إخوان اليمن وإعادة ترتيب الأوراق

إخوان اليمن وإعادة ترتيب الأوراق

إخوان اليمن وإعادة ترتيب الأوراق


25/08/2026

تشير تحركات حديثة لحزب التجمع اليمني للإصلاح إلى سعيه لإعادة تقديم نفسه لاعبًا سياسيًا رئيسيًا في المشهد اليمني، بالتزامن مع تغيرات ميدانية وسياسية تشهدها المناطق الخاضعة للحكومة اليمنية. وبينما حمل خطاب الحزب في مأرب رسائل عن التعددية وتوحيد القوى المناهضة للحوثيين، جاءت عودة القيادي البرلماني "إنصاف علي مايو" إلى عدن، بعد غياب تجاوز عقدًا، لتمنح هذه التحركات بُعدًا سياسيًا أكثر وضوحًا.

في 23 آب/أغسطس2026  بعث رئيس فرع حزب الإصلاح في محافظة مأرب، مبخوت بن عبود الشريف، برقية تهنئة إلى قيادة وقواعد المؤتمر الشعبي العام في المحافظة بمناسبة الذكرى الرابعة والأربعين لتأسيس الحزب، مؤكدًا أنّ تجربة مأرب أظهرت أنّ التعدد السياسي يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة عندما تنتظم القوى المختلفة تحت سقف المصلحة الوطنية.

ولم تقتصر الرسالة على المستوى المحلي؛ فقد وجّه الأمين العام لحزب الإصلاح عبد الوهاب الآنسي تهنئة مماثلة إلى قيادات المؤتمر، داعيًا الأحزاب والقوى السياسية إلى توحيد الجهود لاستعادة مؤسسات الدولة ومواجهة الحوثيين.

وجاء ذلك في وقت كان فيه فرعا المؤتمر في مأرب وتعز قد أعلنا إلغاء احتفالات الذكرى الرابعة والأربعين لتأسيس الحزب وتوجيه الإمكانات المتاحة إلى دعم الجبهات والقوات الحكومية في مواجهة الحوثيين.

وهنا تبدو التهنئة الإصلاحية محاولة لإرسال أكثر من رسالة في وقت واحد: التأكيد على استمرار قنوات التواصل مع أحد أبرز مكونات المعسكر المناهض للحوثيين، وإعادة تقديم الحزب باعتباره جزءًا من صيغة سياسية تقوم على الشراكة لا الإقصاء.

لكنّ هذا الخطاب يصطدم بإرث طويل من الخصومات والصراعات بين حزب الإصلاح وخصومه، ولذلك لا ينظر إليه منتقدو الحزب باعتباره تحولًا نهائيًا في سلوكه، بل يرونه جزءًا من إعادة تموضع تفرضها الظروف السياسية الجديدة.

عودة مايو تعيد حزب الإصلاح إلى قلب عدن

بعد أيام قليلة من هذه الرسائل السياسية، عاد القيادي الإصلاحي وعضو مجلس النواب إنصاف علي مايو إلى عدن، بعد غياب دام أكثر من عشر سنوات، في خطوة لافتة حظيت بتغطية واسعة في وسائل الإعلام المحلية. وظهر مايو في فعالية عامة في المدينة، في أول حضور علني بارز له فيها منذ مغادرته عقب أحداث 2015.

وما يجعل العودة ذات دلالة سياسية هو موقع مايو نفسه؛ فهو رئيس المكتب التنفيذي لحزب الإصلاح في عدن وعضو مجلس النواب والبرلمان العربي، ممّا يعني أنّ عودته لا تتعلق بشخصية حزبية هامشية، وإنّما بأحد أبرز ممثلي حزب الإصلاح في المدينة. وسبق أن ظهر مايو في الحياة السياسية العدنية بوصفه رئيسًا لفرع الحزب، والتقى الرئيس عبد ربه منصور هادي في تشرين الثاني/نوفمبر 2015 لمناقشة أوضاع المحافظة.

وتربط المصادر المحلية مغادرته للمدينة بحادثة تفجير وقعت قرب مقر حزب الإصلاح في كريتر في كانون الأول/ديسمبر 2015. وتختلف الروايات حول طبيعة الحادثة وهدفها؛ فحزب الإصلاح اعتبرها جزءًا من الاعتداءات التي استهدفت قياداته ومقراته، بينما قدّمت مصادر أخرى روايات مغايرة بشأن كون الانفجار استهدافًا مباشرًا لمايو.

ووثق تقرير صادر عن الأمم المتحدة في 2019 قضية محاولة اغتيال النائب إنصاف علي مايو، مشيرًا إلى تفجير وقع أمام مكتب الإصلاح في كريتر في 29 تشرين الأول/أكتوبر 2015، مع عرض تفاصيل وتحقيقات الفريق الأممي بشأن الواقعة.

إشارتان في توقيت واحد

وبينما لا توجد، حتى الآن، أدلة منشورة تثبت أنّ تهنئة فرع الإصلاح في مأرب وعودة مايو إلى عدن جزء من خطة تنظيمية واحدة، فإنّ تزامنهما السياسي يلفت الانتباه.

فالرسالة الصادرة من مأرب تتجه نحو الخارج، وتخاطب حزبًا منافسًا وشريكًا في المعسكر المناهض للحوثيين بلغة تؤكد التعددية وتوحيد القوى. أمّا عودة مايو فتتجه إلى الداخل التنظيمي والجغرافي لحزب الإصلاح، عبر إعادة أحد أبرز وجوهه في عدن إلى الواجهة.

وهذا الربط يعطي الانطباع بأنّ الحزب يحاول التحرك على مستويين متوازيين: ترميم صورته وعلاقاته مع القوى السياسية، واستعادة حضوره المباشر في مناطق يرى أنّ نفوذه فيها تراجع خلال سنوات الصراع.

والمشكلة التي تواجه حزب الإصلاح ليست في إطلاق خطاب عن الشراكة، وإنّما في قدرته على تحويل هذا الخطاب إلى ممارسة سياسية قابلة للقياس. فالحزب يتحرك داخل بيئة يمنية شديدة الحساسية تجاه أيّ محاولة لإعادة إنتاج مراكز النفوذ أو احتكار القرار، بينما ما تزال علاقته بمكونات سياسية وعسكرية متعددة موضوعًا للخلاف والشكوك.

ومن هذه الزاوية، فإنّ تهنئة المؤتمر لا تكفي وحدها لإثبات تحول في نهج حزب الإصلاح، كما أنّ عودة مايو إلى عدن لا تعني تلقائيًا أنّ الحزب استعاد نفوذه الذي فقده خلال السنوات الماضية. كلا التطورين يمثلان مؤشرًا، لكنّ اختبارهما الحقيقي سيكون في طبيعة التحالفات التي سيبنيها حزب الإصلاح، وفي مستوى مشاركته في مؤسسات الدولة، ومدى استعداده للعمل ضمن ترتيبات سياسية أوسع من حساباته التنظيمية.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في مأرب وعدن تحديدًا؛ فالأولى تمثل مركزًا عسكريًا وسياسيًا مهمًا في مواجهة الحوثيين، وتُعدّ الثانية مركزًا سياسيًا وإداريًا رئيسيًا للحكومة اليمنية. لذلك فإنّ أيّ تحرك لإعادة ترتيب حضور الإصلاح في المحافظتين يحمل، بالضرورة، دلالات تتجاوز النشاط الحزبي المعتاد.

ويبدو أنّ حزب الإصلاح يدخل مرحلة جديدة عنوانها محاولة إعادة الانتشار السياسي بعد سنوات من الضغوط والصراعات. ففي مأرب يختبر لغة التوافق مع المؤتمر والقوى الأخرى، وفي عدن يعيد أحد أبرز قياداته إلى المشهد بعد غياب طويل.

لكنّ نجاح هذه الخطوة لن يتحدد بالبيانات والتهاني أو بعودة القيادات، بل بقدرة الحزب على إقناع شركائه وخصومه بأنّ حديثه عن التعددية والشراكة يعكس مسارًا سياسيًا فعليًا. وفي المقابل ستظل تحركاته تحت المراقبة من القوى اليمنية التي تنظر بعين الشك إلى أيّ محاولة لإعادة توسيع نفوذه داخل مؤسسات الشرعية ومراكز القرار. وبذلك، فإنّ ما يجري لا يمكن قراءته باعتباره مجرد مناسبات حزبية منفصلة؛ بل بوصفه جزءًا من مشهد أوسع يعاد فيه توزيع الأدوار والنفوذ في اليمن، فيما يحاول حزب الإصلاح تحديد موقعه في المرحلة المقبلة.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية