بين الركام والخيام: طلاب غزة يتمسكون بالتعليم

بين الركام والخيام: طلاب غزة يتمسكون بالتعليم

بين الركام والخيام: طلاب غزة يتمسكون بالتعليم


كاتب ومترجم فلسطيني‎
16/09/2026

يواجه التعليم في قطاع غزة واحدة من أخطر الأزمات التعليمية في العصر الحديث، فمنذ اندلاع الحرب في تشرين الأول/أكتوبر 2023 تعرضت المدارس والمؤسسات التعليمية لأضرار ودمار واسع، واضطر مئات الآلاف من الأطفال إلى الانقطاع عن التعليم النظامي أو اللجوء إلى بدائل مؤقتة، مثل الخيام ومراكز التعلم المؤقتة والتعليم الإلكتروني.

ويفترض أن تمتلئ المدارس بأصوات الأطفال، وأن تفتح أبواب الفصول لاستقبال التلاميذ بكتبهم وحقائبهم وأحلامهم الصغيرة، لكنّ المشهد في غزة مختلف، آلاف الأطفال يدخلون عاماً دراسياً جديداً وهم بلا مدارس، وبلا مقاعد دراسية، وبلا بيئة تعليمية مستقرة.

على مدى ثلاثة أعوام عاش معظم أطفال غزة خارج النظام التعليمي المعتاد، كما أنّ غالبية الأطفال في سن الدراسة واجهوا وصولاً محدوداً جداً إلى التعليم الوجاهي، وتُحذّر المؤسسات الإنسانية من أنّ استمرار انقطاع التعليم يترك آثاراً بعيدة المدى على الأطفال، ليس فقط من الناحية الأكاديمية، وإنّما أيضاً على صحتهم النفسية، ونموهم الاجتماعي وقدرتهم على بناء مستقبلهم.

ولم يعد الوصول إلى المدرسة مجرد رحلة يومية بالنسبة إلى أطفال غزة، فالعديد من المباني التعليمية التي كانت تستقبلهم لم تعد صالحة للعمل، وتحولت مدارس أخرى إلى ملاجئ للنازحين. وتشير بيانات منظمة اليونيسف إلى أنّ أكثر من 90% من مدارس غزة تضررت أو دُمّرت، وأنّ النظام التعليمي بات يواجه خطر الانهيار بعد سنوات من انقطاع التعليم الوجاهي، وبذلك لا يواجه الأطفال خسارة مبانيهم المدرسية فحسب، بل يواجهون أيضاً خسارة جزء من حياتهم الطبيعية، فالفصل الدراسي بالنسبة إلى الطفل ليس جدراناً ومقاعد فقط، بل مساحة للتعلم واللعب وبناء الصداقات وصناعة المستقبل.

وتعمل برامج تعليمية طارئة على إنشاء مساحات تعلم مؤقتة بينها خيام، بهدف توفير الحد الأدنى من التعليم للأطفال، ومساعدتهم على استعادة جزء من روتينهم اليومي، لكنّ التعليم في الخيمة لا يعوّض المدرسة، فالأطفال يحتاجون إلى بيئة آمنة ومستقرة، ومياه ومرافق صحية، وكتب وقرطاسية، ومعلمين، ومقاعد وفصول يمكنهم فيها التعلم دون الخوف من فقدان المكان في اليوم التالي.

بالنسبة إلى الأطفال، تبدو المطالب بسيطة، مدرسة لها سقف وجدران، مقعد وكتاب، معلم ورفاق، وساحة للّعب، أطفال غزة يبدون رغبتهم في العودة إلى مدارس حقيقية، لا إلى خيام مؤقتة، مدارس توفر لهم الأمان والاستقرار، وتعيد إليهم شيئاً من طفولتهم التي تبدلت بفعل الحرب، وبعد الدمار الذي حلّ بالمدارس والجامعات ظهر التعليم في الخيام، وهو محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ورغم قسوة الواقع يحاول معلمون ومؤسسات إنسانية إعادة الأطفال إلى مقاعد الدراسة ولو في ظروف مؤقتة.

وتكشف شهادات وتقارير ميدانية أعدتها "حفريات" عن شعور متزايد بالغضب والإحباط بين الأطفال والطلبة، بسبب فقدان المدرسة، والكتب، والزي المدرسي، والبيئة التعليمية المستقرة، فالعام الدراسي في غزة لا يبدأ بجرس المدرسة، بل يبدأ بسؤال مؤلم عن مستقبل جيل كامل، فكلّ يوم يمر دون تعليم يوسع الفجوة بين الأطفال وما يحتاجونه لمواصلة حياتهم، وكل عام دراسي يضيع قد يترك أثراً يصعب تعويضه لاحقاً.

ويزداد الإحباط مع استمرار استخدام الخيام والمراكز المؤقتة للتعليم، واضطرار بعض الطلبة إلى الدراسة في ظروف تفتقر إلى المقاعد والكتب والمستلزمات الأساسية، وفي واقع المدارس اليوم فهي تعمل في خيام، حيث يضطر بعض الأطفال إلى الدراسة على الأرض بسبب نقص الأثاث.

داخل إحدى مدارس الأونروا المدمرة جزئياً غرب مدينة غزة، أقيم عدد من الخيام التي وضعت لاستقبال الطلاب وبدء الدراسة الوجاهية، ويواجه الأطفال داخل تلك الخيام صعوبة في التركيز نتيجة الاكتظاظ والحر الشديد.   

تتحدث المعلمة شاهيناز محمد عن "صعوبة توصيل المعلومات إلى الطلاب، نتيجة التشتت الفكري والذهني الذي ينتاب الطلاب، على إثر  تدهور البيئة التعليمية، وتعرّض الأطفال لمشاهد مستمرة من القتل والنزوح، وصعوبة متابعة دروسهم لعدم توفر كهرباء في أماكن سكناهم، وغياب أدنى مقومات الحياة".  

وتشير في حديثها لـ "حفريات" إلى أنّ "صعوبة استئناف التعليم تزداد بسبب أنّ الأزمة لم تعد تقتصر على إعادة فتح المدارس، وإنّما أصبحت مرتبطة بإعادة بناء منظومة تعليمية كاملة، قادرة على استيعاب مئات آلاف الطلبة، في بيئة ما تزال تفتقر إلى عدد كافٍ من المباني الآمنة والمجهزة".

ولفتت إلى أنّ "الفصول البديلة تعاني من نقص الأثاث والمستلزمات والكتب المدرسية، إلى جانب العديد من النواقص الأساسية؛ ومنها المقاعد والطاولات والسبورات، والوسائل التعليمية والكتب المدرسية والدفاتر والأقلام والقرطاسية، إلى جانب أجهزة الحاسوب ومعدات التعليم الإلكتروني، والمستلزمات الخاصة بالمختبرات والأنشطة المدرسية".

وتضيف: "رغم كل هذه المعيقات، تبقى محاولات المعلمين والمؤسسات الإنسانية لإعادة الأطفال إلى التعلم رسالة واضحة، التعليم ليس رفاهية يمكن تأجيلها، بل هو حق أساسي للأطفال، ونافذة يتمسكون بها نحو المستقبل".

بدورها، تقول المشرفة على التعليم في منطقة غرب غزة السيدة وفاء حجازي: "يواجه قطاع التعليم في غزة كارثة غير مسبوقة، نتيجة تعمد الاحتلال الإسرائيلي منذ بدء حرب الإبادة إلحاق الضرر الكبير في التعليم، وحرمان الأجيال من التعليم ونشر الفوضى والجهل داخل غزة".

وبينت في حديثها لـ "حفريات" أنّ "هناك العديد من المعيقات التي أجلت بدء العام الدراسي من آب/أغسطس إلى أيلول/سبتمبر الجاري، ومنها عدم توفر فصول دراسية، والاعتماد على الخيام التي لا تكفي لاستيعاب أعداد كبيرة من الطلاب، كما أنّ ظروف وبيئة الخيام غير مجهزة بالشكل الكافي لانطلاق العملية التعليمية".

ولفتت إلى أنّ "الاحتلال يتعمد عرقلة المسيرة التعليمية، من خلال تدمير المدارس وقتل المعلمين، ومنع إدخال الكتب والقرطاسية بكميات كافية، ورفض الانسحاب من مناطق واسعة من غزة لإخراج النازحين من داخل بعض المدارس التي تعرضت لأضرار جزئية ويسكنها النازحون".   

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية