دراسة حديثة تكشف كيف يعيد تنظيم الإخوان تموضعه في الفضاء الأوروبي؟

دراسة حديثة تكشف كيف يعيد تنظيم الإخوان تموضعه في الفضاء الأوروبي؟

دراسة حديثة تكشف كيف يعيد تنظيم الإخوان تموضعه في الفضاء الأوروبي؟


16/09/2026

يكشف الرصد الدقيق لتحركات جماعة الإخوان المسلمين في الساحات الغربية عن انتقال التنظيم الدولي إلى طور بنيوي جديد، يتجاوز نمط العمل التقليدي المعتمد على الخطاب الديني المباشر إلى فضاء المناورة المؤسسية المغلفة بالطابع المدني والحقوقي. 

وفي هذا السياق، تأتي الورقة التحليلية الصادرة عن "مركز رع للدراسات الاستراتيجية"، للباحثة الدكتورة أسماء دياب تحت عنوان "واجهات جديدة... كيف تعيد جماعة الإخوان بناء حضورها في الغرب؟"، لتقدم تفكيكاً معرفياً واستراتيجياً لمسارات هذا التموضع المستحدث، متخذة من الساحة الهولندية، وتحديداً مدينتي لاهاي وأمستردام، نموذجاً دالاً على مرحلة إعادة التمركز الخارجي. 

تنطلق الورقة من ملاحظة عينية ترصد استعدادات التنظيم وتنسيقاته لعقد مؤتمرات موسعة بالتعاون مع كيانات موازية ومستحدثة، يبرز في طليعتها ما يعرف بـ "حزب أمل مصر" وائتلافات شبابية وحقوقية موازية أو تابعة للتنظيم مثل "حركة ميدان"، وذلك في مسعى تصعيدي يستهدف اختراق الدوائر الأكاديمية والسياسية والحقوقية في الغرب والولايات المتحدة، لتمرير الرواية الإخوانية بشأن الأوضاع السياسية وملف السجناء في مصر، وتبييض السجل الحركي التاريخي الموصوم بالتطرف والعنف.

تكتيك "التخفي المظلي" وغسل الهوية التنظيمية

تؤسس الورقة مدخلها التحليلي عبر استعارة مفهوم من العلوم العسكرية تصفه بـ"التخفي المظلي"، وهو التكتيك الذي لجأت إليه قيادات التنظيم للهروب من الملاحقات وتصنيفات الإرهاب والتضييقات القانونية المتصاعدة في عدد من العواصم الدولية. 

يقوم هذا التكتيك على تفريخ كيانات وائتلافات موازية تُمنح مُسمّيات ذات حمولة ليبرالية ومدنية وحقوقية خالصة، تُبعد عنها الشبهة الإيديولوجية المباشرة، وتتيح للشخصيات الغربية والنواب والباحثين الانخراط في فعالياتها دون حرج سياسي أو أخلاقي. وتُظهر القراءة أنّ هذا الإجراء ليس مجرد تغيير في اللافتات الخارجية، بل هو محاولة لغسل الهوية التنظيمية واستبدال القاموس الإخواني التقليدي بمعجم حداثي يرتكز على مفردات العدالة والحريات والتحول الديمقراطي، لتقديم الجماعة لا كحركة دينية شمولية تسعى لإسقاط الدولة، بل بوصفها حركة معارضة مدنية ومضطهدة سياسياً.

دوافع الاختراق الغربي بين القصور المعرفي والمقايضة السياسية

وفي معرض الإجابة عن أسباب انجذاب بعض الدوائر الغربية للرواية الإخوانية، ترصد الدراسة ثلاثة محددات بنيوية متضافرة؛ أوّلها نزعة الاختزال والسطحية الأكاديمية والجهل بطبيعة التنظيم الهرمي وعقيدته الباطنية، حيث تتعامل قطاعات من الباحثين والنشطاء مع المظلومية المعروضة دون ربطها بتاريخ الجماعة الإقصائي حين وصلت إلى الحكم، ودون الالتفات إلى أدبياتها المؤسسة للعنف؛ وهو ما يتجلى في إصدار تقارير وبيانات تعزل أوضاع السجناء عن سياق ارتكابهم أو تورطهم في جرائم إرهابية كاستهداف المقار الأمنية وإدارة لجان نوعية مسلحة كـ"حسم" و"لواء الثورة"، رغم أنّ عدداً من المحركين لهذه الفعاليات هم من مؤسسي أو مُنظّري تلك الأذرع. 

ويتمثل المحدد الثاني في استثمار الجماعة الممنهج في شبكات العلاقات العامة والدبلوماسية الموازية، مدعومة بإمكانات تمويلية تديرها أذرع التنظيم الدولي؛ إذ تضخ الجماعة أموالاً لدعم أبحاث، وعقد ندوات داخل أروقة جامعات غربية مرموقة مثل "سواس" و"إكستر"، بالتوازي مع التغلغل في جلسات الاستماع داخل البرلمان الأوروبي عبر مؤسسات مثل "مجلس المبادرة المسلمة في أوروبا"، وهو ما يخلق بيئة معلوماتية موجهة تغيب عنها الحقائق الأمنية والوقائع الجنائية الموثقة. 

أمّا المحدد الثالث، فيرتبط بالبراغماتية السياسية الغربية، وتقاطع مصالح تيارات من اليسار الليبرالي مع التنظيم، حيث تنظر بعض الدوائر الغربية إلى هذه التيارات بوصفها ورقة ضغط جيوسياسي وأداة موازنة مستمرة ضد الأنظمة الوطنية في الشرق الأوسط لتحصيل مكاسب وتنازلات تفاوضية في ملفات إقليمية واقتصادية شائكة.

دلالات الجغرافيا: لماذا تحولت هولندا إلى مركز عمليات بديل؟

وتنتقل الورقة إلى تفكيك الدلالات الجغرافية لاختيار هولندا ساحةً رئيسية لإطلاق هذه التحركات وعقد المؤتمرات، مبينة أنّ هذا التوجه ليس عفوياً بل يحكمه حساب دقيق للبيئة التشريعية والسياسية؛ فالمشرّع الهولندي يوفر تسهيلات واسعة ومرونة قانونية ملحوظة في تأسيس المنظمات غير الحكومية والجمعيات الأهلية، مع غياب شبه كامل للرقابة المسبقة على تدفقات التمويل القادمة من أطراف ثالثة أو جهات مشبوهة لصالح واجهات مجتمعية. 

يضاف إلى ذلك القيمة المعنوية الرمزية لمدينة لاهاي بوصفها عاصمة للعدالة الدولية ومقراً للمحاكم الجنائية، وهو ما يسعى التنظيم لاستثماره دعائياً لإعطاء صبغة قانونية دولية لعرائضه وشكواه المسيسة. وتؤكد الورقة أنّ انتقال الثقل إلى هولندا وبلجيكا والنمسا هو استجابة حتمية لحالة التضييق الرقابي والاستخباراتي التي فرضتها دول كبريطانيا وفرنسا وبعض العواصم الإقليمية على أنشطة الجماعة ومصادر تمويلها ومؤسساتها، ممّا دفعها للبحث عن ملاذات بديلة لإعادة تجميع الموارد والشبكات تحت مظلات رقابية رخوة، محذرة من أنّ تحول هولندا إلى بؤرة عمليات يهدد بتأجيج التحريض، ومحاولة زعزعة أمن واستقرار الداخل المصري عبر الخارج، وتشويه الاستقرار الاقتصادي والقطاع السياحي.

هندسة المظلومية الحقوقية وازدواجية الخطاب

وترى الدراسة أنّ "المظلومية الحقوقية" تحولت في فكر التنظيم الراهن إلى خط الدفاع الاستراتيجي الأخير، بعد أن تبددت قواعده الميدانية وانفضت عنه الحواضن الشعبية في الداخل والمحيط الإقليمي، لافتة إلى أنّ الجماعة تمارس لعبة "الخطاب المزدوج" باحترافية عالية؛ فبينما تعتمد داخلياً وفي منصاتها باللغة العربية لغة قطبية مشحونة بأدبيات المحنة والاستعلاء العقدي لضمان تماسك القواعد واستدرار الدعم المالي، تصوغ للخارج الأوروبي خطاباً ديمقراطياً حداثياً مستعاراً من الاتفاقيات والمعاهدات الأممية. 

وفي هذا المسار، يبرز تصدير الجيل الثاني من شباب التنظيم المقيمين في الغرب، ممّن لا تحوم حولهم شبهات أمنية أو سجلات ملاحقة مباشرة، لاستخدام مهاراتهم اللغوية والتقنية وتوظيف التزييف الرقمي في ترويج مظلوميات أحادية الجانب والتعمية على قيادات الصقور وكتائب العنف التنظيمي.

مسارات المواجهة الاستباقية لتفكيك شبكات النفوذ

وتخلص دراسة مركز "رع" إلى رسم محددات مواجهة استباقية تفكك هذه الشبكات ولا تكتفي بموقع رد الفعل الدفاعي، مشددة على ضرورة تفعيل دبلوماسية أمنية وحقوقية عابرة للمؤسسات تتجه مباشرة نحو مراكز التفكير الغربية، واللجان البرلمانية الأوروبية، لتزويدها بملفات قضائية وأدلة دامغة تفضح ارتباط الواجهات المستحدثة، وفي مقدمتها "حزب أمل مصر" و"حركة ميدان"، بشبكات التطرف والعنف المسلح. 

وتدعو الورقة إلى كشف السجل الإيديولوجي والمالي للمؤسسين وداعميهم، بموازاة تطوير خطاب حقوقي وطني مبادر يبرز جهود الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، ويخاطب المنظمات الدولية بلغة الأرقام والمؤشرات الميدانية، والاستثمار الجاد في مراصد التطرف الرقمي والإنتاج البحثي المترجم بمختلف اللغات الغربية؛ بما يسحب البساط من تحت أقدام الواجهات المستحدثة، ويُعرّي استراتيجية التخفي المظلي التي يراهن عليها التنظيم لتمديد شريان حياته في المنفى الغربي.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية