
كيف بَنت إسرائيل وجودًا مُتكاملًا، لا يستند فقط على نص ديني مقدّس ووعد إلهي بالأرض، ولا يعتمد فقط على قوة عسكرية جبارة، ولا لوبي صهيوني مساند في الغرب يدين بمعروفه الساسة الأمريكيون ويبقون على ولائه، ولا هو حفاظها على بوق دعائي يضمن لها الصوت الأعلى والسردية الوحيدة للرواية، وإنّما امتدّ هذا البناء ليشمل مستوى حسّيًا أقوى، وهو إعادة إحياء لغة ميتة، فالمعروف أنّ اللغة هوية، وأنّ اللغة تحفظ الشخصية القومية من الذوبان في الهويات الأخرى، والأمم التي تريد لنفسها وجودًا مُستقلًا تُعنى بلغتها أيّما اعتناء.
ولأنَّ الشخصية اليهودية تعاني شتاتًا تاريخيًا منذ وجودها؛ ليس لها حدود جغرافية خاصة، ولا تدلنا علوم الآثار الحديثة على وجود حضاري تراثي مُستقل، فالوجود اليهودي هو وجود ذائب من ناحية الهوية والقوة والاستقلالية، وهو وجود مُنفصل بحكم الطبيعة اليهودية التجنُبية والاستعلائية، وبحكم المهن التي ذاع فيها صيت اليهود الذين استثمروا في الأزمات الاقتصادية في الغرب، حيث عُرف اليهودي في المخيال الغربي بأنّه ربوي وتاجر رقيق أبيض وبخيل، وهذه ثيمات انطباعية موجودة في عمق التاريخ الغربي، والتي كانت مقدمات منطقية لما يُعرف بـ "معاداة السامية"، فضلًا عن أسباب دينية متجذرة في أدبيات الديانة المسيحية التي ترى أنّ اليهود هم من قتلوا السيد المسيح ودلّوا عليه، واتهمات وشائعات شعبوية انتشرت في أوروبا حول استخدام اليهود لدماء الأطفال المسحيين في الطقوس الدينية، كل ذلك جعل من اليهودي مواطنًا درجة ثانية أو ثالثة، منبوذًا ليس له حدود خاصة، موزّع في بقاع العالم، غير مرغوب فيه في البلدان الأوروبية وآمن في البلاد الشرقية عدا الفترات النسبية التي شهدت صراعًا مع الأقليات بحكم طبيعة المجتمعات.
إحياء العبرية
ظلَّ اليهود بوجود مُستقل في غيتوهات منفصلة، ومارسوا في أوقات كثيرة من تاريخهم أعمالًا منافيةً لقيم البلدان التي عاشوا فيها. كانت الهوية اليهودية ضائعة فلم تعرف لغةً أو حدودًا مُستقلة، وحين بَرز المشروع الصهيوني للوجود، كان من أهم ركائزه صناعة لغة تحافظ على الوجود اليهودي مُتحدًا وتذيب الفوارق فيما بعد بين الجماعات والميليشيات اليهودية المتجمعة من بقاع الأرض في فلسطين تحت لسان واحد، وبدون هذا اللسان الواحد كان هذا الوطن الجديد مُعرّضًا للخطر، إذ كان من المستحيل بقاؤه، فلا يمكن أن يعيش مواطنون معًا ولا يفهم أحدهم الآخر، ولا يملكون اتصالًا عميقًا فيما بينهم.
لم يكن إحياء اللغة العبرية، التي كانت حبيسة النصوص المقدّسة، مجرّد مشروع ثقافي وتراثي، بل كان مشروعًا سياسيًا طموحًا، فإحياء اللغة العبرية سيمثل الضلع الثالث لبناء الدولة الإسرائيلية، إذ بعد اختيار الأرض وإعلان النفير لعودة "الشعب" من شتات العالم إلى أرض المعاد، تلزم اللغة لبناء الضلع الثالث، ويُنسب إلى إليعاذر بن يهودا الدور الكبير في مشروع إحياء اللغة العبرية. وُلد بن يهودا في كانون الثاني (يناير) عام 1858 في بلدة تابعة للتوانيا، وكان أديبًا وصحفيًا ولغويًا، تلقى تعليمه في طفولته في مدرسة دينية، ورحل في العشرين من عمره إلى باريس ليدرس الطب، لكنّه عاد بعد ثلاثة أعوام فقط ليشارك في الحراك اليهودي الدائر في العالم بسرّية حول التمهيد للاستيطان في فلسطين. كتب في نيسان (أبريل) عام 1897 أنّ فلسطين هي أنسب أرض لليهود، وهاجر إلى فلسطين عام 1881، وهناك أسس جمعية صهيونية دعت إلى إحياء الأدب العبري، وأصدر صحيفة أسبوعية باللغة العبرية، وفرض على أولاده في المنزل عدم الحديث بأيّ لغة سواها، وبدأ في عمل شاق استمر مدة (40) عامّا، وألف (3) مجلدات اشتق فيها مصطلحات ومفردات عبرية من العبرية القديمة لتغطي روح العصر وتعيد الحياة في لغة مندثرة ستكون لسانًا واحدًا لجميع اليهود في فلسطين، وتكمل المظهر الاستيطاني الكامل، وتمنح اليهود وجودًا مستقلًا منفصًلا عن المجتمعات الأخرى لأوّل مرة في التاريخ، فالأرض واللغة ستمنح الصهيوني شخصية قومية لها خصوصيتها الثقافية.
وبالفعل أصبحت العبرية هي اللغة الأم في إسرائيل، تنتشر عدة لغات أخرى إلى جوارها كالفرنسية والإنجليزية والرومانية والهنغارية وغيرها. ويصف عبد العظيم أحمد عبد العظيم في دراسته: "دراسة في جغرافية اللغة" أنّ اللغة العبرية غير منطوقة في غير إسرائيل، ولا يكاد يكون لها وجود يُذكر في أيّ مكان في العالم، على عكس باقي لغات العالم التي لها ناطقون خارج حدودها. وتشكّل العبرية ما سمّاه جزيرة لغوية معزولة، ليس بالمدلول الجغرافي للجزر، ولكن بمعنى وجود جماعات مركزة في مكان معيّن يتحدثون لغة مغايرة للأغلبية.
ماذا كان يتحدث اليهود قبل إحياء العبرية؟
يقول المسيري في كتابه "الموسوعة الصهيونية": إنّ اليهود لم تكن لهم لغة خاصة لها بناء وقواعد، وإنّ ما عُرف عنهم من لغات يهودية هو "مصطلح غير دقيق بالمرة"، ولم تكن اللغات المُدعاة سوى لهجات ورطانات، نتيجة اختلاط لغات الموطن الذي نشؤوا فيه بالموطن الذي هاجروا إليه مع تسرّب بعض المفردات العبرية والعربية إلى أحاديثهم، حتى العبرية نفسها لم يتحدث بها اليهود إلا في فترة تاريخية قصيرة جدًا، التي يبدو أنّها اختفت تمامّا مع التهجير البابلي (567 ق.م)، ثم تحدثوا بلغة البلاد التي استقروا فيها، فتوزعت ألسنتهم في العالم القديم ما بين الآرامية واليونانية والعربية واللاتينية، وتحدثوا بالألمانية والإنجليزية والفرنسية، بل إنّ "أعظم كلاسيكيات الفكر اليهودي كتب بالإنجليزية والألمانية" وهرتزل عرّاب الصهيونية لم يكن يعرف من العبرية حتى أبجديتها!.
تَحدّث يهود أوروبا في القرن السادس عشر باليديشية، التي لم تكن سوى رطانة خاصة، استعملوا في كتابتها اللغة العبرية لتسجيل معاملاتهم التجارية، أو لنقل لغة خاصة ومغلقة عليهم تُسهّل دورهم كجماعة وظيفية لها أعمالها الخاصة لم يكن مسموحًا بها دائمًا، والتي كانت تضع في الوقت نفسه مسافة بينهم وبين المجتمع، لكنّ حكومات كثير من الدول الأوروبية عادت وحرّمت بشكل رسمي استخدام اليديشية بعد أن أصبحت مرتبطة بالخروج عن القانون، وكانت اليديشية من بين كل الرطانات اليهودية قد حققت بقاءً أطول نسبيًا، وظهر بها أدب يهودي، غير أنّها عادت وقلّت جدًا جدًا نسبة المتحدثين بها، نظرًا للأسباب السابقة، أمّا معظم يهود العالم خارج إسرائيل اليوم، فإنّهم يتحدثون بالإنجليزية.
تأسيس الجمعية العبرية
أسّس بن يهودا جمعية اللغة العبرية عام 1889، وشغل منصب الرئيس حتى وفاته، واستكملت الجمعية إتمام المعجم حتى صدر في (17) جزءًا عام 1959، وبعد الحرب العالمية الثانية حَمَل بن يهودا المندوب السامي البريطاني على إعلان اللغة اليهودية واحدة من اللغات الرسمية الثلاث في البلاد، وهكذا بدأ المشروع الاستيطاني اليهودي الثقافي لفلسطين، إذ سرعان ما ازدهرت حركة الترجمة من العبرية وإليها، وصدرت الصحف بها في عدة بلدان أوروبية وفي فلسطين، وظهر الأدب العبري حين ظهرت أول رواية عبرية لإبراهام مابو، صاحب الرواية الشهيرة "محبة صهيون" التي استغرقت كتابتها (20) عامًا، ثم بدأت عملية الإحلال الكبير للغة العبرية عن طريق عبرنة الأماكن والمدن والقرى والشوارع والمعالم باللغة الجديدة، وقد اعتُمد في عملية العبرنة على تحديد هوية المكان التاريخية واللجوء إلى النص المقدّس وترجمة الأسماء العربية، وإعطاء نموذج صوتي مشابه لنطقها بالعربية، وهكذا تمّ الاستيطان الثقافي واللغوي في فلسطين.
كان للمؤسسات التعليمية في الدولة الناشئة دور كبير في الاستيطان اللغوي للعبرية، إذ فُرضت اللغة العبرية لغةً للمناهج والتعليم والعمل والحديث بين المهاجرين والأقليات، وحوصرت العربية رغم وجود متحدثين بها في الداخل الإسرائيلي، وقد رسّخ هذا الوجود الإذاعة والتلفزيون والصحف والترجمة، وكان للجيش الإسرائيلي أيضًا دور كبير في إحياء العبرية وإزالة الفوارق اللغوية بين المهاجرين، إذ فرض الحديث بالعبرية في الثكنات العسكرية التي تضم مستوطنين من (100) دولة حول العالم، وهكذا كان الجيش مؤسسة لغوية اجتماعية صهرت الجميع في لسان واحد. وكأيّ لغة قومية تهددها العولمة شرعت إسرائيل (قانون القومية 2018) الذي جعل العبرية لغة البلاد الرسمية، وفرضها في المؤسسات التربوية والجامعية، مع استمرار عملية عبرنة الأماكن حتى الآن.
شكّل مشروع إحياء العبرية واحدًا من أنجح مخططات الصهيونية، فقد فرض لسانًا واحدًا في قلب الشتات المتعدد الألسن، لكنّ هذا الشتات ما زال أمامه تحديات اللغة المعزولة جغرافيًا، واللغة الإنجليزية التي أصبحت لغة العلم والتكنولوجيا.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B7%D9%86%D9%8A-%D9%85%D8%B5%D8%B17_0.jpg.webp?itok=_NEWjZUr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_0.jpg.webp?itok=v2TFnTqk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_6_3_1.jpg.webp?itok=Kw4Dd8xA)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/690a210f4236040ae8401d45.jpg.webp?itok=Qi1vrHID)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%84%D8%A7%D9%86%D9%82%D9%84%D8%A7%D8%A8_1.jpg.webp?itok=g550to_n)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/20211025075728reup-2021-10-25t075412z_1321030761_rc2vgq9nn0v4_rtrmadp_3_sudan-politics-scaled-730x438.jpeg.webp?itok=Q1KKeuBe)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_13_0_0.jpg.webp?itok=Z77FcuxM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_1_1_3_1_1_1_0_2_0_0_2_0_0_3_3.jpg.webp?itok=ljJYbzw3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_10_1.jpeg.webp?itok=NWckZXvy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82_102_0_1.jpg.webp?itok=0khZilrZ)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/f5293688-9864-4ce0-b5fd-1b2017e77ac2_0.png.webp?itok=DHNzQ9OE)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D9%86_22_12_0.jpg.webp?itok=1Hy2d7Fm)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/329b82cb8109e77c619ec868801bf4ea.jpg.webp?itok=AJgYhHv4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_21_0_1_0_1.jpg.webp?itok=q7N1wZUW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_1.jpg.webp?itok=lILRfShi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_1_0_0.jpg.webp?itok=8SLd47GI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)