
تُظهر التجربة السودانية واحدة من أكثر الحالات تعقيداً في العلاقة بين المؤسسة العسكرية والتيارات الإسلاموية، حيث لم يكن التفاعل بين الطرفين مجرد تقاطع سياسي عابر، بل شكّل بنية حكم ممتدة أعادت إنتاج الدولة في أكثر من مرحلة تاريخية. فالسودان لم يعرف علاقة مستقرة بين الفاعلين المدنيين والعسكريين والإسلاميين، بل مرّ بسلسلة من التحولات التي جعلت من الجيش والحركة الإسلامية عنصرين متداخلين في إدارة السلطة، سواء عبر الشراكة أو التنافس أو الصدام.
وتكشف دراسة لـ "مركز تريندز للبحوث والاستشارات" بعنوان: "تشابك العسكرة والإسلاموية ومستقبل الدولة السودانية: تحولات مركز الدولة"، أنّ هذه العلاقة لا يمكن فهمها خارج سياق الدولة السودانية الحديثة التي تشكلت على وقع الانقلابات العسكرية والتحولات الإيديولوجية، حيث لعب الجيش دوراً محورياً في إعادة إنتاج السلطة، بينما سعت التيارات الإسلاموية إلى التموقع داخل هذا البناء أو التأثير فيه من الداخل.
وهذا التداخل أنتج حالة سياسية غير مستقرة، تقوم على إعادة توزيع متكرر لمراكز القوة بدل تثبيت نموذج حكم واضح.
وتشير الدراسة إلى أنّ السودان يمثل نموذجاً مكثفاً لفهم العلاقة بين العسكرة والإسلاموية في المنطقة، لأنّ التجربة السودانية جمعت بين الشراكة الطويلة في الحكم خلال فترات سابقة، ثم الانتقال إلى القطيعة والصراع بعد التحولات السياسية الأخيرة، وهو ما جعل العلاقة بين الطرفين مفتوحة على سيناريوهات متعددة تتغير بتغير موازين القوة.
الجذور التاريخية لتحالف العسكر والإسلاميين في السودان
توضح الدراسة أنّ العلاقة بين المؤسسة العسكرية والتيارات الإسلاموية في السودان تعود إلى مراحل مبكرة من تاريخ الدولة الحديثة، لكنّها بلغت ذروتها مع صعود الحركة الإسلامية إلى موقع التأثير داخل أجهزة الدولة خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين. فقد تم الانتقال من علاقة تأثير غير مباشر إلى شراكة سياسية وأمنية واضحة، خاصة بعد التحولات التي شهدتها البلاد في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات.
وخلال تلك المرحلة لم يكن الجيش فاعلاً منفصلاً عن المشروع السياسي، بل أصبح جزءاً من منظومة حكم تتقاطع فيها الاعتبارات الأمنية مع الإيديولوجيا الإسلاموية، وهو ما أدى إلى إعادة تشكيل مؤسسات الدولة وفق رؤية سياسية موحدة نسبياً.
وقد أفرز هذا التداخل نموذجاً حكم فيه العسكر والإسلاميون ضمن معادلة واحدة، مع توزيع غير متكافئ للسلطة داخل الدولة.
وتشير الدراسة إلى أنّ هذه المرحلة أسست لاندماج عميق بين البنية العسكرية والبنية الحزبية الإسلاموية، حيث لم يعد الفصل بين المجالين واضحاً، بل أصبحا يعملان ضمن شبكة واحدة من المصالح السياسية والأمنية. هذا الاندماج سيترك لاحقاً آثاراً طويلة على طبيعة الصراع بعد انهيار هذا النموذج.
وقد أسهم هذا التراكم في خلق حالة من الاعتماد المتبادل بين الطرفين، جعلت من الصعب فك الارتباط بينهما بشكل كامل في المراحل اللاحقة، رغم التغيرات السياسية العنيفة التي شهدتها البلاد.
مرحلة ما بعد 2019 وإعادة تفكك بنية التحالف
تشير الدراسة إلى أنّ الإطاحة بنظام الحكم في السودان عام 2019 مثّلت نقطة تحول حاسمة في طبيعة العلاقة بين الجيش والتيارات الإسلاموية، حيث انتقل السودان من نموذج الشراكة إلى حالة إعادة تفكيك تدريجي للبنية السياسية التي جمعت الطرفين لعقود.
في هذه المرحلة حاولت المؤسسة العسكرية إعادة تموضعها داخل المشهد السياسي باعتبارها الفاعل الأكثر استقراراً، بينما تعرضت التيارات الإسلاموية لضغوط سياسية وقانونية أدت إلى تراجع حضورها الرسمي، مع استمرار محاولات إعادة التنظيم من خارج هياكل الدولة.
لكنّ هذا التحول لم يؤدّ إلى قطيعة نهائية، بل خلق حالة من التوتر المستمر بين الطرفين، حيث بقيت شبكات النفوذ السابقة حاضرة بشكل غير مباشر في بعض مؤسسات الدولة، وهو ما جعل عملية الانتقال السياسي أكثر تعقيداً ممّا بدا في لحظته الأولى.
وتوضح الدراسة أنّ هذا التفكك لم يُستكمل بشكل نهائي، بل ظل مفتوحاً على احتمالات إعادة التشكل، خاصة في ظل استمرار التداخل بين البنية الأمنية والامتدادات السياسية القديمة.
البراغماتية السياسية وإعادة تموضع الفاعلين
تسجل الدراسة أنّ العلاقة بين الجيش والتيارات الإسلاموية في السودان لم تنتقل فقط من الشراكة إلى الصدام، بل شهدت أيضاً تحولات براغماتية معقدة، حيث أعاد كل طرف قراءة موقعه داخل الدولة وفقاً لتغير موازين القوة.
المؤسسة العسكرية في هذه المرحلة لم تعد تتحرك فقط كجهاز أمني، بل كفاعل سياسي يسعى إلى إدارة المرحلة الانتقالية وضبط التوازنات الداخلية، في ظل غياب استقرار سياسي كامل.
في المقابل، سعت التيارات الإسلاموية إلى إعادة التموضع خارج السلطة المباشرة، مع الحفاظ على القدرة على التأثير غير المباشر في بعض المسارات السياسية والاجتماعية.
وتشير الدراسة إلى أنّ هذا النمط من العلاقة يقوم على إدارة التوازن أكثر من الحسم، حيث لا يسعى أيّ طرف إلى إقصاء كامل للطرف الآخر، بقدر ما يعمل على تقليص نفوذه أو إعادة توجيهه وفق شروط جديدة.
كما أنّ هذه البراغماتية تعكس هشاشة البنية السياسية في السودان، حيث تبقى التحالفات قابلة لإعادة التشكل بسرعة، وفق تغير الظروف الأمنية والاقتصادية والسياسية.
الجيش فاعل مركزي في إعادة تشكيل الدولة السودانية
توضح الدراسة أنّ المؤسسة العسكرية في السودان لعبت دوراً محورياً في إعادة تشكيل الدولة خلال مختلف المراحل، سواء عبر الانقلابات أو عبر إدارة الفترات الانتقالية، وهو ما جعلها أحد أهم مراكز إنتاج القرار السياسي في البلاد.
هذا الدور لم يعد مقتصراً على المجال الأمني، بل امتد إلى التأثير في البنية الاقتصادية والإدارية للدولة، ممّا عزز من موقع الجيش كفاعل فوق حزبي في الظاهر، لكنّه منخرط بعمق في إدارة الصراع السياسي في الواقع.
وقد انعكس هذا التوسع في الدور العسكري بشكل مباشر على طبيعة العلاقة مع التيارات الإسلاموية، حيث لم تعد المواجهة بين طرفين سياسيين متكافئين، بل بين مؤسسة تمتلك أدوات الدولة الفعلية، وقوى سياسية تحاول إعادة بناء وجودها خارج هذه البنية.
وتشير الدراسة إلى أنّ هذا الوضع أدى إلى إعادة تعريف مفهوم الدولة في السودان، حيث أصبح الجيش جزءاً مركزياً في بنية الحكم، وليس مجرد ضامن خارجي لها.
التيارات الإسلاموية بين التكيف وإعادة التموضع
تلفت الدراسة إلى أنّ التيارات الإسلاموية في السودان لم تختفِ من المشهد السياسي رغم التغيرات العميقة، بل دخلت في مرحلة إعادة تشكيل داخلية معقدة، جمعت بين التكيف مع الواقع الجديد ومحاولة الحفاظ على الامتداد الاجتماعي والسياسي.
فبعض هذه التيارات اتجه إلى إعادة صياغة خطابه السياسي بما يتناسب مع البيئة الانتقالية، بينما لجأت أطراف أخرى إلى العمل خارج المؤسسات الرسمية مع الحفاظ على نفوذها الاجتماعي. هذا التباين يعكس تحولاً في بنية الإسلاموية نفسها داخل السودان من تنظيم مركزي إلى شبكات متعددة الاتجاهات.
وتشير الدراسة إلى أنّ هذا التحول لم يلغِ البُعد الإيديولوجي، لكنّه أعاد ترتيب أدواته، بحيث أصبح أكثر مرونة في التعامل مع الواقع السياسي المتغير.
كما أنّ هذا الوضع جعل العلاقة مع المؤسسة العسكرية أكثر تعقيداً، نظراً لغياب طرف إسلاموي موحد يمكن التعامل معه ككتلة واحدة.
نقاط التوتر البنيوية في الحالة السودانية
تحدد الدراسة عدداً من نقاط التوتر الأساسية التي تحكم العلاقة بين الجيش والتيارات الإسلاموية في السودان، أبرزها مسألة شرعية الحكم، وطبيعة الدولة المدنية، وحدود تدخل الجيش في السياسة، إضافة إلى ملف العدالة الانتقالية وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة.
هذه القضايا لا تمثل مجرد خلافات سياسية، بل تعكس صراعاً أعمق حول هوية الدولة السودانية نفسها، وكيفية إعادة بنائها بعد عقود من التحولات والانقلابات والصراعات الداخلية.
وتشير الدراسة إلى أنّ هذه الملفات تبقى مفتوحة وغير محسومة، ممّا يجعلها قابلة لإعادة الانفجار في أيّ لحظة، خصوصاً في ظل غياب تسوية سياسية شاملة تعيد تعريف العلاقة بين الفاعلين الرئيسيين في البلاد.
كما أنّ استمرار هذا الوضع يعكس هشاشة التوازنات القائمة، حيث تبقى الدولة في حالة إعادة تشكيل مستمر دون الوصول إلى صيغة مستقرة.
مستقبل العلاقة بين العسكر والإسلاميين في السودان
تخلص الدراسة إلى أنّ مستقبل العلاقة بين المؤسسة العسكرية والتيارات الإسلاموية في السودان ما يزال مفتوحاً على عدة مسارات متداخلة، لا يمكن فصلها عن السياق السياسي والاقتصادي والأمني العام في البلاد.
المسار الأول يتمثل في استمرار حالة التوازن الهش بين الطرفين، حيث لا يحدث قطيعة نهائية ولا عودة كاملة للشراكة، بل إدارة مستمرة للتوتر. أمّا المسار الثاني فيقوم على احتمال تصاعد الصراع في حال حدوث تغيرات حادة في موازين القوة داخل الدولة.
في حين يرتبط المسار الثالث بإعادة تشكيل أوسع لبنية الدولة السودانية بما يعيد تعريف أدوار الجيش والقوى السياسية، بما فيها التيارات الإسلاموية، ضمن إطار مؤسساتي جديد أكثر استقراراً.
وتشير الدراسة في مجملها إلى أنّ هذه السيناريوهات لا تتطور بشكل منفصل، بل تتداخل وتتقاطع، وأنّ مسارها النهائي سيظل مرهوناً بتوازنات داخلية وإقليمية معقدة، تجعل من السودان حالة مفتوحة على احتمالات متعددة في المستقبل القريب.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_10_1_1.jpeg.webp?itok=0RYjyFXI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_27_0_1.jpg.webp?itok=dPq_lroo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86_38_0_0.jpg.webp?itok=jLj-Bn1y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D8%A7%D8%B3%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85%D8%A9_0_0.jpg.webp?itok=L1S6eekS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D8%AC%D9%88%D9%85%20%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A_1_0_0_0_0_0_2_0.jpg.webp?itok=QX5P5snr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A%20996_0_3_3.jpg.webp?itok=lMfan2Bz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_21_3_0.jpg.webp?itok=zYqBzaKL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A72_5_0_2.jpg.webp?itok=YGUlqInh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%A7%D9%87%D8%B1_7_0_1_0_0.jpg.webp?itok=QNlhhKWY)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%84%D9%8A%D8%B4%D9%8A%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D8%AD%D8%A9_0_3_2_4.jpg.webp?itok=qRVy56IE)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_3.jpg.webp?itok=xVE89XIG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ZJ1m9LNTV-4FDGvzquwEV3srIpx4zIBNruDRcvcNfO1NMBTtSbigJu6RWhs2Ve3Lza4rhfA-_ZzFR0z0mlliFv2PzsjwVkuWBOlP893R3NAR7C3etNBzEXOdcrNy_uqsTiEXM0jH1BjwRexZVuSe0cWgs7D23OrjKjBAdUrxowfO58V2P61hPNFHrZ8EA9s7.jpg.webp?itok=qvWozWYE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/sBDCydvI1zOBZQidDOfpRQWqxkPOPcm-ol6OGc58PWIJwWgMqLATf3Kf_8ciWHNkrVsabwhqFTOO7vEoPI3BZrkWYpNmGLje0HZdLU9q5DaHPJOsx_qL35g5cjK-oHho8FJkYAtV_TAWwA5rsfBk_6UT0xZn0rgrGZComiZc1hJ49zNDQhY8wWSR-A4Yx6Ga.jpg.webp?itok=E89txo07)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1_3_1_3.jpg.webp?itok=KE0VCaW3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_3_1_7_2_0.jpg.webp?itok=KsUddOOW)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/hrmz_1_0_5_1.jpg.webp?itok=TKlST296)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D9%81%D9%88%D8%B1_3.jpg.webp?itok=wrsAg3D5)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/5YTmzoxRDC9d4MmYVdeZ-s961mAllXxIWexH58DYTH4Ca3CxJ6td92-OSRFfcrckM8hdtTRYBcBBT4-tCjfiME-tN5gPkmrXuI1OqpSZ0LPQ8PFVl4jcBbjYdjDU-Qr27B7zbOY2bLjYpebK6gUD8qkAbEZtt6C33eqQHvE46uuyhlw75mD0pHUEeP-wPT7W.jpg.webp?itok=I39PCZfU)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_17.png.webp?itok=d_X72sea)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)