الأحزاب الإسلامية في الجزائر أمام معضلة وجودية... خيبة انتخابية تُعمّق عزلة الإخوان

الأحزاب الإسلامية في الجزائر أمام معضلة وجودية... خيبة انتخابية تُعمّق عزلة الإخوان

الأحزاب الإسلامية في الجزائر أمام معضلة وجودية... خيبة انتخابية تُعمّق عزلة الإخوان


23/07/2026

 

تلقى تيار الإسلام السياسي في الجزائر، وفي مقدمته حركة مجتمع السلم (حمس) الممثلة الرئيسية لتنظيم الإخوان المسلمين، صفعة انتخابية جديدة وأزمة تنظيمية طاحنة عقب الإعلان عن نتائج الانتخابات البرلمانية.

 وأكدت النتائج الرسمية تراجعاً حاداً وغير مسبوق في نفوذ وحضور الأحزاب الإخوانية داخل مجلس الأمة، ممّا كشف عن تآكل قاعدتها الانتخابية وانحسار قدرتها على حشد الشارع، وسط حالة من الصدمة والارتباك خيمت على قيادات التنظيم ودلّت على عمق العزلة السياسية والشعبية التي تعيشها الجماعة.

انهيار انتخابي وتراجع في المقاعد

أظهرت الأرقام الرسمية الصادرة عن الهيئة الوطنية المستقلة للانتخابات أنّ حركة "حمس" كانت الخاسر الأكبر في الاستحقاق النيابي الذي جرى قبل نحو أسبوعين؛ إذ تراجع عدد مقاعدها من 65 مقعداً في انتخابات عام 2021 إلى 43 مقعداً فقط، لتفقد الحركة 22 مقعداً دفعة واحدة. ولم تقتصر الخسارة على "حمس"، بل امتدت إلى "حركة البناء الوطني" الإخوانية بزعامة عبد القادر بن قرينة، التي فشلت في تحقيق طموحاتها بالتوسع والسيطرة داخل البرلمان مكتفية بـ 38 مقعداً مقارنة بـ 39 مقعداً في الدورة السابقة.

ولم يطرأ أيّ تغيير يذكر على موقع باقي الكيانات الإسلامية؛ حيث حصلت جبهة العدالة والتنمية بزعامة عبد الله جاب الله على 4 مقاعد فقط، بينما اكتفت حركة النهضة بمقعدين، وهي نتائج كشفت بوضوح عن عجز التشكيلات الإسلامية المتنافسة على إرث الإخوان في إقناع الناخب الجزائري ببرامجها أو استقطاب الشارع.

تلويح بالاستقالة وصراعات داخلية

وأحدثت هذه النتائج زلزالاً داخل أروقة حركة مجتمع السلم، دفع برئيسها عبد العالي حساني شريف إلى الإقرار بالهزيمة علناً أمام الرأي العام وتحمل المسؤولية الكاملة.

 وألمح حساني شريف في مؤتمر صحفي خصص للتعليق على نتائج الاقتراع إلى إمكانية تنحيه وتغيير القيادة الحزبية، محذراً من أنّ الحركة تنظر بجدية في مراجعة هياكلها وإجراء تغييرات قيادية إذا لزم الأمر، وهو ما اعتُبر مؤشراً حتمياً على انطلاق موجة جديدة من الاضطرابات والصراعات الداخلية المحتدمة بين أجنحة التنظيم.

من جهة أخرى، يسود إحباط واسع صفوف "حركة البناء"، في وقت حاول فيه زعيمها بن قرينة التغطية على الإخفاق بمهاجمة ما سمّاه "الانقسام الإيديولوجي" عبر منصات التواصل الاجتماعي، مع توجيه أنظاره نحو التطلع للظفر بحقائب وزارية في التشكيل الحكومي المقبل كطوق نجاة أخير يحفظ للحزب مكاسبه السياسية.

أسباب الفشل وتآكل الخطاب التقليدي

التراجع المتواصل للإسلاميين في الجزائر يعود إلى حالة "التخبط الإيديولوجي"، والتناقض المستمر بين ممارسة المعارضة ومغازلة السلطة للظفر بالمكاسب والتواجد في التشكيلات الوزارية.

وفي السياق أوضح الباحث السياسي محمد العلاقي في تصريح صحفي أنّ الأحزاب ذات التوجهات الإسلامية قدمت نفسها مجدداً لكنّها فشلت في الاختبار الانتخابي وعجزت عن إقناع المواطنين ببرامجها، مؤكداً أنّ الشارع الجزائري أبدى وعياً رافضاً لاستغلال الشعارات الدينية، لا سيّما بعد سنوات من التحالفات السابقة التي عقدتها الحركة مع رموز النظام القديم.

وقد أسهمت عوامل أخرى في تراجع النتائج، بحسب ما أشار إليه النائب السابق عبد الوهاب يعقوبي، التي ارتبطت بإجراءات تنظيمية وظروف الفرز المكثف للمرشحين؛ حيث رفضت السلطات ما يقرب من ثلث المرشحين بسبب شبهات فساد، وهو ما أدى إلى خفض خيارات الناخبين ورفع نسبة الامتناع عن التصويت، وهي البيئة التي يُعول عليها الإخوان عادة في حشد قواعدهم العقائدية.

مأزق فكري وعزلة سياقها عربي

تأتي هذه الصفعة الانتخابية في الجزائر لتنسجم مع السياق العام للتراجع الذي يشهده تيار الإسلام السياسي في المنطقة؛ وتُظهر قراءات قياديين سابقين ومفكرين، مثل الدكتور عبد الرزاق مقري في أطروحاته التي نشرها عبر صفحته على "فيسبوك"، أنّ الحركات الإسلامية أضحت تعاني أزمة في الانتقال من مرحلة "الدعوة والصحوة" إلى مرحلة "إدارة الدولة والعمل السياسي"، واصطدمت بعجزها عن ابتكار أطر مقاومة أو التكيف مع موازين القوى السياسية، لتسقط في فخ الاندماج والدخول تحت سقوف الأنظمة الاستبدادية لنيال فتات من السلطة.

إنّ استمرار التراجع الانتخابي والحصار الشعبي للخطاب الإخواني، بالتزامن مع تشتت الكتلة الناخبة التقليدية وتأسيس كيانات موازية، يضع الأحزاب الإسلامية في الجزائر أمام معضلة وجودية حقيقية، تُهدد بتحويلها إلى مجرد كيانات هامشية لا يتجاوز تأثيرها أسوار مقراتها المغلقة.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية