الاقتصادية في أوروبا
تمتلك جماعة الإخوان في أوروبا إمبراطورية مالية تُقدّر بمليارات الدولارات، تُدار عبر شبكات من الشركات الواجهة والمصارف الإسلامية. إنّ المساواة بين الإخوان وداعش والقاعدة تعطي الضوء الأخضر للمؤسسات المالية الدولية مثل "سويفت" لتجميد أيّ تحويلات مرتبطة بأسماء إخوانية فوراً.
المصارف الأوروبية، التي تخشى الغرامات الأمريكية المليارية، ستتخذ إجراءات "احترازية قصوى"؛ ممّا يعني إغلاق حسابات آلاف الجمعيات الخيرية والمساجد والمراكز الثقافية في أوروبا لمجرد الاشتباه في صلتها بالتنظيم. هذا "الانتحار المالي" سيصيب التنظيم الدولي بالشلل، حيث لن تعود أموال التبرعات أو الاستثمارات قادرة على التحرك بحرية بين العواصم، ممّا سيفكك الروابط العضوية بين أفرع التنظيم في القارة الأوروبية.
أزمة" المواطنة "والاندماج للجاليات المسلمة
يمارس الإخوان في أوروبا نوعاً من "الوصاية" على الجاليات المسلمة، مقدمين أنفسهم كحائط صد ضد التطرف الداعشي. القرار الأمريكي الجديد ينسف هذا الدور تماماً؛ فهو يخبر المسلمين في أوروبا بأنّ الإخوان ليسوا البديل المعتدل، بل هم أصل المشكلة.
هذا سيؤدي إلى عزل الإخوان داخل الجاليات المسلمة؛ إذ سيهرب المسلمون المعتدلون والمنصهرون في مجتمعاتهم من أيّ صلة بالمراكز التابعة للإخوان خوفاً من أن تُوصم عائلاتهم بالإرهاب. الجماعة ستفقد قاعدتها الجماهيرية في أوروبا، وستتحول إلى "غيتوهات" معزولة ومراقبة أمنياً على مدار الساعة، تماماً كما يتم التعامل مع الخلايا النائمة لداعش والقاعدة، ممّا يعني نهاية حلم الإخوان في قيادة "الكتلة الإسلامية "في الغرب.
"النفي الرقمي "وسقوط المنصات الإعلامية
بموجب قوانين مكافحة الإرهاب الأمريكية المشددة، فإنّ المساواة بين الإخوان وداعش تفرض على شركات التكنولوجيا (جوجل، ميتا، إكس) حذف كل المحتوى المرتبط بالجماعة.
سنشهد "تطهيراً رقمياً" واسعاً؛ إذ سيتم إغلاق القنوات التابعة للإخوان على "يوتيوب"، وحظر حسابات قادتهم على" فيسبوك وإكس"، باعتبارها منصات "لترويج الفكر الإرهابي". هذا سيفقد إخوان أوروبا قدرتهم على التحريض وتجنيد الشباب، وسيحرمهم من أهم أدواتهم في التأثير على الرأي العام الأوروبي. إنّ "الخناق الرقمي" سيكمل عملية العزل المادي، ممّا يجعل التنظيم صامتاً ومفلساً ومطارداً في آنٍ واحد.
"محرقة" التنظيم الدولي في أوروبا
إنّ إدراج واشنطن للإخوان مع داعش والقاعدة هو" شهادة وفاة" للمشروع الإخواني في الغرب. لم يعد هناك مساحة للمناورة أو الحديث عن الاعتدال؛ فالمعادلة باتت صفرية. أوروبا، التي كانت الملاذ الآمن والحديقة الخلفية للتنظيم، تتحول الآن إلى "كمين قانوني وأمني" كبير.
لقد أدركت واشنطن، ومن خلفها العواصم الأوروبية، أنّ الفارق بين الإخوان وداعش هو فارق في "التوقيت" وليس في" الإيديولوجيا". وتداعيات هذا القرار ستؤدي حتماً إلى تآكل أفرع التنظيم في أوروبا، حيث سيتجه الأعضاء إمّا نحو الانشقاق والذوبان الفردي، وإمّا نحو التطرف العنيف الصريح، ممّا سيسهل على الأجهزة الأمنية تصفية ما تبقى من بنية تحتية لهذا التنظيم الذي عاش قرناً من الزمان على التضليل، قبل أن تضعه المعادلة الأمريكية الجديدة في مكانه الحقيقي بجانب عتاة الإرهاب العالمي.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_2.jpg.webp?itok=3IurMJHw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_1.jpg.webp?itok=ZHdchJGw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%86_0_0_1_1.jpeg.webp?itok=zqlZO66d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%AD%D9%84_10_4.jpg.webp?itok=Tb3ja79D)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_3.jpeg.webp?itok=hc_VaQOg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%A7%D8%AE%D9%84%D9%8A_1_3_1_1.jpg.webp?itok=o3ONEK_p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_3_1_7_2_0_1_0_1.jpg.webp?itok=fFpTXApw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%84%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AF%D8%A7_0_1.jpg.webp?itok=tTV7VYQo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D8%A7%D9%85_2_1_1_0_1_3_0.png.webp?itok=B_aqJ73A)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84_1_5.jpg.webp?itok=hCdKmnI4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%B4%D8%A71.jpg.webp?itok=kuO7Yy_d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD_38.jpg.webp?itok=jH4JYkNB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_3_0.jpg.webp?itok=XgfaK1jy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/011_4.jpg.webp?itok=0QR5maRr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A9_176.jpg.webp?itok=aL0i-O1b)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_2.jpeg.webp?itok=R9lPs42T)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%88%D8%B2%D9%8A_1.jpg.webp?itok=l-buhOgN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%88%D9%86%D8%A7%D9%86_10.jpg.webp?itok=lZKGjScW)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D9%84%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=TYJr2e66)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/4e45cd14-609d-41dc-8337-47bdff5ee0cc_0.png.webp?itok=aZAFci1K)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/GDwvCo_zMvwWviO1UBjZOIncr8lBppACdNT5J2TgfLKiQt_Gch5Mbarh28Jo_9qBwcr2yCAGeE6sde8thVaLC2axkS3EdFlt0lVf9sRMY3oGNK4DR-i8hDLKVbVwbGpBttMNqPlZ0db_UOo4RUv8BtbOP3ye6_zuKhmtGTMdUL1NuxY8S1_j8dcMOIUPl9Ht%20%281%29.jpg.webp?itok=nS9xUUct)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ViYLxN7VkltvpvRG-BjwxijOzunHI9I_yZcM-e_K1TvKFCw4ds6oGRnGjeoTuODbDJZmxErM8WUpMaoSmGVs1o2jjcTozGzw4UwThDP3UDzeljr5wkQNDW3VWrMykNYUsRHwLAOMXx7_q52ErSNBggk2RD-IprWZcNisyCgWBHQYHnnJWha4GC1CQRvIuX5h%20%281%29.jpg.webp?itok=iKGLY69d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA_0_1.jpg.webp?itok=PBow1BGf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A7_82_1_2_0_0_0_0_1.jpg.webp?itok=--QJOt8O)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
