
تشهد أنماط التديُّن في الفضاء الرقمي تحوُّلات تتجاوز مجرد انتقال الخطاب الديني من المسجد والمنبر إلى منصات التواصل الاجتماعي؛ فمع تراجع الحضور التنظيمي لبعض تيارات الإسلام السياسي والسلفية خلال الأعوام التي أعقبت "الربيع العربي"، لم تختفِ، بالضرورة، منظومات القيم والمخيالات التي حملتها تلك التيارات، وإنّما أعيد تشكيلها داخل بيئة رقمية أكثر فردانية وسيولة، وأقلّ ارتباطاً بالأطر التنظيمية التقليدية.
هذه هي الفكرة المركزية التي تنطلق منها دراسة الباحثة مريم البطوش المنشورة في موقع "معهد السياسة والمجتمع" بعنوان "المؤثر الداعية: السلفية الرقمية وتحوّلات التديُّن الشبكي"، التي تقرأ التحوُّلات الجديدة في المجال الديني من خلال ثلاثة مستويات متداخلة: التديُّن الشبكي بوصفه البيئة العامة للتديُّن المعاصر، والسلفية الرقمية باعتبارها أحد أبرز تشكُّلاته، ثم "المؤثّر الداعية" بوصفه نموذجاً جديداً للفاعل الديني.
وترى البطوش أنّ هذا الفاعل لا يستمد شرعيّته بالضرورة من التّكوين العلمي أو المشيخة التقليدية، بل تتشكّل مكانته عبر شبكة من العلاقات والمنصات والجمهور؛ فـ"تزكية" بعض المشايخ والدعاة، وطبيعة المنصات التي تمنحه مساحة للظهور، ثم دوائر المتابعين التي تعيد تداول خطابه، كلها تدخل في إنتاج الاعتراف به داخل المجال الديني الشبكي، وقد أصبح التموضع من القضايا العامة، ولا سيّما الموقف من غزة والمقاومة بعد السابع من أكتوبر، عاملاً مؤثراً في صعود بعض الدعاة وتراجع آخرين، وفق الباحثة.
سلفية خارج القوالب التقليدية
لا تعتبر الدراسة السلفية الرقمية مجرد نسخة إلكترونية من السلفية الكلاسيكية؛ فهذه الظاهرة، بحسب البطوش، نشأت من تداخلات بين السلفية التقليدية والإسلام الحركي وبعض خطابات التنمية البشرية ذات المرجعية الإسلامية، إلى جانب أنماط التديُّن الشبكي، وتلتقي في تركيزها على الفرد باعتباره مشروعاً أخلاقياً ونفسياً، وعلى إنتاج "ذوات متديّنة" و"مريدين رقميين" يستهلكون نمطاً معيناً من التديُّن ويعيدون إنتاجه في حياتهم اليومية.
وتحدّد الدراسة ثلاثة مسارات رئيسية داخل السلفية الرقمية، مع التأكيد أنّ الحدود بينها مرنة وليست نهائية؛ الأول: هو السلفية المدخلية-الجامية، التي يدور خطابها حول طاعة ولي الأمر، ونقد الحركات الإسلامية الأخرى والتحذير منها، إلى جانب قضايا الخلاف العقدي والبدع والأسماء والصفات، وقد أعادت المنصات الرقمية تقديم هذا الاتجاه من خلال شبكة من الشيوخ والدعاة والسجالات المرئية والمقاطع القصيرة والبثوث المباشرة.
أما المسار الثاني؛ فهو السلفية الحركية، التي تبدو أكثر انفتاحاً على السياسة والشأن العام، وتجمع في خطابها بين المرجعية السلفية وبعض أدوات الإسلام السياسي التقليدي. وتلفت الدراسة إلى حضور الخطاب الفكري ومحاولات الانفتاح على العلوم الاجتماعية في هذا الاتجاه، بحيث يصبح التديُّن مزيجاً من الهوية والوعي والتعبئة الأخلاقية والانشغال بالقضايا العامة. ومن أبرز الأسماء التي توردها الدراسة في هذا السياق؛ أحمد السيد وإياد القنيبي.
في المقابل، تبدو السلفية التقليدية أقلّ حضوراً في الفضاء الشبكي مقارنة بالمسارين السابقين؛ لارتباطها بصورة أكبر بالتلقّي العلمي والتقاليد الدينية والمدرسية. وتذكر الدراسة نماذج مثل "غراس العلم" و"مركز الإمام الألباني"، إضافة إلى بروز أسماء نسائية في هذا المجال.
لكنّ التصنيف الثلاثي لا يمثل، بالنسبة إلى البطوش، جوهر التحوُّل؛ فالفضاء الرقمي يعيد تدوير هذه الاتجاهات جميعاً داخل هوية شبكية أكثر مرونة. وتتحول السلفية من هوية تنظيمية واضحة إلى "مزاج ثقافي" عابر للأشكال الصلبة، فيما ينتقل الخطاب من المشروع السياسي الجماعي إلى تمثلات الهوية في الحياة اليومية.
من المشروع الجماعي إلى صناعة الذات
في هذا السياق، تحتل موضوعات مثل: الذكورة والأنوثة والزواج والفطرة وعمل المرأة وتطوير الذات والأحكام الفقهية وعلم النفس الإسلامي والعبادات والالتزام الفردي مساحة مركزية.
ولا يعني ذلك، بحسب الدراسة، أنّ البُعد السياسي اختفى تماماً، بل غدا حضوره أكثر سيولة وأقلّ ارتباطاً بالممارسة التنظيمية المباشرة.
وتستشهد البطوش بنموذج القارئ والداعية أحمد العربي لتوضيح صعود "المؤثر الداعية"؛ فقد بدأ حضوره من تلاوة القرآن الكريم وقربه من مجموعة من المشايخ والدعاة، ثم انتقل إلى البودكاست والمحتوى الوعظي والهوياتي، قبل أن يتسع جمهوره بصورة كبيرة مع سلسلة "تذوق العبادات"، التي تجاوزت مشاهدات بعض حلقاتها 35 مليون مشاهدة، وفق الدراسة.
ولا تكمن أهمية النموذج، بنظر البطوش، في شخص الداعية وحده، وإنّما في نوع الشخصية الدينية التي يمثلها؛ فالمؤثر الداعية لا يقدّم درساً شرعياً بالمعنى التقليدي بقدر ما يجمع بين السمت والأداء والسرد القصصي والتنمية البشرية ذات الطابع الإسلامي والهوية الإسلامية، ويصنع علاقة شعورية يومية مع جمهوره، وبذلك ينشأ شكل من "التجربة الإيمانية الجماعية" داخل فضاء رقمي وفرداني في الوقت نفسه.
ويمتد الأمر من الأفراد إلى المنصات نفسها؛ إذ ترى الدراسة أنّ برامج وبودكاستات مثل: "وعي" و"فاهم" تمثل مساحات لإنتاج التديُّن الشبكي، من خلال الجمع بين الخطاب الديني والتنمية البشرية واللغة الشبابية والسردية الهوياتية، ضمن قوالب بصرية وإعلامية قابلة للتداول والتجزئة وإعادة النشر عبر المنصات المختلفة.
"إسلام سياسي مُفَرْدَن"
تنتهي الدراسة إلى أنّ التديُّن الرقمي تجاوز كونه مجرد تديُّن "عبر الإنترنت"، ليصبح قائماً على الأداء والعرض والتفاعل وإعادة تشكيل الذات باستمرار؛ فالمؤثر الداعية ينتج نمط حياة قابلاً للمشاهدة والتقليد والتداول، مع تركيز قوي على العبادات والالتزام الفردي والهوية والعلاقات والذكورة والأنوثة وتطوير الذات وعلم النفس الإسلامي، فينتقل ثقل أو مركز التديُّن من "المشروع الجماعي" إلى "الذات".
وترفض البطوش اختزال الظاهرة في مفهوم "إسلام السوق"، على الرغم من اعترافها بأنّ هذا الجانب يشكل جزءاً مهماً منها؛ فالسلفية الرقمية، في رأيها، قادرة أيضاً على إنتاج سرديات أخلاقية وهويات جماعية جديدة، وإن جاءت في أشكال فردانية ومرئية مختلفة.
ومن هنا تطرح الدراسة مفهوم "إسلام سياسي مُفَرْدَن"، لوصف ما تراه نسخة شبكية من المخيال الإسلامي الحركي الذي راكمته تجارب الإسلام السياسي وأدبياته وشعاراته؛ فالتراجع المؤسسي والتنظيمي لا يعني بالضرورة اختفاء تلك المقولات؛ إذ يمكن أن تستمر بصورة رمزية وثقافية، وتعيد إنتاج نفسها من خلال أدوات الفردانية والبراند الشخصي والفضاء الرقمي والأداء واقتصاد الانتباه والتسويق.
وبهذا، لا ترى الدراسة في التحوُّلات الرقمية قطيعة مع الإرث السابق، وإنّما إعادة تشكيل له داخل شروط جديدة، وما يبدو تراجعاً على المستوى المؤسّسي قد يكون، وفق الباحثة، انتقالاً إلى مساحة أكثر سيولة وامتداداً؛ حيث تتداخل الهوية الدينية مع صناعة الصورة الشخصية، ويتحول الداعية من شيخ ذي حضور تقليدي إلى شخصية شبكية تتشكل مكانتها بقدر ما تستطيع جذب الانتباه وبناء علاقة مستمرة مع جمهورها.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_133_0_1_0_1.jpg.webp?itok=Lsnm3BmP)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%84%D9%81_2_4_2.jpg.webp?itok=lljPkVxV)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%86_10.jpg.webp?itok=erMj1NPS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%AD_29.jpg.webp?itok=3Ng4cmuY)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86%20%D9%88%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7.png.webp?itok=uWdjbUfA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A7_0_0_0_1.jpg.webp?itok=MyYe6exm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_1.jpg.webp?itok=FXeyoxW8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%84%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AF%D8%A7_1.jpg.webp?itok=pC3dTAZh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84_1_7.jpg.webp?itok=TpEFzFt3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_41_2_0.jpg.webp?itok=IDXPlJCa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7_19.jpg.webp?itok=8mFePmyH)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%86%D9%89_4.png.webp?itok=bcW-YIQO)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%86%D9%89_3.png.webp?itok=ENLd8V9t)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A9_177.jpg.webp?itok=9nox5R_K)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%B1%D8%B3%D9%8A.jpg.webp?itok=3W9B1XtB)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%88%D8%B2%D9%8A_1.jpg.webp?itok=l-buhOgN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%88%D9%86%D8%A7%D9%86_10.jpg.webp?itok=lZKGjScW)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84_1_5.jpg.webp?itok=hCdKmnI4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD_38.jpg.webp?itok=jH4JYkNB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%B4%D8%A71.jpg.webp?itok=kuO7Yy_d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_2.jpeg.webp?itok=R9lPs42T)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/GDwvCo_zMvwWviO1UBjZOIncr8lBppACdNT5J2TgfLKiQt_Gch5Mbarh28Jo_9qBwcr2yCAGeE6sde8thVaLC2axkS3EdFlt0lVf9sRMY3oGNK4DR-i8hDLKVbVwbGpBttMNqPlZ0db_UOo4RUv8BtbOP3ye6_zuKhmtGTMdUL1NuxY8S1_j8dcMOIUPl9Ht%20%281%29.jpg.webp?itok=nS9xUUct)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA_0_1.jpg.webp?itok=PBow1BGf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
