
في ظل الأوضاع المتفاقمة والتوترات المستمرة التي تشهدها مدينة غزة، يعاني سكان المدينة من ضغوط متزايدة للرحيل أو الإخلاء من منازلهم، سواء نتيجة للأوضاع الأمنية أو السياسية أو الاقتصادية. ومع ذلك يظل أهل غزة متشبثين بأرضهم، رافضين فكرة الرحيل رغم كل المخاطر والتحديات.
وقد عاد سكان مدينة غزة والشمال إلى النزوح نحو مناطق الجنوب، بعد عودتهم إبّان اتفاق كانون الثاني (يناير) 2025، الذي نصّ على عودة النازحين إلى مخيمات الشمال ومدن غزة التي هُجّروا منها منذ بداية الحرب والاجتياح البري.
وفي الثامن من آب (أغسطس) الماضي أقرّ المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغّر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينت) خطة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو -المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة- لاحتلال قطاع غزة، الذي يتعرّض لإبادة جماعية منذ (22) شهرًا.
ووفق بيانات الإعلام الحكومي في غزة، يُقدّر عدد سكان شمال القطاع بنحو (300) ألف نسمة، معظمهم يتمركزون حاليًا في غرب غزة. ويبلغ عدد سكان مدينة غزة حوالي (700) ألف نسمة، بينهم أكثر من (200) ألف نزحوا من شرق المدينة إلى وسطها وغربها.
ووفق المركز فإنّ أكثر من (700) ألف مواطن ما زالوا متجذّرين في مدينة غزة، متمسكين بأرضهم وبيوتهم، ورافضين بشكل قاطع النزوح جنوبًا، رغم وحشية القصف وحرب الإبادة الجماعية التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي ضمن جريمة التهجير القسري المنافية لكل القوانين والمواثيق الدولية.
أرضي هنا، والرحيل ليس خيارًا
الفلسطيني سمير لولو (44 عامًا)، ربّ عائلة من حي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة، يقول: "هذه الأرض هي حياتي، وذكريات أجدادي هنا متجذرة في كل زاوية من هذا الحي، وتركي لهذه المدينة يعني أنني أخون جذوري وأحلام أولادي، نعم، الوضع صعب، ولكنّ الرحيل ليس خيارًا مطروحًا".
ويضيف لولو: "كل شيء تغير، كنا نعيش حياة بسيطة، واليوم نحن مشردون داخل مدينتنا، ونعيش في مدرسة منذ شهرين، ولا نعرف إن كنا سنعود إلى بيتنا الذي دُمّر أو لا، لكنني رغم كل هذا لا أفكر في الرحيل".
ويوضح: "عندما أقول لأولادي إننا سنبقى هنا، يشعرون بالأمان رغم كل شيء، فبيتنا هو ملجأنا الوحيد، ولو رحلنا، ماذا سيبقى لنا، بيت بدون أهل، ومدينة بدون ناس؟".
ويتابع: "الجميع في الحي يشعرون بضغط كبير من أجل الإخلاء، لكنّهم يرفضون أن تفرض عليهم قرارات خارج إرادتهم، "نحن بحاجة إلى دعم العالم ليس لنرحل، بل لنبقى ونعيش بكرامة".
ويؤكّد لولو: "الاحتلال الإسرائيلي يبرر إخلاء السكان من مناطقهم لحمايتهم وعدم قتلهم، لكنّ هذا غير صحيح، فالقتل يطال السكان أينما وجدوا، والحل هو وقف القصف والقتل، لا تهجير السكان، فالإخلاء ليس إنقاذًا، بل هو طمس لهوية المدينة".
ويختتم بقوله: "أخاف من المستقبل أحيانًا، لكنّي أرفض أن أعيش في خوف دائم، وأحلم ببيت مستقر، وببلد لا يطلب منّي تركه، أرى الرحيل استسلامًا، وأنا لا أحبّ الهزيمة".
البيت هو الأمان
أمّا الفلسطينية نسرين ماضي من حي الرمال بغزة، وهي مدرّسة تعمل في إحدى المدارس الحكومية، وأم تعيل ستة أطفال، فتقول: إنّ الخوف من المجهول أكبر من الخوف من البقاء في المدينة، إلا أنّ العلاقة بين الناس وأرضهم في غزة ليست فقط علاقة مكان، بل هي ارتباط وجداني وروحي".
تقول ماضي (38عامًا): "أرفض النزوح من غزة، لأنّه بداية تهجير دائم، وقد رأينا هذا خلال النكبة الفلسطينية عام 1948، وخلال حربي عام 2008 و 2014، لذلك فنحن لا نترك البيوت طواعية، نحن نبنيها حتى لو تهدمت عشر مرات".
وتوضح: "ولدت هنا، وتزوجت هنا، فليس من السهل أن أترك ذلك كله، حتى وإن نمنا على الأرض، نبقى بين أهلنا، فلا أريد أن أكون لاجئة مرة أخرى".
وتضيف: "أتفهم أنّ الوضع لا يُحتمل، وأنّ خروج بعض السكان من مدنهم كان رغمًا عنهم من شدة القصف والعدوان، لكن من سيبقى إذا خرجنا جميعًا؟، فغزة تحتاج لمن يتمسك بها كما تحتاج إلى الخبز والماء".
وتؤكد: "الدعم قليل، ومعظم الناس يعتمدون على بعضهم البعض، ونعيش في أوقات عصيبة، لكننا متماسكون، ومهما حاول الاحتلال، فلن ينجح في تهجيرنا".
الصمود والبقاء
الشاب نادر الصيفي، طالب جامعي في العشرين من عمره، عبّر عن إحباطه المتكرر من إخلاء بعض الأحياء بمدينة غزة، ويقول: "توقفت عن الدراسة لأكثر من مرة، وانتقلت من مكان إلى آخر داخل مدينة غزة، ورغم ذلك أحمل معي كتبي في كل تنقل، وأدرس على ضوء الشمعة أحيانًا، وأريد أن أكون طبيبًا، وسأواصل مهما حدث".
ويضيف الصيفي من مخيم الشاطئ بمدينة غزة: "غزة هي وطني وأرض أجدادي، وتركها يعني أنني أترك كل شيء عشت لأجله، لذلك فإنّ فكرة الإخلاء تشعرني بالإحباط وكأنني مجبر على التخلي عن كل شيء، لكنّي أحلم بفرصة عمل ودراسة وحياة طبيعية، فأنا أريد أن أبقى، وأن أعيش، وأن أنجح هنا".
ويتابع: "الصعوبة كبيرة، وأحيانًا أشعر بالعجز، لكنني أحاول أن أكون قويًا من أجل عائلتي، فالخوف موجود، لكنّه لا يغلب الإصرار على البقاء، وأؤمن أنّ الصمود هو سبيلنا الوحيد".
ويؤكد الصيفي: "الإخلاء هو كابوس يحاول الاحتلال فرضه علينا، فليس من السهل أن نغادر ونترك كل شيء خلفنا، لكنّي أؤمن بأنّ التمسك بالأرض هو مقاومة فعلية، لتحقيق أحلامنا وبناء مستقبلنا".
ويوضح: "التهجير والإخلاء يعني أننا سنخسر كل شيء، دراستنا، وعملنا، وأحلامنا، وكل ما نتمناه هو السلام والاستقرار لكي نستمر في حياتنا. نحن بشر قبل كل شيء، نعيش على هذه الأرض ونحبها، الضغط لن يجعلنا نرحل، بل يزيد من تمسكنا، نريد حلولًا تحافظ على حياتنا وكرامتنا، لا أن تجبرنا على الهجرة".
مقاومة محو الهوية
بدوره، يرى الكاتب والمحلل السياسي تيسير شاهين أنّ "تمسك أهالي غزة بالبقاء في مدينتهم رغم الحصار والتدمير والتهديدات بالتهجير القسري يعود إلى رفضهم أن يكونوا جزءًا من نكبة جديدة، التي يرون فيها تكرارًا لنكبة 1948، لذلك يفضلون الموت في بيوتهم على أن يكونوا لاجئين مرة أخرى، حيث يرون بالبقاء شكلًا من أشكال مقاومة محو الهوية".
ويضيف شاهين: "بقاء السكان في أرضهم يحمل رسالة سياسية مباشرة وهي رفض مخططات الاحتلال الرامية لتفريغ غزة أو تغيير ديموغرافيتها، كما أنّ الصمود المدني يعادل المقاومة المسلحة من حيث التأثير الرمزي، فهو يفضح ممارسات الاحتلال ويظهر تمسك الفلسطينيين بحقهم في الأرض".
ويتابع: "رفض السكان بغزة للتهجير يحمل رسالة بأنّ الاحتلال الإسرائيلي لن ينجح في اقتلاعهم، ولن يكونوا جزءًا من مخطط التهجير والتطهير العرقي، ويُعدّ رسالة كرامة وصمود أنّ الفلسطيني لا يساوم على حقه، ولا يُرغم على ترك أرضه تحت التهديد".
ويوضح شاهين: "تهجير سكان غزة سيترك تداعيات اجتماعية واقتصادية وسياسية طويلة الأمد، ستؤدي إلى تدمير النسيج الاجتماعي، وفقدان مصادر الدخل والعمل لغالبية السكان، وتفريغ غزة من سكانها، وإنهاء فعلي للكيان الفلسطيني في القطاع، وخلق واقع جديد يخدم مشاريع التوسع والضم الإسرائيلي، وتقويض أيّ مشروع سياسي قائم على حل الدولتين".

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_1_1_3_1_1_1_0_2_0_0_2_0_0_13_0.jpg.webp?itok=6Lx94TRE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9_10_0.jpg.webp?itok=bfSSMhOR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1_3_1_2_1_1.jpg.webp?itok=A4Q46mn_)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0_0.jpg.webp?itok=rFxaYlH2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D8%B2%D9%8A%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%82%D8%A7%D9%81%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D8%8C%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%B1%20%D8%A3%D8%B3%D8%A7%D9%85%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B2%D9%87%D8%B1%D9%8A_1.jpg.webp?itok=XGvLgfPl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%8A%D9%83%D8%AA%D9%88%D9%83_1.jpg.webp?itok=YPGQ60Qj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_1_1.jpg.webp?itok=SehCh_I6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_178_1_0.jpg.webp?itok=cuNspvB2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B1%D9%83%D8%A9_13_0_1_1_16_0.jpg.webp?itok=kI8vOUYI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_6_2.jpg.webp?itok=5M5BrpBC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20_0_0_0.jpg.webp?itok=YxXTGKyA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B8%D9%84%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A9_1_0_1.jpg.webp?itok=DLZsQQh7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9_3.png.webp?itok=By5KgSz2)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Capture_187_0.png.webp?itok=j1w4rlKQ)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%A7%D8%B5_0_1.jpg.webp?itok=z-4b6aCD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_137_1.jpg.webp?itok=pcYAW8xm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/141162026_Doc-P-566697-639167742185871407.jpg.webp?itok=NdQqK9bA)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B2%D8%BA%D9%88%D9%84.png.webp?itok=vCyRKOE9)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)