ما مراكز ثقل الإخوان داخل أوروبا؟

ما مراكز ثقل الإخوان داخل أوروبا؟

ما مراكز ثقل الإخوان داخل أوروبا؟


26/10/2026

لم يكن انتقال جماعة الإخوان المسلمين إلى القارة الأوروبية في منتصف القرن الماضي مجرد لجوء اضطراري لرموز فرّت من الملاحقات الأمنية في الشرق الأوسط، بل تحول بمرور العقود إلى مشروع استراتيجي لإعادة التموضع وبناء شبكات ارتكاز عابرة للحدود.

 فمنذ وصول الرعيل الأول في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، بقيادة شخصيات محورية كسعيد رمضان في سويسرا وألمانيا، أدرك التنظيم الدولي أنّ الفضاء الأوروبي يمنح ميزتين لا تتوفران في العالم العربي: الحريات الدستورية التي توفر غطاءً آمناً للحركة، والمناخ التعددي الذي يتيح اختراق المجتمعات تحت لافتات مدنية وحقوقية.

تطور هذا الحضور تدريجياً من خلايا معزولة إلى شبكة مؤسسية عنكبوتية تخترق قطاعات التعليم، والإغاثة، والمساجد، والمنظمات الشبابية؛ حيث لم يكن الهدف في الغرب تنفيذ ثورات أو انقلابات عاجلة للوصول إلى السلطة كما هو الحال في الشرق، بل ممارسة ما يمكن تسميته بـ "التمكين الناعم"، عبر احتكار تمثيل الأقليات المسلمة، وتأسيس مجتمعات موازية داخل النسيج الأوروبي، وصولاً إلى بناء جماعات ضغط سياسية توجه قرارات العواصم الغربية تجاه قضايا الشرق الأوسط. وفي هذه الخريطة المعقدة، برزت عدة دول بوصفها مراكز ثقل حيوية يتكامل كل منها في تأدية وظيفة محددة لخدمة التنظيم الدولي.

بريطانيا: العاصمة السياسية والإعلامية للتنظيم الدولي

تحتل المملكة المتحدة الموقع الأهم في البنية الهيكلية لشبكات الإخوان خارج العالم العربي؛ إذ تحولت لندن لعقود إلى "غرفة العمليات المركزية" للتنظيم الدولي. وقد استثمر الإخوان طويلاً في النموذج "الأنجلوساكسوني" القائم على التعددية الثقافية، الذي أتاح للجماعات الدينية قدراً واسعاً من الاستقلالية دون تدخل صارم من الدولة في مراقبة المضامين الفكرية.

تتنوع الواجهات الإخوانية في بريطانيا بين أذرع سياسية مباشرة، ومؤسسات إعلامية، وهيئات خيرية وحقوقية ضخمة؛ ويبرز في هذا السياق "الرابطة الإسلامية في بريطانيا" بوصفها الذراع التنظيمية الأكثر وضوحاً، بجانب مؤسسات بحثية وحوارية مثل "مؤسسة قرطبة" التي تدير حوارات وتنسيقات سياسية واسعة. 

كذلك توفر لندن الغطاء لأذرع إعلامية وقنوات فضائية ومواقع رقمية ناطقة بلغات متعددة تعمل كمنصات لتوجيه الرأي العام ومهاجمة الحكومات الوطنية في الشرق الأوسط. وعلى الرغم من أنّ السلطات البريطانية بدأت تعيد تقييم هذا الوجود منذ إعداد "تقرير جينكنز" عام 2015 حول أنشطة الإخوان الذي أقرّ بالغموض المتعمد للجماعة وعلاقاتها المشبوهة بالتطرف، فإنّ لندن ما تزال تحتفظ بمكانتها كمركز ثقل إداري وتمويلي للتنظيم الدولي.

ألمانيا وسويسرا: الحاضنة التأسيسية والمعمل الفكري

إذا كانت بريطانيا تمثل العقل السياسي والإعلامي، فإنّ ألمانيا وسويسرا شكلتا "المعمل الفكري" والحاضنة المالية التاريخية للحضور الإخواني في القارة؛ ففي مدينة ميونيخ الألمانية أُسس أوّل مسجد ومركز إسلامي وضع نواته سعيد رمضان وغالب همت ويوسف ندا، ومنه تشكلت "الجمعية الإسلامية في ألمانيا" التي غيرت اسمها لاحقاً إلى "المجتمع المسلم الألماني".

تخضع هذه المنظومة في ألمانيا لمتابعة استخباراتية دقيقة من قبل "الهيئة الاتحادية لحماية الدستور" (الاستخبارات الداخلية)، التي تصنف شبكات الإخوان في تقاريرها السنوية كخطر بنيوي يهدد النظام الديمقراطي الحر بصورة تفوق خطر التنظيمات الجهادية المسلحة، معللة ذلك بقدرة الإخوان على التغلغل الناعم وتفكيك الاندماج الوطني، وسعيهم لفرض معايير الشريعة داخل المجتمع. وإلى جانب ذلك، لعبت سويسرا، وتحديداً جنيف، دور الرئة المالية التاريخية ومقر بنوك ومؤسسات استثمارية "أوفشور" ارتبطت بشخصيات إخوانية بارزة، فضلاً عن كونها نقطة انطلاق لأطروحات "أسلمة الغرب" وصياغة مفاهيم التمايز الثقافي.

فرنسا: معركة الضواحي و"الانفصالية الشعورية"

تُعتبر فرنسا الساحة الأكثر توتراً واحتداماً بين الدولة والشبكات الإخوانية؛ فالنموذج العلماني الفرنسي الصارم اصطدم مبكراً بمشروع الجماعة الهادف إلى عزل الجالية المسلمة عن الهوية الوطنية. وتمثل مركز الثقل الإخواني لعقود في "اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا"، الذي غير اسمه لاحقاً إلى "مسلمو فرنسا"، وهي الهيئة التي بسطت نفوذها على مئات المساجد والجمعيات المحلية والمخيمات الكشفية.

وأنشأ التنظيم في فرنسا "المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية" في منطقة شاتو شينون، لتأهيل الأئمة والكوادر وتخريج جيل من الدعاة يحملون أفكار حسن البنا وسيد قطب بلغة فرنسية حداثية. غير أنّ السنوات الأخيرة شهدت صداماً حاسماً بين باريس وتلك الشبكات؛ إذ أطلقت الدولة حملة شاملة تحت لافتة "مكافحة الانفصالية الإسلاموية"، صدر على إثرها قانون تعزيز مبادئ الجمهورية لعام 2021، وحُلّت مؤسسات واجهية مثل "ائتلاف مناهضة الإسلاموفوبيا"، وفرضت رقابة صارمة على التمويلات الخارجية للمساجد. وقد جاءت أبحاث المستشرقين وعلماء الأنثروبولوجيا الفرنسيين لتسلط الضوء على مفهوم "الإخوانية" بوصفها استراتيجية غزو ثقافي تقوض قيم الجمهورية، ممّا جعل فرنسا رأس الحربة الأوروبية في التضييق القانوني والفكري على مراكز ثقل الجماعة.

بروكسل والمنظومات القارية: التسلل إلى قلب الاتحاد الأوروبي

لم يكتفِ الإخوان ببناء قلاع وطنية داخل كل دولة، بل أسسوا في العاصمة البلجيكية بروكسل مظلات قارية عابرة للحدود لتكون بمثابة حكومة ظل إسلاموية تمارس الضغط المباشر على مؤسسات الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي ومجلس أوروبا.

يقف على قمة هذا الهرم "مجلس مسلمي أوروبا"، الذي عُرف سابقاً بـ "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا"، والذي يعمل كمظلة جامعة ترتبط بها عشرات المؤسسات الإخوانية في أكثر من ثلاثين دولة. ومن هذا الكيان تفرعت أدوات متخصصة، أبرزها "منتدى المنظمات الشبابية والطلابية المسلمة في أوروبا" (فيميسو)، وهو الذراع الشبابي الأخطر للجماعة؛ حيث تمكن عبر عقود من تقديم نفسه للمفوضية الأوروبية كشريك رسمي وممثل لشباب المسلمين، مستفيداً من تمويلات أوروبية رسمية لدعم برامج "مكافحة التمييز". 

وتكتمل المنظومة بـ "المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث"، الذي عمل لسنوات من دبلن تحت قيادة يوسف القرضاوي لتدشين ما سمّي بـ "فقه الأقليات"، وهو في جوهره فقه سياسي موجّه يمنح مشروعية دينية للتقوقع الجماعي داخل المجتمعات الغربية.

الملاذات البديلة والشرايين الاقتصادية

مع تصاعد الملاحقات الأمنية والتشريعية في فرنسا والنمسا وبريطانيا، بدأ ثقل التنظيم الدولي يشهد هجرة تكتيكية نحو ما يمكن تسميته بـ "الأطراف الرخوة" في القارة؛ حيث رُصد انتقال ملموس لبعض الأنشطة والمنصات نحو دول مثل هولندا، وبلجيكا، ودول الشمال الأوروبي، مستغلين التسهيلات التشريعية لإنشاء الجمعيات غير الحكومية وغياب الرقابة المسبقة على مصادر التمويل.

وتعتمد هذه المراكز في بقائها على شرايين تمويل ذاتية ومعقدة؛ تشمل تجارة وترخيص الأغذية الحلال، وإدارة الأوقاف العقارية الممتدة عبر أوروبا، وشبكات التبرعات النقدية وحملات الإغاثة الإنسانية العابرة للقارات، التي ثبت في قضايا متعددة أنّ جزءاً من عوائدها يُعاد تدويره لتمويل الماكينة السياسية والدعائية للتنظيم وتأمين المعاشات لقياداته الفارة من أحكام قضائية في بلدانها الأصلية.

انحسار الرواية ونهاية زمن التمكين المريح

تكشف خريطة مراكز ثقل الإخوان داخل أوروبا أنّ التنظيم يعيش اليوم مرحلة انتقالية حرجة تتسم بالتراجع البنيوي والانكفاء الدفاعي. لقد سقطت الأوهام التي روّج لها الإخوان لعقود في العواصم الغربية؛ حيث لم تعد الدوائر الأمنية والسياسية في باريس وبرلين ولندن تنظر إليهم كـ "جسر اعتدال" يقي من الإرهاب الجهادي، بل كبيئة حاضنة تُنتج العزلة والتطرف وتفرخ تيارات موازية تعادي الديمقراطية.

إنّ تصاعد الوعي الأوروبي بمخاطر الاختراق الإخواني، والتشريعات الصارمة لتجفيف التمويل ومراقبة المساجد والجمعيات الشبابية، تجعل من مراكز الثقل التقليدية للجماعة في القارة ساحات مهددة بالحصار والتفكيك؛ ممّا يضع المشروع الأوروبي للإخوان المسلمين أمام مأزق تاريخي يهدد بانهيار كامل منظومته القارية تحت وطأة الصحوة القانونية والسياسية الغربية.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية