آخرُ ما قالتْهُ "سيلفيا بلاث"... "الموتُ بِوصْفِهِ اكتمالًا للذاتِ"

آخرُ ما قالتْهُ "سيلفيا بلاث"... "الموتُ بِوصْفِهِ اكتمالًا للذاتِ"

آخرُ ما قالتْهُ "سيلفيا بلاث"... "الموتُ بِوصْفِهِ اكتمالًا للذاتِ"


07/07/2026

ترجمة وتحرير: عبود الجابري

تُعدُّ تجربةُ الشاعرةِ الأميركيةِ "سيلفيا بلاث" واحدةً من أكثرِ التجاربِ الشعريةِ ارتباطًا بموضوعِ الموتِ في الأدبِ الحديثِ. إلا أنَّ الموتَ في عالمِها الشعريِّ لا يُعرَضُ كمجردِ حدثٍ بيولوجيٍّ، فهو يظهرُ كرمزٍ فلسفيٍّ وجماليٍّ مرتبطٍ بالهويةِ والكمالِ والتحررِ من القيودِ، وقد أخذَ هذا الموضوعُ حيزًا كبيرًا في أعمالِها، غيرَ أنَّهُ يبرزُ بشكلٍ خاصٍّ في قصيدتَي "الحافةِ "و"الكدمةِ"، اللتَينِ كتبتْهُما في الفترةِ الأخيرةِ من حياتِها، وتكمنُ أهميةُ هاتينِ القصيدتَينِ في قدرتِهما على تحويلِ صورِ الموتِ إلى لغةٍ شعريةٍ غنيَّةٍ تتجاوزُ حدودَ السيرةِ الذاتيةِ لتمسَّ أسئلةَ الوجودِ الإنسانيِّ.

وتُعتبرُ قصيدةُ "الحافةِ" من أبرزِ قصائدِ بلاث، التي أثارتْ جدلًا نقديًّا واسعًا، لأنّها كانت واحدةً من بين آخرِ قصائدِها التي كتبتْها قبلَ وفاتِها بفترةٍ قصيرةٍ، لذلكَ فهي غالبًا ما تُفهَمُ على أنّها الختامُ الشعريُّ لمسيرتِها، رغمَ أنَّ قيمتَها الفنيةَ تمتدُّ إلى ما هو أبعدُ من الجانبِ السيريِّ فقط. وتبدأُ القصيدةُ بالقولِ:

"لقد اكتملتِ المرأةُ
جسدُها الميتُ
يرتدي ابتسامةَ الإنجازِ."

وتحملُنا هذه الأبياتُ ببراعةٍ إلى قلبِ المفارقةِ المركزيةِ للقصيدةِ، حيثُ لا تبلغُ المرأةُ كمالَها إلا بعدَ رحيلِها، فالابتسامةُ التي ترافقُ الجسدَ في هذه الحالةِ ليستْ دليلَ حياةٍ، وإنَّما إشارةٌ واضحةٌ إلى انتهاءِ رحلةٍ من العناءِ والكدِّ، والموتُ هنا لا يمكنُ تفسيرُهُ على أنَّهُ هزيمةٌ، حيثُ يمكنُ النظرُ إليهِ بوصفِهِ لحظةَ تأملٍ وسكونٍ تُحقِّقُ فيها الروحُ راحتَها النهائيةَ.

ولا يُعبِّرُ هذا التصويرُ عن رغبةٍ خاصةٍ وحسبْ، لأنَّهُ يحملُ في طياتِهِ نقدًا للمجتمعِ الذي يفرضُ على النساءِ معاييرَ صعبةَ المنالِ، وذلكَ ما أرادتْهُ الشاعرةُ بلاثُ من خلالِهِ أنْ توصلَ رسالةً مفادُها أنَّ تحريرَ المرأةِ من قيودِ الحكمِ الاجتماعيِّ لا يأتي إلا حينَ يتوارى جسدُها عن الأنظارِ، حيثُ تتوقفُ المقارناتُ والمطاردةُ نحوَ كمالٍ لا يمكنُ بلوغُهُ.

وترمزُ صورةُ القدمَينِ العاريتَينِ في القصيدةِ إلى مسارِ الحياةِ، المحمَّلِ بكلِّ تعبٍ وصمودٍ مرَّ بهِ الإنسانُ، وحينَ تظهرُ القدمانِ عاريتَينِ، فإنَّ هذا يعني نهايةَ الرحلةِ، ولم يعدْ هناكَ ما يستدعي التحصُّنَ من قسوةِ العالمِ، ممّا يجعلُ المرأةَ مستعدةً لمواجهةِ اللحظةِ الأخيرةِ بسلامٍ. وتبلغُ القصيدةُ ذروةَ رمزيتِها في خاتمتِها الشهيرةِ:

"ينغلقُ القلبُ،
ينحسرُ البحرُ،
تُغطَّى المرايا."

وتُعتبرُ المرايا من الرموزِ البارزةِ في شعرِ سيلفيا بلاث، فهي ترمزُ إلى الوعيِ بالذاتِ وكذلكَ إلى نظرةِ المجتمعِ التي تظلُّ مستمرةً في إصدارِ الأحكامِ. لذلكَ فإنَّ تغطيةَ المرايا تشيرُ إلى زوالِ الحاجةِ إلى رؤيةِ الجسدِ غيرِ المكتملِ وحريةِ الإنسانِ من سلطةِ الصورةِ الخارجيةِ، وأنَّ الكمالَ يتحققُ فقط بعدَ اختفاءِ الانعكاسِ ذاتِهِ.

وإذا كانتْ قصيدةُ "الحافةِ" تعالجُ الموتَ باعتبارِهِ مرحلةَ اكتمالٍ، فإنَّ قصيدةَ "الكدمةِ" تتطرقُ إليهِ كمراحلِ تحولٍ تدريجيٍّ، حيثُ يظهرُ ذلكَ من خلالِ تداخلٍ دقيقٍ للألوانِ والصورِ، حيثُ تبدأُ القصيدةُ بالقولِ:

"يتدفقُ اللونُ إلى البقعةِ،
أرجوانيٌّ باهتٌ...
بقيةُ الجسدِ مغسولةٌ بلونِ اللؤلؤِ."

فاللونُ يلعبُ دورًا رمزيًّا محوريًّا في هذه القصيدةِ، حيثُ يمتلكُ الأرجوانيُّ دلالةً مزدوجةً، لأنَّهُ يرمزُ إلى الألمِ والكدماتِ من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى يُعبِّرُ عن السموِّ والرفعةِ، بينما يوحي البياضُ اللؤلؤيُّ بالنقاءِ والتطهرِ، مجسدًا انتقالَ الجسدِ من حالةِ الألمِ إلى حالةٍ من الصفاءِ والكمالِ.

تستخدمُ بلاث العديدَ من الرموزِ الكلاسيكيةِ التي تضفي على التجربةِ طابعًا إنسانيًّا شاملًا، من شأنِهِ تحويلُ الموتِ من كونِهِ حادثةً فرديةً إلى مصيرٍ وجوديٍّ يرافقُ البشرَ منذُ أقدمِ الأساطيرِ، وبفضلِ هذه الرموزِ يتجاوزُ النصُّ حدودَ الاعترافِ الشخصيِّ ليغوصَ في تأملاتٍ فلسفيةٍ أعمقَ، وفي المقطعِ الذي تقولُ فيهِ:

"كدمةٌ،
علامةُ الهلاكِ
تزحفُ على الجدارِ."

يتسللُ الموتُ بهدوءٍ معلنًا عن حضورٍ لا يمكنُ تجاهلُهُ، حيثُ يحيطُ بالشاعرةِ دونَ أنْ يُحدِثَ جلبةً، وتُجسدُ الكدمةُ في هذا السياقِ أكثرَ من مجردِ أثرٍ جسديٍّ؛ فهي إشارةٌ تُنبئُ بنهايةٍ محتومةٍ، فيما لا تُثيرُ هذه النهايةُ شعورًا بالذعرِ أو الخوفِ، وعلى العكسِ من ذلكَ فإنَّهُ يُمثِّلُ بوصفِهِ شعورًا بالسلامِ والراحةِ التي تلي حياةً ممتلئةً بالألمِ والصراعِ. وتختتمُ القصيدةُ بقولِها:

"لقد اعتادتْ على هذا النوعِ من الأمورِ
صوتُها الأسودُ
المتشققُ والمتقطعُ."

ومثلُ هذا الختامِ يُنبئُ باستسلامٍ هادئٍ أكثرَ منهُ يأسًا، حيثُ لم يعدِ الصوتُ الأسودُ يصرخُ أو يعترضُ، ويغدو جزءًا من صمتٍ ممتدٍّ، كما لو أنَّ المتحدثةَ تخطتْ مرحلةَ المقاومةِ بالكاملِ.

تظهرُ المقارنةُ بين القصيدتَينِ أنَّ بلاث تستخدمُ مجموعةً رمزيةً واحدةً، لكنّها توظفُها بطرقٍ متعددةٍ، حيثُ تسيطرُ صورةُ الجسدِ المكتملِ بعدَ الموتِ في قصيدةِ "الحافةِ"، بينما تركزُ "الكدمةُ" على عمليةِ التحولِ التدريجيِّ السابقِ لهذا الاكتمالِ، حيثُ تتميزُ الأولى بالهدوءِ والسكينةِ، في حينِ تعتمدُ الثانيةُ على حركةِ اللونِ وانتشارِهِ في الجسدِ.

وكذلكَ فإنَّ وظيفةَ الرموزِ تختلفُ أيضًا؛ حيثُ ترمزُ المرايا في "الحافةِ" إلى تأثيرِ المجتمعِ وصورةِ الذاتِ، بينما تلعبُ الألوانُ في "الكدمةِ" دورًا نفسيًّا وجماليًّا يكشفُ عن انتقالِ الإنسانِ من الحياةِ إلى الموتِ. ومع ذلكَ، تلتقي القصيدتانِ في فكرةٍ محوريةٍ واحدةٍ، وهي أنَّ الموتَ يمثلُ نهايةَ الصراعِ مع العالمِ، وليسَ مجردَ انتهاءِ الحياةِ. وتبرزُ كذلكَ قدرةُ بلاثَ على تحويلِ تفاصيلَ قد تبدو بسيطةً، مثلَ القدمَينِ العاريتَينِ أو الكدمةِ واللونِ البنفسجيِّ والمرآةِ، إلى رموزٍ شعريةٍ عميقةٍ تفتحُ أفقًا واسعًا للتفسيرِ، مما يفسرُ استمرارَ حضورِ شعرِها في الدراساتِ النقديةِ المعاصرةِ.

المصدر: 

edubirdie.com




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية