حين تصبح الطرق جزءًا من المأساة... كيف تحولت المواصلات في غزة إلى معركة يومية للبقاء؟

حين تصبح الطرق جزءًا من المأساة... كيف تحولت المواصلات في غزة إلى معركة يومية للبقاء؟

حين تصبح الطرق جزءًا من المأساة... كيف تحولت المواصلات في غزة إلى معركة يومية للبقاء؟


02/08/2026

لم تعد أزمة المواصلات في قطاع غزة تُقاس بعدد المركبات العاملة أو كفاءة شبكة الطرق، بل أصبحت مرآة تعكس حجم الانهيار الذي أصاب مختلف مناحي الحياة بعد الحرب. فالطريق الذي كان يختصر المسافات بين الأحياء والمدن، تحول إلى مسار طويل مليء بالحفر والركام، وأصبحت رحلة الوصول إلى العمل أو الجامعة أو المستشفى اختبارًا يوميًا للصبر والقدرة على الاحتمال.

ومع شروق الشمس، يصطف مئات المواطنين على جوانب الطرق بانتظار مركبة تقلهم، بينما تمر الساعات ولا تصل إلا مركبات قليلة مكتظة بالركاب.

يقول "أحمد صالح" لـ "حفريات" إنّه يضطر يوميًا إلى التنقل بين محافظتين للوصول إلى مكان عمله، مضيفًا: "أغادر منزلي قبل موعد الدوام بساعات، ليس بسبب بُعد المسافة، وإنّما لأنني لا أعرف متى سأجد مركبة تقلني، وفي كثير من الأيام أضطر إلى المشي مسافات طويلة قبل أن أتمكن من ركوب أيّ وسيلة نقل."

 وقد أجبر الدمار الذي طال شبكة الطرق السائقين في مناطق كثيرة على استخدام طرق ترابية أو فتح مسارات بديلة بين الأنقاض، الأمر الذي أطال زمن الرحلات ورفع استهلاك الوقود وزاد أعطال المركبات وأجرة النقل.

ولا تختلف معاناة الطلبة الجامعيين كثيرًا عن غيرهم، فالكثير منهم أصبح يصل إلى محاضراته متأخرًا أو يتغيب عنها بالكامل بسبب تعذر الوصول في الوقت المناسب. 

كما أنّ ارتفاع أجور النقل أجبر بعض الطلبة على تقليل عدد أيام حضورهم أو البحث عن وسائل بديلة، رغم ما يرافق ذلك من مشقة بدنية وإرهاق يومي.

في هذا السياق، يقول الطالب الجامعي "هادي وسام" إنّه يضطر يوميًا إلى قطع مسافات طويلة سيرًا على الأقدام للوصول إلى كليته، بعد أن أصبح العثور على وسيلة نقل مناسبة أمرًا بالغ الصعوبة، ويضيف أنّ رحلته اليومية تبدأ قبل ساعات من موعد المحاضرات، إذ يخرج مبكرًا تحسبًا للتأخير، إلا أنّ ذلك لا يضمن وصوله في الوقت المحدد، بسبب قلة المركبات العاملة وازدحامها الشديد. ويؤكد أنّ المشي الطويل وساعات الانتظار ينعكسان سلبًا على تركيزه الدراسي ويعودان به إلى المنزل منهكًا.

أمّا المرضى، فهم من أكثر الفئات تأثرًا بالأزمة، إذ قد تتحول رحلة الوصول إلى المستشفى إلى سباق مع الزمن، خاصة بالنسبة إلى الحالات الطارئة أو مرضى الأمراض المزمنة الذين يحتاجون إلى مراجعات دورية. وفي ظل الطرق المتضررة وقلة المركبات، تصبح كل دقيقة إضافية عاملًا قد يؤثر على فرص الحصول على الرعاية الطبية في الوقت المناسب.

يقول "محمد علي" في حديثه لـ "حفريات" إنّه عاش هذه المعاناة عندما دخلت زوجته في مرحلة المخاض، حيث واجه صعوبة كبيرة في العثور على وسيلة نقل تقلها إلى المستشفى في الوقت المناسب، وأوضح أنّ الوقت كان يمر ببطء بينما كان يتنقل بين أكثر من مكان بحثًا عن مركبة، في ظل انعدام وجود وسائل نقل في أوقات متأخرة من الليل، الأمر الذي ضاعف من حالة القلق والخوف على سلامة زوجته وجنينها.

وأضاف أنّ لحظات الانتظار كانت الأصعب، إذ لم يكن الخوف نابعًا من الولادة بحد ذاتها، وإنّما من احتمال التأخر في الوصول إلى المستشفى، مؤكدًا أنّ أزمة المواصلات جعلت موقفًا إنسانيًا حساسًا أكثر تعقيدًا، وفرضت على أسرته ضغوطًا نفسية كبيرة في وقت كانت فيه كل دقيقة تحمل أهمية بالغة.

ولا تقتصر آثار الأزمة على تجارب الأفراد، بل تمتد إلى البنية التحتية التي أعادت الحرب تشكيلها بالكامل.

شوارع فقدت ملامحها... كيف أعادت الحرب تشكيل رحلة سكان غزة؟

لم تعد الطرق في قطاع غزة مجرد مسارات تربط بين المدن والمخيمات، بل أصبحت شاهدًا على حجم التغير الذي طرأ على تفاصيل الحياة اليومية. فالأضرار الواسعة التي لحقت بشبكة الطرق لم تبطئ حركة المركبات فحسب، بل أثرت أيضًا في انتظام حركة النقل ورفعت زمن الرحلات بين مختلف مناطق القطاع.

وخرج عدد كبير من المركبات العمومية عن الخدمة نتيجة تعرضها لأضرار مباشرة أو بسبب صعوبة صيانتها في ظل نقص قطع الغيار وارتفاع أسعارها، وأدى الضغط المتواصل على المركبات العاملة إلى زيادة الأعطال الميكانيكية، لتصبح كل مركبة تتوقف عن العمل عبئًا إضافيًا على منظومة نقل تعاني أصلًا من نقص حاد في الإمكانات.

تكلفة التنقل... عبء إضافي يثقل كاهل سكان عزة

وبالحديث عن تكلفة التنقل داخل قطاع غزة، يؤكد الصحفي "ياسر أبو مصطفى" في حديث لـ "حفريات" أنّ الأزمة أصبحت أكثر تعقيدًا، إذ ارتفعت أجور سيارات الأجرة الخاصة بشكل كبير، وقد تصل تكلفة التنقل داخل مدينة غزة إلى ما بين 50 و65 شيكلًا لمسافات قصيرة نسبيًا.

أمّا المواصلات العامة الداخلية، فقد ارتفعت من شيكلين قبل الحرب إلى خمسة شواكل حاليًا كحد أدنى، وتختلف الأسعار بحسب المسافة والوجهة.

وبالنسبة إلى التنقل بين المحافظات، تتراوح أجرة نقل الشخص الواحد من مدينة غزة إلى دير البلح بين 15 و20 شيكلًا، وقد ترتفع إلى 35 شيكلًا عند التوجه إلى مناطق متقدمة داخل خان يونس، تبعًا لنقطة الوصول وظروف الطريق.

ويؤكد الصحفي "أبو مصطفى" أنّ المواطنين أصبحوا عاجزين عن تحمل تكاليف النقل المرتفعة، رغم إدراكهم حجم الضغوط التي يواجهها السائقون في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل وصعوبة توفير مستلزمات الصيانة.

ولا تختلف معاناة النساء عن بقية الفئات، إذ تواجه كثيرات صعوبة في إيجاد وسيلة نقل مناسبة، خاصة عند التنقل برفقة الأطفال أو أثناء مراجعة المراكز الصحية. ويزداد العبء على كبار السن وذوي الإعاقة الذين يحتاجون إلى وسائل نقل أكثر أمانًا وسهولة، وهي وسائل أصبحت نادرة في ظل الواقع الحالي.

الاقتصاد يدفع الثمن أيضًا

لم تتوقف آثار أزمة المواصلات عند الركاب والسائقين، بل امتدت إلى النشاط الاقتصادي في قطاع غزة، فأصحاب المحال التجارية يشيرون إلى تراجع حركة الزبائن بسبب صعوبة التنقل، بينما تواجه المركبات التجارية التي تنقل البضائع تحديات إضافية نتيجة الطرق المتضررة وصعوبة توفير الزيوت والإطارات وقطع الغيار اللازمة للصيانة، ممّا رفع تكاليف النقل، وانعكس مباشرة على أسعار السلع.

كما أنّ تأخر الموظفين والعمال عن أماكن عملهم، أو اضطرار بعضهم إلى التغيب بسبب عدم توفر وسيلة نقل، يؤثر في الإنتاجية ويزيد من الأعباء التي تتحملها المؤسسات وأصحاب الأعمال.

في الجهة الأخرى من الأزمة، يقف سائقو المركبات العمومية أمام واقع لا يقلّ صعوبة عن معاناة الركاب، ويؤكد عدد منهم في أحاديث منفصلة لـ "حفريات" أنّ العمل أصبح أكثر مشقة وأقلّ ربحًا، إذ تلتهم تكاليف الوقود والصيانة جزءًا كبيرًا من الإيرادات، بينما تؤدي الطرق المتضررة إلى زيادة استهلاك المركبات وتكرار الأعطال، في ظل صعوبة توفير قطع الغيار ومستلزمات الصيانة، ويشير السائقون إلى أنّ خروج كل مركبة من الخدمة يزيد الضغط على المركبات القليلة المتبقية، وهو ما يفاقم أزمة النقل ويحدّ من قدرة القطاع على تلبية احتياجات المواطنين.

وهكذا، أصبحت أزمة المواصلات في غزة تتجاوز مفهوم النقل التقليدي، لتتحول إلى قضية تمس الاقتصاد والصحة والتعليم والعمل، وتؤثر بصورة مباشرة في تفاصيل الحياة اليومية، حتى غدت الطرق نفسها عنوانًا لمعاناة لا تنتهي.

إعادة الإعمار لا تبدأ من المباني فقط

يرى مختصون في التخطيط العمراني والنقل أنّ تعافي قطاع غزة يتطلب إعادة تأهيل شبكة الطرق والنقل بالتوازي مع إعادة إعمار المباني، باعتبارها عنصرًا أساسيًا لاستعادة الحركة الاقتصادية والخدمات الأساسية. ويؤكدون أنّ إصلاح الطرق، وإزالة الركام، ودعم أسطول النقل العام، وتسهيل إدخال قطع الغيار ومستلزمات الصيانة، تمثل خطوات ضرورية لإعادة تشغيل منظومة النقل وتمكين مختلف القطاعات من استعادة نشاطها.

خلف كل رحلة حكاية... مواطنون يواجهون طريقًا مختلفًا كل يوم

في غزة، لم تعد أزمة المواصلات مجرد أزمة طرق أو مركبات، بل أصبحت جزءًا من معركة الحياة اليومية،  فكل رحلة إلى العمل أو الجامعة أو المستشفى تمر اليوم عبر طريق مثقل بالدمار والانتظار، ليغدو الوصول إلى الوجهة إنجازًا بحد ذاته، في مدينة ما تزال تحاول استعادة نبضها من بين الركام.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية