أدولف إيخمان... عندما أسقط الحب مهندس المحرقة

أدولف إيخمان... عندما أسقط الحب مهندس المحرقة

أدولف إيخمان... عندما أسقط الحب مهندس المحرقة


05/08/2025

 

في عام 1957 وصل إلى الموساد معلومة تفيد بأنّ أدولف إيخمان حي، وهذا الرجل تحديداً بالغ الأهمية عند اليهود، وصيد أكثر من سمين لجهاز الموساد، فهذا الضابط النازي يُعدّ مهندس المحرقة، أو ما يُعرف بالهلوكوست، وصاحب عملية الحل النهائي، التي قضت على (6) ملايين يهودي في ألمانيا وأوروبا، بغضّ النظر عن دقة هذا الرقم، إذ تؤكد مصادر أخرى أنّ هذا الرقم جرى تضخيمه كجزء من الدعاية الصهيونية، لكنّ الواقع هو أنّ هناك جرائم إبادة مروعة وقعت بحق اليهود بغضّ النظر عن عدد الضحايا. وكان إيخمان هو المهندس الذي نظّم عمليات استقدام اليهود من نواحي أوروبا واحتجازهم في المعتقلات والتخلص منهم في محارق الغاز المروعة.

عندما علم بن غوريون بأنّ إيخمان موجود بالأرجنتين طلب من رجاله أن يحضروه حيًا أو ميتًا. فكيف كُشف أمر هذا النازي العتيد؟

كان الحب هو من كشف أمر إيخمان، إذ أنّ مهاجراً يهودياً بالأرجنتين له ابنة جميلة اسمها "سيلفيا" تواعد شاباً اسمه نيك إيخمان، جعله اللقب يشكّ بأنّ هذا الشاب قد يكون على صلة قرابة ما بإيخمان الضابط النازي الشهير، وكان المهاجر اليهودي يعلم مُسبقاً بأنّ جهاز الموساد يبحث عن القادة النازيين لمحاكمتهم فتواصل مع أحد ضباطه يُخبره بأنّه قد يكون عرف أين يختبئ إيخمان.

"هذا الضابط النازي يُعدّ مهندس المحرقة، أو ما يُعرف بالهولوكوست، وصاحب عملية الحل النهائي، التي قضت على 6 ملايين يهودي."

كانت فيرا زوجة إيخمان قد ساعدت بالكشف عن مكانه، فقد انتقلت من النمسا إلى الأرجنتين للعيش فيها، بعد انفصالها عن إيخمان، وادّعت الزواج مجدداً، وكلّ ذلك أثار الشكوك بأنّ الزوج الثاني لم يكن غير إيخمان نفسه.

أخفت سيلفيا عن نيك إيخمان أنّها يهودية لمّا علمت بأصوله الآرية، إلا أنّ نيك لم يكن متحفظاً معها في الحديث؛ فذات مرة أخبرها بأنّه كان على الألمان أن يُتموا عملهم تجاه اليهود وأن يقضوا عليهم تماماً، وقال لها إنّ والده خدم في الجيش الألماني، وقد نقلت سيلفيا هذا الكلام إلى والدها.

"عندما علم بن غوريون بأنّ إيخمان موجود بالأرجنتين طلب من رجاله أن يحضروه حيًا أو ميتًا."

بقي أن يتأكد الموساد من أنّ هذا الرجل هو إيخمان بالفعل، وكان ملفه فيه معلومة قد تبدو هامشية لكنّها بالغة الأهمية، في 21 آذار (مارس) الذكرى الـ (25) لزواج إيخمان وفيرا، ومن الضروري أنّ إيخمان سيعود إلى منزله للاحتفال به مع أسرته، وهو ما حدث بالفعل، فقد كانت مواصفات الرجل القادم إلى منزل فيرا تلك الليلة هي مواصفات الرجل المطلوب نفسها.

خطة محكمة

وصل (12) ضابطاً وعميلاً من عملاء الموساد السرّيين إلى الأرجنتين في مجموعات ومواقيت مختلفة، وكانت الخطة تقوم على خطف إيخمان وهو عائد من عمله إلى بيته في طريق مهجور، ويُحتجز ليلة في فيلا قريبة من المطار تمّ استئجارها للغرض نفسه، ثمّ يعود على طائرة وزير التعليم الإسرائيلي ووفده الذي سيصل إلى الأرجنتين للمشاركة في عيد استقلالها القومي، ودون أن يكون للوزير ولا فريقه أيّ علم بخطة الموساد، غير أنّ هناك أمرًا حدث أخلّ بهذه الترتيبات، إذ إنّه مع كثرة الوفود والزوار القادمين  للاحتفال بذكرى الاستقلال، أبلغت الأرجنتين الوفد الإسرائيلي بتأجيل موعد قدومه (10) أيام تقريباً، وهذا يعني إمّا تأجيل خطف إيخمان حتى يتزامن موعد إتمام عمليته مع موعد عودة الوفد الدبلوماسي، وإمّا أن يتم اختطافه في الموعد المُقرر نفسه سابقًا، واحتجازه (10) أيام لحين مغادرة الوفد، إلا أنّ هذا قد يُعرّضهم لمداهمات الشرطة الأرجنتينية بعد إبلاغ أسرته عن اختفائه.

"كان الحب هو من كشف أمر إيخمان، إذ أنّ مهاجراً يهودياً بالأرجنتين له ابنة جميلة اسمها سيلفيا تواعد شاباً اسمه نيك إيخمان."

ورغم ما ينطوي عليه الأمر من خطورة، فقد قرر "إيسير" قائد فريق الخطف أن يكملوا العملية وفقاً للخطة الأولى وفي الميعاد المحدد نفسه، وكانت الترتيبات تشمل أن يُقسم أعضاء الفريق في سيارتين ستكونان متواجدتين على طريق عودة إيخمان، واحدة للخطف والثانية للتأمين، على أن يكون ضمن فريق سيارة الخطف طبيب ومعه حقيبته التي تحوي مُهدئات في حال تطلب الأمر ذلك.

"إذ إنّه مع كثرة الوفود والزوار القادمين للاحتفال بذكرى الاستقلال، أبلغت الأرجنتين الوفد الإسرائيلي بتأجيل موعد قدومه 10 أيام تقريباً."

في الساعة 7:35 كانت سيارة من نوع شيفروليه سيدان تقف على الطريق نفسه لعودة إيخمان في شارع مظلم، في انتظار الحافلة التي تُقله على طريق عودته، غير أنّ حافلة أولى وثانية وصلتا دون أن يكون الصيد داخلها، وكان إيسير قد أبلغ فريقه أنّه في حال عدم وصول إيخمان بحلول الثامنة فعليهم إجهاض العملية، لكن في الثامنة قرر قائد فريق التنفيذ أنّهم سينتظران حتى الثامنة والنصف.

"في الساعة 7:35 كانت سيارة من نوع شيفروليه سيدان تقف على الطريق نفسه لعودة إيخمان في شارع مظلم."

حوالي الساعة 8:05 وصلت الحافلة المطلوبة، ونزل إيخمان وسار في الطريق المُظلم، وكان اثنان من فريق الموساد يقفان عند صندوق السيارة يتظاهران بإصلاحها، فإذا بواحد منهما يرفع كشافاً، فظنّ إيخمان أنّ هناك سيارة تواجه عطلاً ما، فمد يده إلى جيبه ليخرج كشافه اليدوي الذي اعتاد أن يُشعله في هذا الطريق المُظلم، غير أنّ واحداً من فريق الموساد ظن أنّ إيخمان سيخرج مسدساً، فانقض عليه سريعاً رجلان ودفعا به إلى الأرض وكتما صوته، وسحباه داخل السيارة، وفي سرعة البرق انطلقت السيارة التي تحمل الهدف وخلفها سيارة التأمين.

"في السيارة تم تقييد قدميه ويديه ووضعت على عينيه نظارة سوداء، وسمع إيخمان صوتاً يقترب من أذنه يقول له: حركة واحدة وستموت."

في السيارة تم تقييد قدميه ويديه ووضعت على عينيه نظارة سوداء، وسمع إيخمان صوتاً يقترب من أذنه يقول له: "حركة واحدة وستموت"، وشعر بيد تتسلل أسفل ملابسه تبحث عن ندبته التي بقيت بعد محاولاته نزع الوشم النازي لفئة دمه.

عند الساعة 8:55 وصلت السيارة إلى الفيلا المُعدة مُسبقاً، واقتيد إيخمان إلى الداخل دون أن يبدي أيّ مقاومة، وهناك سُئل عن اسمه وتاريخ ميلاده واسم الأب والأم ورقمه في الجيش النازي، وأجاب إيخمان دون مقاومة، وقال إنّه يعرف أنّه بين يدي الإسرائيليين.

"يُعدّ إيخمان بالنسبة إليهم الشر المُطلق، لا يودون لمسه، يعدون له الطعام مضطرين لكي لا يغسلوا الأطباق التي أكل فيها."

في الفيلا التي استؤجرت لاحتجازه، كان عليهم أن يضعوه تحت المراقبة (24) ساعة خوفاً من انتحاره، يدخلون الحمام معه، حتى الحلاقة كانوا يقومون بها عنه، مستخدمين في ذلك قفازات يدوية، فقد كان إيخمان بالنسبة إليهم الشر المُطلق، لا يودون لمسه، يعدون له الطعام مضطرين لكي لا يغسلوا الأطباق التي أكل فيها، وهكذا كان يعيش الإسرائيليون جواً من الحزن والقلق والاكتئاب والتوتر، وهم تحت سقف واحد مع الرجل الذي قتل أهلهم وأحبتهم.

لا يُمكن أن نعرف هذا الشعور، حتى يَخطر على بالنا أنّ تصرف الوحش النازي لا يختلف عن الوحش الصهيوني، وأنّه الآن بعد عقود من محاكمة إيخمان هناك امرأة فلسطينية تعيش تحت خيمة مهترئة تُذيب الملح في الماء لأطفالها وتسقيه لهم، حتى لا تتعفن أمعاؤهم من الجوع، لأنّ النازيين الجُدد اتبعوا النهج نفسه للنازيين القُدامى، والضحية أصبحت جلاداً.

يومًا ما ربما لن يستطيع الفلسطيني وهو يثأر لأحبته أن يلمس الصهيوني لأنّه الشر المُطلق الذي فاق كل شرور الدنيا، وسيعرف الصهاينة أنّهم أبشع جماعة مارست الألم المُنظم بكل صنوفه ضد عُزّل وأبرياء.

نقل إيخمان إلى إسرائيل ومحاكمته

كانت أسرة إيخمان قد أبلغت الشرطة التي بحثت دون جدوى، فاضطرت الأسرة للاتصال بالمجموعات النازية السرّية التي ما زالت تحمي أفرادها القدامى وتمارس نشاطاً يهدف لتغيير هوياتهم ودمجهم في المجتمعات الأوروبية بأسماء وهوايات مزيفة. اقترحوا عليهم خطف السفير الإسرائيلي بالأرجنتين حتى يترك إيخمان، لكنّ الأرجنتين رفضت.

في 18 أيّار (مايو) من عام 1960 الحادية عشرة صباحاً أقلعت إحدى طائرات العال التي تُقلّ الوفد الإسرائيلي المشارك في احتفالات استقلال الأرجنتين، والتي ستعود أيضاً بإيخمان تمهيداً لمحاكمته في القدس، هبطت الطائرة في مطار روما وهنا انضم إليها (3) مدنيين، سرعان ما ارتدوا طواقم شركة العال وأصبحوا ضمن فريق الطائرة، ولم يكن هؤلاء غير عملاء سرّيين للموساد، واحد من هؤلاء "يهودا كرمل"، كان له شارب رفيع ورأس أصلع وأنف بارز وهيئة شبيهة تماماً بهيئة إيخمان، وكان من المُخطط أن يبقى هذا الشبيه في الأرجنتين ويصعد إيخمان إلى الطائرة وكأنّه هو.

"اقترحوا عليهم خطف السفير الإسرائيلي بالأرجنتين حتى يترك إيخمان، لكنّ الأرجنتين رفضت."

على جانب آخر كان رجال الموساد قد فككوا الأجهزة وحزموا حقائبهم ومسحوا كل أثر خلفهم، وأعادوا الفيلا إلى ما كانت عليه قبل وصولهم استعداداً لرحلة الفرار إلى القدس بالصيد، ألبسوا إيخمان والطبيب وعميلاً آخر ملابس شركة العال، وتم تخدير إيخمان بطريقة تخفف من تنبه حواسه بحيث كان قادراً على السمع والرؤية والحركة، لكنّه لا يستطيع الكلام ولا يعي تماماً ما يجري حوله. انطلقوا في سيارة نحو المطار تزامناً مع انطلاق طاقم العال الحقيقي في سيارة أخرى الذين أبلغوا بأنّهم يشاركون في حدث جلل دون أن يعرفوا ماهيته، في أرض المطار كان إيخمان المخدر يسير وسط عملاء وضباط الموساد حتى صعدوا الطائرة الإسرائيلية العائدة نحو القدس.

"في 22 أيّار كانت الطائرة التي تحمل إيخمان تهبط على أرض مطار اللد، وتوجه إيسير إلى مكتب بن غوريون وأخبره: لقد قبضنا على إيخمان."

في 22 أيّار (مايو) كانت الطائرة التي تحمل إيخمان تهبط على أرض مطار اللد، وتوجه إيسير إلى مكتب بن غوريون وأخبره: لقد قبضنا على إيخمان.

لم يصدق بن غوريون، وطلب البحث عمّن تعامل مع إيخمان فعليًا ليؤكد له أنّه هو إيخمان بشحمه ولحمه الرجل صاحب عملية "الحل النهائي"، وهذا ماحدث بالفعل. وقد تم تسليم إيخمان للشرطة، وأُبلغ الكنيست، وأصدر بن غوريون بياناً بالمناسبة.

في 11 نيسان (أبريل) كانت محاكمة إيخمان بالقدس التي حضرها (110) أشخاص من ضحايا المحرقة، وانهالت شهادات الضحايا، وأذيعت المحاكمة في المذياع، وفي 15 أيلول (سبتمبر) من عام 1961 حُكم على إيخمان بالإعدام ورفض الاستئناف، ورفض الرئيس الإسرائيلي إسحاق بن تسفي العفو.

"أحرقت جثة إيخمان في فرن مصنوع من الألومنيوم في باحة السجن، وألقي برماد إيخمان في البحر المتوسط."

في غرفة الإعدام كان هناك عدد محدود من الصحفيين والمسؤولين، ولُفّ حبل المشنقة حول رقبته، وكان من المفترض أن يُفتح باب سفلي فيهوي جسد إيخمان المُعلّق في حبل حول رقبته، وقد تمّ تكليف رجلين ليضغطا على زرّين في وقت واحد، أحدهما فقط هو من يفتح الباب، وبالفعل تمّ الضغط على الزرّين في وقت واحد، وشُنق إيخمان، وبقي اسم الشخص الذي ضغط الزر مجهولاً. 

أحرقت جثة إيخمان في فرن مصنوع من الألومنيوم في باحة السجن، وتصاعد دخان شبيه تماماً لذلك الدخان الذي كان يتصاعد من أفران الإعدام بأوشفيتز، وألقي برماد إيخمان في البحر المتوسط.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية