"الموت لأمريكا" في العلن... والحياة فيها في السّر

"الموت لأمريكا" في العلن... والحياة فيها في السّر

"الموت لأمريكا" في العلن... والحياة فيها في السّر


12/07/2026

يُعدُّ المشهد السياسي الإيراني مشهداً معقداً ومتعدد الأوجه، إلا أنّ الغلبة فيه تظلُّ لأصحاب الإيديولوجية الدينية الذين يهاجمون أمريكا والغرب صباح مساء؛ أكثر من خمسين سنة، متغافلين عن حقيقة أنّ فرنسا هي من آوت الخميني، ومنها انطلق ليحكم إيران. وسواء اتفقنا أم اختلفنا، فإنّ للغرب "أيادي بيضاء" (بمعنى أفضال أو تسهيلات) على الثورة الإسلامية في إيران، وكل ذلك جرى بموافقة أمريكية. والحقيقة أنّ هناك جدلية قائمة بين "الخطاب الإيديولوجي" و"السلوك الواقعي"، وهي واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل. فبينما تضج المنابر بشعارات "الموت لأمريكا" وتتغنى بفضائل الزهد والمقاومة، تكشف التقارير والوقائع المسربة عن نمط متكرر من "الازدواجية القيمية" لدى النخبة الحاكمة، حيث يتحول "الشيطان الأكبر" في العلن إلى وجهة مفضلة لأبناء القادة في السر.

فجوهر هذه الإشكالية يكمن في توزيع الأدوار المثير للريبة؛ فدعاة "الثورة والجهاد" يمارسون تعبئة معنوية ومادية مستمرة، يحثون من خلالها أبناء الطبقات الكادحة على الانخراط في ساحات القتال الإقليمية، ويصدرون لهم مفاهيم الشهادة والتضحية كأسمى غايات الوجود. لكن، في المقابل، نجد أنّ "خارطة الطريق" التي يرسمها هؤلاء القادة لأبنائهم تختلف تماماً؛ فهي لا تمر عبر جبهات القتال أو خنادق المقاومة، بل تمر عبر بوابات الجامعات المرموقة في الولايات المتحدة وأوروبا.

هذا التناقض ليس مجرد تفصيل عابر، بل هو "انفصام بنيوي" يضرب صدقية النظام في مقتل. عندما يرسل مسؤول رفيع ابنه للعيش في لوس أنجلوس أو نيويورك، وهو في الوقت ذاته يوقّع على قرارات تمنع الشباب الإيراني من الانفتاح على الثقافة الغربية أو يُحمّلهم تبعات العزلة الدولية، فإنّه يكرس نوعاً من "الإقطاعية الإيديولوجية" التي تجعل من القيم الثورية بضاعة للاستهلاك الشعبي، بينما تظل الرفاهية الغربية امتيازاً حصرياً (لأبناء المتنفذين). وقد نشر الباحث والكاتب "مصطفى الأنصاري" تحقيقاً في الموضوع تحت عنوان "دعاة "الموت لأمريكا" يتسابقون للعيش في أمريكا!" بتاريخ الإثنين 6 نيسان/أبريل 2026م على موقع "إندبندنت عربية" يعالج هذه القضية. 

إذ تبرز أسماء وازنة في هذا السياق لتجسد حجم الفجوة؛ فقاسم سليماني، الذي صُدّر كرمز مطلق للتضحية العسكرية، وعلي لاريجاني، السياسي المخضرم الذي طالما نافح عن "استقلالية الثورة" في مواجهة التغريب، ليسا سوى أمثلة على طبقة سياسية تعيش حالة من "الانفصال عن الواقع" الذي تفرضه على محكوميها.

إنّ وجود أفراد من عائلات هؤلاء القادة أو المقربين منهم في "قلب العدو المفترض" (أمريكا) يطرح تساؤلاً جوهرياً: إذا كانت أمريكا هي مصدر الشرور كما يروج الخطاب الرسمي، فلماذا يُؤتمن هذا "العدو" على تعليم وحياة أبناء الصف الأول في القيادة؟ الإجابة تكمن في أنّ الشعارات بالنسبة إلى هذه النخبة ليست "عقيدة حياة"، بل هي "أداة حكم" للسيطرة على الداخل، بينما تظل المصالح الشخصية والبحث عن الأمان والمستقبل المهني لأبنائهم هي البوصلة الحقيقية التي لا تخطئ تجاه الغرب.

أدت هذه الازدواجية إلى نشوء حالة من الإحباط العميق داخل المجتمع الإيراني، وخاصة لدى جيل الشباب الذي يجد نفسه محاصراً بين مطرقة العقوبات الدولية وسندان القمع الداخلي، في حين يشاهد عبر وسائل التواصل الاجتماعي نمط الحياة الباذخ الذي يعيشه أبناء المسؤولين في الخارج. لقد تحولت "الثورة" في نظر الكثيرين من مشروع للعدالة الاجتماعية إلى غطاء لطبقة جديدة من الأثرياء الذين يتاجرون بالشعارات لضمان استمرار امتيازاتهم.

إنّ الصدام بين "امتيازات الواقع" و"زهد الشعارات" قد أسقط ورقة التوت عن خطاب لم يعد يقنع حتى أصحابه. فمن يدعو لإرسال أبناء الآخرين إلى الموت في سبيل إيديولوجيا معينة، بينما يؤمن لأبنائه حياة الرفاهية في كنف "العدو"، لا يمارس السياسة بمفهومها الأخلاقي، بل يمارس نوعاً من "الانتهازية العقائدية" التي قد تنجح في الحفاظ على السلطة لفترة، لكنّها تفقد الشرعية الأخلاقية إلى الأبد.

في نهاية المطاف، يبقى التساؤل المعلق في أذهان الإيرانيين: كيف يمكن لشعار "الموت لأمريكا" أن يصمد، بينما تعيش روح القيادة، متمثلة في أبنائها، في قلب واشنطن؟ إنّها المفارقة التي تختصر حكاية الثورة التي أكلت أبناء الفقراء، وأرسلت أبناء قادتها ليتعلموا في مدارس "الشيطان".




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية