الإخوان المسلمون في التشيك... شبكات محدودة وروابط تاريخية دون تنظيم معلن

الإخوان المسلمون في التشيك... شبكات محدودة وروابط تاريخية دون تنظيم معلن

الإخوان المسلمون في التشيك... شبكات محدودة وروابط تاريخية دون تنظيم معلن


17/09/2026

لم تتحول جمهورية التشيك، منذ سقوط النظام الشيوعي وانفتاح البلاد أمام الهجرة والحركة الطلابية في تسعينيات القرن الماضي، إلى ساحة رئيسية لنشاط جماعة الإخوان المسلمين في أوروبا، إلا أنّ السنوات التي أعقبت التحول السياسي شهدت نشوء مؤسسات إسلامية ارتبط بعضها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بشبكات إسلامية أوروبية ذات صلات تاريخية بالجماعة، خصوصاً عبر النشاط الطلابي والمراكز الإسلامية والاتصالات العابرة للحدود.

ولا تشير الأدلة المتاحة إلى وجود فرع تشيكي معلن لجماعة الإخوان المسلمين، ولا تثبت وجود تنظيم هرمي يعمل حالياً باسم الجماعة، كما هو الحال في كافة الدول الغربية التي ينشط فيها الإخوان، لكنّ تتبع تاريخ المؤسسات الإسلامية في البلاد يكشف شبكة من العلاقات والاتصالات مع أطر أوروبية ارتبطت بالإخوان، إلى جانب تأثير فكري ظهر لدى بعض الشخصيات والتيارات داخل المجتمع المسلم الصغير في البلاد.

وتبرز هذه الحالة في دراسة أعدها مركزا GLOBSEC وCounter Extremism Project حول نشاط الإخوان المسلمين في أوروبا الوسطى والشرقية، وشملت جمهورية التشيك وبولندا وصربيا، اعتمدت على مقابلات مع أكاديميين ومسؤولين وأفراد من الجاليات الإسلامية، إضافة إلى مراجعة مواقع المؤسسات ومنشوراتها وبياناتها ومصادر أكاديمية وإعلامية. 

من النشاط الطلابي إلى تأسيس المؤسسات الإسلامية

بدأ تشكل البنية الإسلامية المنظمة في التشيك مع تدفق الطلاب والمهاجرين المسلمين عقب نهاية الحكم الشيوعي، وفي عام 1991 تأسست الجمعية العامة للطلاب المسلمين والشباب، التي ركزت على توفير أماكن للصلاة والخدمات الدينية للطلاب المسلمين، وكان معظم المستفيدين منها من الأجانب.

لاحقاً، ارتبطت الجمعية بمنتدى الشباب والطلاب المسلمين الأوروبيين (FEMYSO)، وهو أحد الأطر التي درستها المؤسسات البحثية الأوروبية في سياق شبكات الإسلام السياسي في أوروبا.

ومع بداية التسعينيات ظهرت مؤسسات أكثر استقراراً، من بينها المؤسسة الإسلامية في براغ التي تأسست عام 1993، ثم المؤسسة الإسلامية في برنو عام 1994. وتطورت هذه المؤسسات لتوفير أماكن للصلاة والخدمات الدينية، ثم أصبحت جزءًا من بنية أوسع تمثل الجماعات الإسلامية في البلاد.

وتكشف هذه المرحلة عن أحد أهم مسارات انتقال الأفكار الإسلامية الحركية إلى أوروبا الوسطى: لم تبدأ بالضرورة من إنشاء فرع تنظيمي لجماعة خارجية، وإنّما من مؤسسات محلية صغيرة أنشأها طلاب ومهاجرون، ثم تطورت علاقاتها تدريجياً مع شبكات إسلامية أوروبية.

محمد عباس... أحد حلقات الشبكة

يظهر اسم محمد عباس في هذا السياق باعتباره من الشخصيات التي شاركت في المرحلة المبكرة من النشاط الإسلامي الطلابي. ووفق دراسة GLOBSEC وCEP، كان عباس، وهو سوداني الأصل، من الشخصيات المرتبطة بتأسيس النشاط الطلابي الإسلامي في البلاد، ثم أسس لاحقًا الاتحاد الإسلامي (Muslim Union).

وتكتسب هذه المؤسسة أهمية في تتبع الروابط العابرة للحدود، إذ تشير الدراسة إلى تسجيلها في اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا (FIOE)، وهو الإطار الذي أصبح لاحقًا من أبرز الشبكات الأوروبية المرتبطة تاريخيًا بجماعة الإخوان المسلمين.

في مؤتمر Forum 2000 عام 2004، عرّف عباس نفسه بأنّه سوداني وصل إلى التشيك عام 1988، وقال إنّه شارك مع مجموعة من الطلاب في تأسيس اتحاد الطلاب المسلمين، ثم المركز الإسلامي في براغ، وأنّه كان وقتها رئيس "الاتحاد الإسلامي" ومنظمات أخرى تهتم بالمسلمين في التشيك، كما شاركت الجمعية الطلابية في مؤتمر لـ FIOE عام 2009. 

براغ... مؤسسة دينية أكثر من كونها تنظيماً سياسياً

تُعدّ المؤسسة الإسلامية في براغ أبرز المؤسسات الإسلامية في البلاد، وقد تأسست عام 1993 بهدف توفير إطار قانوني للمسلمين وتنظيم ممارسة الشعائر الدينية، واستمرت المؤسسة في إدارة المساجد والمراكز الإسلامية وتنظيم الصلاة والأنشطة الدينية والتعليمية.

وترصد الدراسات عدداً من المؤشرات التي دفعتها إلى بحث علاقتها بالشبكات الإسلامية الأوروبية، من بينها تواصلها التاريخي مع FIOE، ونشر مواد أو روابط مرتبطة بمؤسسات وشخصيات تقع ضمن البيئة الأوسع التي ارتبطت بالإخوان في أوروبا.

برنو... القرضاوي ودوائر الإسلام السياسي

تظهر المؤسسة الإسلامية في برنو في سياق مختلف قليلاً، فقد رصد الباحثون علاقات واتصالات تاريخية مع شخصيات مرتبطة بالإسلام السياسي العالمي، ومن أبرز الوقائع التي أوردها التقرير محاولة أحد مسؤولي المؤسسة، في عام 2001، التواصل مع يوسف القرضاوي بهدف ربط مسلمي برنو بجهات تعمل مع الفلسطينيين وإرسال مساعدات مالية إلى فلسطين.

وبعد سنوات، عندما سُئل المسؤول نفسه عن القرضاوي، وصفه بأنّه "شخص حكيم"، وأبدى رغبة في استمرار الاتصال به، ونشرت مجلة Al-Islam المرتبطة بالمؤسسة مقالات لشخصيات من التيار الإسلامي السياسي، من بينها مقال لسميّة راشد الغنوشي، تناول تجربة حركة النهضة في تونس وحزب العدالة والتنمية في تركيا.

رابعة ومرسي... حضور الرموز المصرية

ظهر تأثير الأحداث المصرية داخل بعض دوائر الجالية المسلمة في التشيك بعد ثورة كانون الثاني/يناير 2011 وصعود جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة، وتشير الدراسة إلى ظهور تأييد لمحمد مرسي بين بعض المسلمين في براغ وبرنو، كما ظهرت رمزية "رابعة" في بعض الصفحات المرتبطة بالنشاط الإسلامي في البلاد.

وكان محمد عباس من الشخصيات التي نشرت مواد مرتبطة بمرسي بعد وفاته، واستخدمت صفحة Muslimské Listy على "فيسبوك" صورة رابعة، وقد شهدت المجموعة التي ظهرت في مرحلة ما بعد 2011 انقسامات داخلية بعد الإطاحة بمرسي في مصر عام 2013، قبل أن يتراجع نشاطها نتيجة محدودية عدد أعضائها وضعف قدرتها على الاستمرار.

شبكة أوروبية أكثر منها قاعدة محلية

تكشف الحالة التشيكية عن نمط مختلف من حضور الإسلام السياسي في أوروبا الوسطى. فبدلًا من بناء تنظيم محلي واسع، ظهرت الروابط عبر المؤسسات الطلابية والمساجد والمراكز الإسلامية، ثم عبر الاتصالات مع شبكات أوروبية، ومن بين أبرز هذه الشبكات FIOE وFEMYSO، اللتان ظهرتا في مراحل مختلفة في تاريخ بعض المؤسسات والأفراد في التشيك.

لكنّ هذا النمط لم يتحول إلى قاعدة جماهيرية واسعة، ويعود ذلك جزئياً إلى الحجم المحدود للمجتمع المسلم في البلاد، وإلى ضعف قدرة المؤسسات الإسلامية على الوصول إلى المجتمع التشيكي الأوسع.

وبحلول السنوات الأخيرة التي غطتها دراسة GLOBSEC وCEP، كان النشاط العلني للعديد من هذه الشبكات قد تراجع بصورة واضحة. وأصبح جزء كبير من النشاط موجهًا إلى المسلمين أنفسهم، بدلًا من السعي إلى توسيع قاعدة التأثير في المجتمع.

ما طبيعة النشاط الحالي؟

 المؤسسة الإسلامية في براغ ما زالت تعمل حتى 2026، وتنظم الصلوات والأنشطة الرمضانية والإفطارات، وتدير مراكز ومساجد، وتقدم برامج تعليمية ودينية.

وفي كانون الثاني/يناير الماضي نشرت المؤسسة تعريفًا رسميًا بتاريخها، أكدت فيه أنّها تأسست عام 1993 وأنّها مؤسسة مستقلة مسجلة لدى وزارة الثقافة التشيكية، وأنّها تعمل على توفير أماكن العبادة والتعليم الإسلامي وتنظيم المحاضرات والندوات والتعريف بالإسلام داخل المجتمع التشيكي، وواصلت في رمضان الماضي تنظيم صلاة التراويح والإفطارات الجماعية في مسجد تشِرني موست وغيره من المراكز التابعة لها.

توضح الحالة التشيكية، بالتالي، صعوبة استخدام مفهوم "الإخوان المسلمين" بصورة فضفاضة في أوروبا الوسطى، فهناك مؤسسات إسلامية نشأت في بيئة تأثرت، في مراحل مختلفة، بأفكار وشبكات إسلامية عابرة للحدود، وهناك أفراد أقاموا علاقات مع شخصيات وشبكات ارتبطت بالإخوان.

وتشير الحالة التشيكية في النهاية إلى أنّ الأثر الأهم للإخوان في البلاد كان، تاريخيًا، أثرًا شبكيًا وفكريًا محدودًا، مرّ عبر الطلاب والمراكز الإسلامية والروابط الأوروبية، وليس عبر إنشاء فرع تنظيمي معلن.

أمّا في الوقت الراهن، فتظهر المؤسسات الإسلامية التشيكية باعتبارها كيانات دينية واجتماعية مستمرة في العمل، وتحاول جاهدة إخفاء أيّ ارتباط مباشر بجماعة الإخوان.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية