أحمد سلطان: لا نيّة لالتئام الإخوان في المدى المنظور

أحمد سلطان: لا نيّة لالتئام الإخوان في المدى المنظور


19/04/2022

أجرت الحوار: هند سليمان

كأوراق الخريف تتساقط أوراق جماعة الإخوان المسلمين واحدة تلو الأخرى، بعد انقسام حاد ضرب صفوف التنظيم ودفع به إلى شيخوخة ما قبل الموت، ولا سيّما في ضوء المتغيرات الجيوسياسية الإقليمية التي قد تطلق قريباً رصاصة الرحمة على البيئات الحاضنة للجماعة، المصنفة إرهابية في بعض الدول.

 وفي آذار (مارس) الماضي، تبادلت جبهتا الجماعة: إسطنبول بقيادة محمود حسين، ولندن بقيادة إبراهيم منير، بيانات تعمّق الانقسام الحاد داخل الجماعة، وكان آخرها بيان لجبهة محمود حسين يفصل إبراهيم منير والمجموعة التابعة له والمجموعات المؤيدة له سواء في الداخل أو الخارج من الجماعة.

 ورأى الباحث في الحركات الإسلامية والإرهاب أحمد سلطان، في حوار مع "حفريات"، أنّه لا أفق لإنهاء الانقسام الهيكلي المتجذر في صفوف الجماعة مع جبهتين مختلفتين وتيارات عدة لكلّ منها قناعات خاصة، كخطّي قطار في اتجاهين مختلفين، لن يلتقيا أبداً، وإذا التقيا، فإنّ هذا الصدام سيكون عنيفاً ومميتاً.

 وفي ضوء المتغيرات الجيوسياسية في المنطقة، أصبح نعش الإخوان المسلمين مدججاً بمسامير نهايتها، ولا سيّما التقارب بين إسرائيل وتركيا التي لطالما كانت البيئة الحاضنة للهاربين من جماعة الإخوان المسلمين، الأمر الذي أدى إلى مزيد من الانقسامات داخل الجماعة ما بين مؤيد ومعارض ومهادن، وقد قال سلطان: "إنّ هناك بالفعل انقسامات داخل الجماعة بشأن التطبيع التركي الإسرائيلي".

  وهنا نص الحوار:

في ضوء المتغيرات الجيوسياسية الإقليمية والانقسام الهيكلي الحاد داخل جماعة الإخوان المسلمين، ما هو مصير الجماعة في رأيك؟

  جماعة الإخوان تعيش مرحلة انقسام غير مسبوق في تاريخها، فهناك أكثر من جبهة، وكلّ جبهة من هذه الجبهات تمضي في مسارها المستقل دون النظر إلى ما يُسمّى داخل الجماعة بملف العودة أو استعادة التنظيم الموحد.

تتجه مجموعة حسين إلى مسار أكثر راديكالية وتنكفئ على ذاتها لتتحول إلى ما يشبه حزب السعادة التركي

 من الواضح، وفقاً للتطورات التي حدثت خلال الفترة الماضية أنّه لا نيّة لالتئام الجماعة في المدى المنظور، فقد أصدرت جبهة منير بياناً وصفت فيه جبهة إسطنبول بقيادة محمود حسين بأنّهم ليسوا من الإخوان، قبل أن تردّ جماعة محمود حسين بعد فترة أيضاً بأنّ مجموعة لندن ليست من الإخوان، والكلّ يدّعي الآن أنّه يمثل الشرعية التنظيمية، ويحاول أن يسوق أدلة على ذلك لكسب تأييد الصف الإخواني العام.

 كيف سيؤثر اتجاه تركيا لتطبيع وتقارب أكثر دفئاً مع إسرائيل على العلاقة بين تركيا والإخوان؟ هل يؤدي التقارب التركي الإسرائيلي إلى مزيد من الانقسام في صفوف الجماعة؟

 التطبيع ليس أمراً جديداً ولا أمراً مستغرباً، حيث توجد علاقات تاريخية بين تركيا والكيان الصهيوني، وهذه العلاقات هي علاقات تعاون وشراكة ممتازة، لم تكن علاقات وليدة نظام أردوغان، ولن تنتهي بانتهاء حكم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، واتجاه تركيا لتطبيع أكثر دفئاً مع إسرائيل على تنظيم الإخوان المسلمين "لن يكون كبيراً".

 ببساطة شديدة، النظام التركي يجيد اللعب بالأوراق وتوظيفها، هو يوظف ورقة الإخوان إن احتاجها، وينحّيها جانباً إذا لم يحتج إليها. ملف العلاقات مع إسرائيل، وأيضاً التصالح مع العديد من الدول العربية، هو ملف يخضع للمصالح التركية، وليس الهدف منه المصلحة من جانب واحد، بل تحكمه المصالح المشتركة.

 

النظام التركي يسعى للحصول على تطبيع علاقات مجاني، وينحّي ملف الإخوان، وأحياناً يضغط عليهم، ولكنّه لا يستغني عنهم

 

 لا أظنّ أنّ النظام التركي سوف يتخلى عن جماعة الإخوان؛ لأنّها ورقة في يده يلوّح بها، ويلعب بها كما يشاء وقتما يريد.

 بالفعل هناك تيار داخل الجماعة يرفض التقارب التركي الإسرائيلي بأيّ صورة، لكنّ هذا التيار أصولي أكثر، وليس له تأثير كبير في الفترة الحالية، لكنّ التيارات الكبيرة والبارزة داخل الجماعة تعرف مدى أهمية العلاقات مع تركيا، وبالتالي لا تضغط على أنقرة في العلن، ويصلها كلام من دوائر الحكم التركي بأنّ "هذا التقارب مصلحي، ولا يعني تغير موقف تركيا تجاه الجماعة".

 تطبيع مجاني وورقة الإخوان

قيود على إعلام الإخوان في تركيا، وتوجيهات بتخفيف الهجوم على مصر، العدو اللدود لجماعة الإخوان المسلمين، التي أطاحت بأحلام (9) عقود للوصول إلى الحكم، والتقارب مع النظام المصري، كلها عوامل غذّت التكهنات بأنّ نظام أردوغان قد يتخلى عن الإخوان المسلمين للحفاظ على مصالحه الإقليمية، وفي مقدّمتها منطقة شرق المتوسط الغنية بالغاز الطبيعي، في المقابل، هل تتخلى تركيا عن الإخوان، وتتحوّل من بيئة حاضنة للإخوان إلى دولة طاردة لهم؟

 النظام التركي لديه فلسفة، أو بمعنى أدق لديه نهج في التعامل مع المتغيرات السياسية، فهو دائماً يسعى للحصول على تطبيع علاقات مجاني، وينحّي ملف الإخوان، وأحياناً يضغط عليهم لخفض أنشطتهم، ولكنّه لا يستغني عنهم بشكل كامل.

 أصدرت جبهة إبراهيم منير بياناً وصفت فيه جبهة إسطنبول بقيادة محمود حسين بأنّهم ليسوا من الإخوان

 تركيا هي الملاذ الآمن الأكبر والأهم لجماعة الإخوان في العالم حالياً، لا يمكن للجماعة أن تجد ملاذاً مثالياً مثل هذه الدولة التي يتواجد فيها جميع مكوّنات الإخوان وأطيافها، سواء من مجموعات العمل المسلح كـ"حسم" و"لواء الثورة" وأسماء كثيرة موجودة في تركيا، ولكن لا تسلط عليهم أضواء الإعلام بالقدر الكافي، أو حتى القيادات التاريخية للجماعة مثل محمود حسين، وحتى مجموعة لندن بقيادة إبراهيم منير، فهم موجودون، ولهم نشاط كبير بالمناسبة في تركيا.

 في حين تضغط تركيا أحياناً على بعض المنصات التابعة لجماعة لإخوان، وتحاول ترشيد الخط التحريري الخاص بها، تترك عناصر الجماعة يعملون على أرض الواقع بشكل كبير جداً. هناك شُعب كاملة وشبكات تنظيمية واسعة للإخوان موجودة، وتعمل وتمارس أنشطتها، ولها نشاط لافت في تركيا، لكن دون ظهور إعلامي.

 تقاربات تكتيكية

ربما يُفسّر سعي تركيا لإصلاح ما أفسده لسان أردوغان واحتضانه للإخوان المسلمين وعناصر الحركات الإرهابية مثل "حسم" و"لواء الثورة"، توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية في آب (أغسطس) 2020، والتي كانت بمثابة صفعة على وجه أردوغان، وقضت على مخططاته باختراع حدود بحرية مشتركة مع ليبيا، التي ينشط فيها الجيش التركي، من خلال دعمه للسياسيين المحسوبين على الإخوان المسلمين، والمرتزقة وأنشطة عسكرية أخرى شكّل الإخوان العنصر الأساسي فيها، فهل يكتب التقارب التركي مع الأنظمة التي لفظت الإخوان كلمة نهاية الجماعة؟

 تركيا في ظلّ حكومة العدالة والتنمية وحكم أردوغان ترى أنّها تبحث عن تقاربات تكتيكية ولديها مشروعها الخاص، فهي تبحث عن تقارب تكتيكي مع مصر، وتلوح بورقة الإخوان. ربما تبعد الأنظار قليلاً عن ملف ليبيا، فهي تحاول دائماً خلط الأوراق، فإذا كان ملف ليبيا هو الملف الأهم لمصر باعتباره أمناً قومياً لها، تربط تركيا ملف الإخوان بملف ليبيا، وتضغط من هنا وهناك لكي تحصد أكبر مكاسب في النهاية، وتقلل المكاسب التي تحصل عليها الأطراف الأخرى، أو من يمكن أن نسمّيهم بخصوم تركيا المفترضين. فهي تريد تعظيم مكاسبها على حساب تقليص مكاسب الأطرف الأخرى، وهذا هو لبّ السياسة التركية، فهي براغماتية تريد مصالحها الذاتية، وإذا كانت جماعة الإخوان ستقف حجر عثرة أمام المصالح التركية، فسيتم إقصاؤها.

 

النظام التركي يجيد اللعب بالأوراق وتوظيفها، هو يوظف ورقة الإخوان إن احتاجها، وينحيها جانباً إذا لم يحتج إليها

 

 غير أنّ كلّ الوقائع والشواهد تقول إنّ الجماعة تتفهم ذلك، وإنّ قيادات الجماعة لديهم تنسيقات مباشرة مع النظام التركي، ويستجيبون لكل المطالب دون أيّ اعتراض، فببساطة هذه ورقة ستظل في قبضة تركيا ترميها متى شاءت وتلعب بها متى شاءت.

 هل تلعب تركيا دوراً في إنهاء انقسام الإخوان؟

 هذا الأمر غير مستبعد، خاصة أنّ تركيا تستضيف قيادات من الجبهتين، ويمكن في مرحلة ما أن تعمل على إنهاء الانقسام القيادي، إلّا أنّ ذلك يخضع لعوامل أخرى؛ من بينها العوامل التنظيمية، والقناعات الخاصة بقيادات الإخوان في الوقت الحالي.

  يمكن لتركيا أن تلعب دوراً في تفاهمات مستقبلية بين الجماعة وبين بعض الحكومات العربية، وجبهة منير سبق أن طلبت وساطة تركيا في هذه الأمور.

تركيا تبحث عن تقارب تكتيكي مع مصر وتلوح بورقة الإخوان

 جماعة الإخوان تحوّلت ببساطة إلى جماعة وظيفية، يتمّ تقاذفها واللعب بها في ساحة السياسة الإقليمية والدولية، ولا أظنّ أنّ هذه الجماعة سوف تخسر أهمّ حليف لها في الوقت الحالي وهي تركيا.

 ما الدولة التي قد يلجأ إليها الإخوان في حال تخلت عنهم تركيا؟

 دول أوروبا، وبالتحديد المملكة المتحدة، مرشحة لتكون بديلاً للإخوان المسلمين لإدارة أبواقها الإعلامية، ولا سيّما بعد توجيهات تركية بتخفيف حدة الانتقاد لمصر.

  لم يعد سرّاً أنّ حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، التي تسيطر على قطاع غزة منذ 2007، هي إحدى الأذرع المسلحة لجماعة الإخوان المسلمين، فهل تؤدي حالة الضعف والانقسام التي تعتري الجماعة الآن إلى إنهاء الانقسام الفلسطيني حتى لو بشكل غير مباشر؟

 لا، ولا حتى بشكل غير مباشر، الأزمة في فلسطين أعقد بكثير من أن تكون مرتبطة بانقسام هيكلي داخل الإخوان، حيث تتداخل فيها أطراف دولية وأطراف محلية. 

مواضيع ذات صلة:

محمد حبيب: مراجعات الإخوان خادعة تفتقر لمنهج نقدي حقيقي

الناشط السوداني عبد الرحمن عمسيب لـ"حفريات": عودة الإخوان غير ممكنة

صراع إخوان إسطنبول ولندن: تناحر القيادات هل ينحر الجماعة؟

 

 

 



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا
الصفحة الرئيسية