
"يللا نقلوظ العمة على موضة ونستحما
بصفيحة كالونيا
ونسافر على أوروپا نتفرج ع الدنيا
دنيا دنيا دنيا .. ترلم ترلم ترلم".
"من أغنية الشيخ فقاعة للشيخ سيد درويش".
غالباً ما تروج في الأوساط الشعبية صورة رجل الدين المازح خفيف الظل؛ ذلك الذي يتميز بحسه الساخر وقدرته الفائقة على التقاط المفارقة وتحويلها إلى مزحة ذكية. وعادة ما يبرز هذا النموذج في صفوف طلاب العلوم الدينية والكهنة الشباب، الذين يسعون لتخفيف وطأة المعرفة الدينية الجامدة وصرامتها عبر تحويلها إلى مادة للتنكيت، وصياغة الأشعار الهزلية، بل محاكاة النصوص الفقهية بكتابات ساخرة تعيد إنتاجها على نحو هزلي. هذه الظاهرة لا تبدو عفوية ومعزولة، بل هي ممارسة مألوفة في سياقات دينية متنوعة، تمتد جذورها عميقاً في التاريخ. ففي أطروحته الشهيرة للدكتوراه، "رابليه والثقافة الشعبية في العصور الوسطى وإبّان عصر النهضة"، أفرد المُنظر الروسي ميخائيل باختين مساحات واسعة لتحليل ما سمّاه "ثقافة الضحك الشعبية"، دارساً بعمق هذه الفئة تحديداً، ومبرزاً كيف كانوا يمثلون الجانب الهزلي والديناميكي النابض بالحياة داخل المؤسسة الدينية وخارجها، وكيف نجحوا في تحويل الطقوس الرسمية الجادة إلى طقوس ساخرة وموازية عبر بهجة الاحتفالات الشعبية وصخبها.
التحرر المؤقت من المطلق: المحاكاة الساخرة ووظيفتها الإنسانية
يوضح باختين في أطروحته أنّ طلاب اللاهوت والكهنة الصغار في العصور الوسطى لم يكونوا منفصلين عن ثقافة الشارع الشعبية، بل شكلوا حلقة الوصل الحيوية بين الثقافة النخبوية المكتوبة باللاتينية والثقافة الشفهية الشعبية. ومن هذا المزيج أنتجوا أدباً ساخراً يُحاكي الطقوس الدينية بدقة متناهية، ولكن بغرض التهكم وإشاعة الضحك. فإلى جانب الكرنفالات الصاخبة، كان هناك "عيد الحمقى" و"عيد الحمار"، وكان هناك ضحك "عيد الفصح" الحر الساخر، حيث شكل رجال الدين الصغار وطلاب اللاهوت والرهبان تنظيماتهم الهزلية الخاصة، ليمارسوا من خلالها محاكاة ساخرة لكل الطقوس الرسمية والتراتبيات الكنسية الصارمة.
ويرى باختين أنّ هذه الأعياد لم تكن مجرد نوبات مجون عابرة، بل كانت مقلوباً شعبياً بامتياز، يُعيد قراءة الوجود والمقدس من أسفل، أي من المنظور المادي والجسدي، بدلاً من المنظور الأعلى الصارم؛ ففي "عيد الحمار"، على سبيل المثال، كان يقاد حمار حقيقي إلى قلب الكنيسة ويُقام له قداس كامل، وبدلاً من ترديد الأدعية اللاتينية الوقورة، كان المصلون وطلاب اللاهوت ينهقون جماعياً، في طقس صاخب يشهد تعيين "أسقف للحمقى" أو "بابا للمجون". وفي هذه المسرحة الرمزية الماجنة لكل ما هو ديني، كان الكهنة يرتدون ثيابهم مقلوبة، ويقرؤون الصلوات من نهايتها إلى بدايتها، أو يمسكون بالكتب الدينية مقلوبة رأساً على عقب. إنّ عيد الحمار هنا يمثل ذروة المقلوب الشعبي، إذ يتحول الحمار، الذي حمل المسيح في الرواية المقدسة، إلى مركز للإجلال الهزلي، وينقلب القداس الإلهي إلى جوقة جماعية من النهيق. غير أنّ هذا الضحك في جوهره، لم يكن نفياً للمقدس في ذاته، بل كان نقداً حاداً لـسلطة احتكاره واستغلاله المؤسسي، عبر سحبه من التجريد النظري الجاف، وإعادته إلى صخب الحياة اليومية بكل ما فيها من سمو وانحطاط.
لم يقتصر الأمر على الطقوس الحركية والجسدية فحسب، بل امتد ليشمل "الأدب الساخر الموازي" الذي برع فيه طلاب اللاهوت، حيث صنفوا صلوات هزلية عرفت بأسماء مثل "قداس السكارى" أو "إنجيل الفضة". وكان هذا النوع من المحاكاة الساخرة للمقدس جنساً أدبياً معترفاً به وشائعاً في العصور الوسطى، صاغوا فيه صيغاً تهكمية لصلوات الاعتراف والقداس والتراتيل، يستبدل فيها اسم الجلالة بالخمر أو بملذات البطن. ولم يكن هذا الأدب يمثل هرطقة سرية أو خروجاً عن الملة، بل كان بمثابة تفريغ مشروع ومؤقت لضغط الجِدية الكنسية الخانقة. وتكمن أهمية هذا التنفيس في قدرته على منح الإنسان تحرراً مؤقتاً من الحقيقة السائدة والتراتبية القائمة، ليرسخ منطق النسبيّة في مواجهة المطلق، ويهدم الاحتكار الكامل للحقيقة الذي تمارسه المؤسسة الرسمية. بذلك، منح هذا الهزل إنسان العصور الوسطى ثنائية مدهشة للوجود: حياة رسمية مكبلة بالخوف والتقوى والتراتبية الجامدة، وحياة هزلية مرحة موازية، تقوم على الحرية والمساواة والضحك.
ومن أروقة الأزهر أيضاً: ديناميكية المجاورين والاحتجاج الساخر
ثمة تناظر سياقي لافت وقواسم تاريخية مشتركة بين ما رصده باختين عن ثقافة طلاب اللاهوت في أوروبا، وبين مجتمع 'المجاورين' من طلاب الأزهر وصغار المشايخ والفقهاء في مصر، وتحديداً في العصرين المملوكي والعثماني. ورغم غياب البنية الكنسية المركزية في العالم الإسلامي السنّي، إلا أنّ مجتمع الأزهر قديماً لم يكن مجرد قاعات درس وقورة وصارمة، بل كان طلابه، خاصة المغتربين والفقراء القاطنين في "الأروقة"، يمثلون فئة اجتماعية حيوية تجمع بين تلقي العلوم الدينية والانغماس الكامل في ثقافة الشارع ومساخره وهزلياته، ممّا جعلهم يبرعون في صناعة طقوس ساخرة تحاكي المؤسسة الرسمية وتتهكم عليها، متخذة من السخرية والتمرد المنظم أدوات احتجاجية مبتكرة ضد الظلم، أو تعنت الإدارة، أو نقص "الجراية" ورواتب الخبز والطعام، ممّا يجبر السلطة السياسية والدينية على الهبوط من بروجها العاجية والاستماع لمطالب الطبقات المطحونة؛ وأثبتت هذه الديناميكية أنّ "الوقار الأزهري" كان مشروطاً بالعدالة، فإذا جاع الطلاب تحول الوقار إلى هجاء لا يرحم.
رابليه والشربيني: لقاء العمامة والزي الكهنوتي الفرنسي الساخر
وإذا كانت تلك الروح الهزلية والقدرة على الضحك من العالم والاحتفاء المبالغ فيه (الجروتسكي) بكل الوجود الإنساني قد تجسدت غرباً في فرانسوا رابليه، اللاهوتي السابق والطبيب والمهرج والروائي، فإنّ هناك مصنفاً عربياً يمثل روحه وتنطبق عليه أطروحة ميخائيل باختين التي درست أعمال رابليه، هو كتاب "هزّ القحوف في شرح قصيدة أبي شادوف" للشيخ يوسف بن محمد الشربيني في أواخر القرن السابع عشر. فالشربيني، الفقيه الأزهري، صنع في هذا الكتاب أكبر عملية "محاكاة ساخرة" في تاريخ الأدب العربي، حيث اتخذ من قصيدة ركيكة عامية لشاعر ريفي مختلق يدعى "أبو شادوف" متناً، وقام بشرحها مستخدماً أدوات الشرح الأزهري الجاد من إعراب وبلاغة وفقه وعلم كلام، ليشرح بها النكات، ووصفاً لروث الماشية، وطباع الفلاحين والفقراء الجياع، ليصبح كتابه هو "المقلوب الشعبي" الكامل لثقافة المتون والشروح، سحباً للفقه والدين من تعاليهما النظري إلى "الجسد المادي السفلي" المتمثل في الطعام والجنس والطين، تماماً كما حدد باختين في تحليله للكرنفال.
وقد يبدو الجمع بين راهب فرنسي من القرن السادس عشر وعالم أزهري مصري من القرن السابع عشر ضرباً من الشطح الأدبي أو المفارقة التاريخية المتكلفة، غير أنّ التأمل العميق في مسيرتي رابليه والشربيني يكشف عن لقاء مذهل في جوهر الإنسانية المتفجرة صخباً وسخرية. فالرجلان، رغم تباين عوالمهما الثقافية والجغرافية. اشتركا في صفة دينية وثيقة، وعاشا في كنف مؤسسات روحية ومعرفية كبرى، لكنّهما ضاقا ذرعاً بالتعنت الديني والجمود الفكري ونفاق القائمين على حراسة النصوص، فقررا خلع عباءة الوقار التقليدي والنزول إلى صخب الشارع وحيويتة، ليعيدا صياغة المقدس لا عبر المتون المغلقة، بل من خلال الضحكة الشعبية الصاخبة وفلسفة الجسد والبهجة. وبينما تنقل رابليه بين أديرة الفرنسيسكان والبندكتيين لتصطدم روحه الإنسانوية الحية بجدران اللاهوت السكولاستي العقيم الذي كانت تحرسه جامعة السوربون بتزمت شديد، كان الشيخ يوسف الشربيني يعيش في مصر تحت الحكم العثماني، حيث أصاب الركود الحقول المعرفية، وتحول الفقه في أيدي أدعياء العلم إلى قشور وشكليات تعنى بطول الحاشية و"قلوظة" العمامة، بينما تفشى الجهل والخرافة بين العامة برعاية متصوفة مزيفين يقتاتون على مآسي الناس؛ ومن هنا ولدت عند العالمين رغبة شديدة في الانقلاب على هذا الركود، ولم يجد أيّ منهما حرجاً في استخدام لغة شعبية، ساخرة مرحة، وصادمة أحياناً، لكسر هيبة تلك المؤسسات المتسلطة وتعرية زيفها.
بين الاستعلاء الطبقي والواقعية الجروتسكية العفوية
ولم تكن هذه السخرية اللاذعة نابعة من جهل بالدين أو خفة في المعتقد، بل كانت على العكس تماماً ثمرة تمكن معرفي هائل سمح لهما بالتعمق في الخطاب الرسمي وهضمه ثم السخرية منه. فرابليه لم يكن متبحراً في اللاهوت فحسب، بل كان طبيباً تشريحياً وضليعاً في العلوم الإنسانية لعصر النهضة، ومن ثم فإنّ حديثه المستفيض في رواياته عن العمالقة كـ "جارجانتوا وبانتاجرويل"، ومبالغاته الجروتسكية في تفاصيل الأكل والشرب والتغوط، لم تكن مجرد نكات فجة، بل كانت احتفاءً علمياً وفلسفياً بالجسد البشري كحقيقة حية مبهجة، وتمرداً على فكرة "الدنس الكنسي" التي قمعت الإنسان لقرون. وعلى النحو ذاته، تجلت عبقرية الشيخ الشربيني في كتابه "هز القحوف"، حيث تعمد أخذ قصيدة عامية لفلاح ريفي، وأخضعها لأدوات الشرح الفقهي واللغوي الصارم مستخدماً صيغ المتن والحاشية والاعتراض، ليصنع محاكاة تهكمية بارعة تسخر من آلية التعليم العقيمة التي انشغل بها علماء عصره وتخلوا بها عن هموم مجتمعهم.
إنّ هذا الأسلوب الهزلي/الجاد جعل من مؤلفاتهما قراءات اجتماعية وسياسية بالغة الحساسية، فلم ينعزل أيّ منهما في صومعته العاجية. وبينما كان رابليه يبشر بفلسفة البهجة والرضا الإنساني، وهنا تكمن المفارقة السوسيو/ثقافية؛ فإنّ الشربيني لم يصدر عن وعي احتجاجي مناصر للفلاحين، بل انطلق من مركزية مدينية أزهرية تستعلي معرفياً على الريف. إلا أنّ عبقريته الأسلوبية تمثلت في اختراق هذا الحجاب الطبقي عبر تبنّي 'الواقعية الجروتسكية' كأداة نقدية؛ حيث أصبحت أدواته الساخرة، من حيث لا يقصد، وثيقة تدين منظومة الجباية والظلم العثماني التي سحقت الفلاح المصري في تلك الحقبة. وهكذا يلتقي الراهب المتمرد على كنيسته، والشيخ الناقد لعالمه، في مساحة المحاكاة الساخرة، لا هرباً من حقيقة الإيمان، بل نقداً هزلياً للقوالب التي تحرسه.
الأدب الساخر كأداة لتعرية الأدعياء وسدنة الجهل
يتجلى هذا التقارب الفني في لجوء كلا الرجلين إلى المحاكاة الساخرة "بارودي" للغة العلمية الرسمية؛ حيث يفكك رابليه لاهوت السوربون العقيم، في حين يوجه الشربيني أدوات الشرح والتحشية الفقهية نحو موضوعات ريفية يومية معتادة. وتتمدد هذه النزعة النقدية لتشمل الاحتفاء الهزلي بالأحشاء والمبالغة في تصوير الطعام والشراب؛ حيث يرى رابليه أنّ البهجة والأكل الصاخب هما السلاح الأول ضد كبت الكنيسة وتزمت الرهبان الذين يحرمون الجسد من متعه بدعوى القداسة، واصفاً ولادة البطل بانتاجرويل، وسط فيضان من المرق واللحم والطعام، بأنّه عندما ولد كان ضخماً لدرجة أنّ أمه ماتت من مخاضه، وفي ذلك اليوم خرجت من الأرض ينابيع من المرق الساخن، وولدت مئات الآلاف من الخراف المحشوة، وتساقطت من السماء أمطار من النقانق والخمور، في يوم كرنفالي غير مسبوق صرخ فيه الجميع بأن اشربوا واشربوا، لأنّ الضحك والبهجة هما ميثاق الإنسان الحر الذي لا يعرف الخوف من أصنام الكنيسة المظلمة. وبالروح الفكهة ذاتها يستخدم الشربيني الطعام الريفي الغليظ كأداة تهكمية، فيشرح ولع الفلاحين بالكشك والبصارة والجبن المش، لكنّه يقلب الطاولة فجأة ليسخر من بطون الفقهاء وأدعياء التصوف الذين يلتهمون أموال الناس بالباطل باسم الدين، كاتباً أنّه إذا رأى الفلاح الكشك فارق عقله، وظن أنّه وقع على مائدة من موائد الجنة، وتراه يغرف بكفه كالحوت المنهمك، ويمضغ كالمطحنة الدائرة، ولا يستقر له قرار حتى يمسح قاع القصعة بلسانه، ثم يربط هذا المشهد مباشرة بطائفة من فقهاء السوء والفقراء المزيفين الذين إذا حضروا وليمة أو سماطاً، نسوا الورع والتقوى، وتكالبوا على الطعام تكالب الذئاب على الغنم، فصارت بطونهم هي قبلتهم، وجوعهم هو ديدنهم، وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً.
ومن الاحتفاء بمخيلة البطون والنهم، ينتقل الكاتبان الساخران مباشرة إلى تعرية نفاق رجال الدين وأدعياء القداسة؛ فيهاجم رابليه الرهبان دون مواربة، مستخدماً لغة تهكمية تكشف جهلهم بالقيمة الحقيقية للإيمان، وتحولهم إلى عالة على المجتمع. ويعلن في ثنايا نصوصه الروائية أنّ الراهب في ديرهم لا يحرث الأرض، ولا يدافع عن الوطن، ولا يشفي مريضاً، ولا يُعلم جاهلاً، بل هو فقط يكرر صلوات لا يفهم كنه لغتها اللاتينية، ويقلق راحة الجيران بصوت أجراسه، ويلتهم خطايا الناس ويقتات عليها، تشبيهاً له بالقرد الذي يفسد كل مكان يحل به، مؤكداً أنّ هؤلاء يمثلون سدنة الجهل الذين يخشون نور العقل والضحك لأنّه ينهي سلطتهم وتأثيرهم.
وعلى الجانب الآخر، يوجه الشيخ الشربيني سهام نقده بذكاء شديد نحو المشايخ المزيفين وأدعياء الولاية والتصوف في الريف المصري، الذين يستغلون فقر الناس وجهلهم لكسب الأموال بالدجل؛ فاضحاً تلك الطائفة التي تتسم بالصلاح الخارجي، وتلبس الخرق والمرقعات، لتوهم العامة بأنّهم من أهل الخطوة وأرباب الكشوفات. حيث يهمهم أحدهم بكلمات غير مفهومة، ويأتي بأفعال وهيئات مجنونة، والناس يمسحون ثيابه للتبرك، بينما تكشف حقيقته عن شَرَهٍ واحتيال لطلب السحت، وأكل أموال الأرامل والأيتام بالباطل، والهروب من إقامة الصلاة والعبادة الصحيحة بحجة أنّه واصل إلى الحقيقة، وأنّ الشريعة عنده مجرد قشور، ليختم الشربيني موقفه بتقبيح جهل هؤلاء الأدعياء وتقبيح جهل من يتبعهم وينساق وراء زيفهم.
ماذا لو كان باختين قد عثر على كتاب "هز القحوف"؟
أمام هذا التدفق التهكمي المشترك يبرز تساؤل نقدي حول المدى الإجرائي لنظرية ميخائيل باختين؛ إذ يبدو كتاب "هز القحوف" نموذجا مثالياً خارج القارة الأوروبية لتطبيق أطروحة "ثقافة الضحك الشعبية". فلو أُخضع كتاب الشيخ الأزهري للتحليل الباختيني، لتبدّى كأحد التجليات النقية للمحاكاة المرحة للمقدس والربط الصارم بين المتون والجسد. إنّ هذا التناظر يكشف أنّ الفعاليات الهزلية التي عثر عليها باختين في حارات فرنسا في القرن السادس عشر، كانت مماثلة لما كان يحدث في ريف مصر وحاراتها بعد قرن من الزمان؛ ففي تحليله لرابليه، ركز المُنظر الروسي على كيف هدم الراهب الفرنسي وقار اللاهوت السكولاستي بجعل العمالقة يتبولون فوق باريس، ولو قرأ الشربيني، لدهش كيف يمكن لعمامة أزهرية أن تمارس اللعبة ذاتها بوعي مذهل، حيث استعار الشربيني أدوات الشرح الفقهي واللغوي المقدسة من متن وشرح وحاشية وتوجيه نحوي إعرابي، ليطبقها حرفياً على قمل الفلاحين، وجبنهم المش، وبصارتهم، وأجسادهم غير المغسولة. وهذا التوظيف الحرفي لأدوات الشرح الفقهية يمثل تطبيقاً عربياً مبكراً لآليات الواقعية الجروتسكية، حيث يمتزج الأعلى بالأدنى للتندر من سلطة الخطاب الرسمي، فيُنزل المقدس من عليائه ليمتزج بتراب الأرض وأحشاء البشر، لا بغرض تدنيسه أو الحط منه، بل لإعادة الحيوية والخصوبة والتدفق إليه بعد أن جفّفته قوالب المؤسسة الرسمية الصارمة.
غير أنّ باختين كان سيقف ملياً عند مفهوم "تعدد الأصوات" والحوارية في النص؛ فـ "هز القحوف" معركة لغوية بين الفلاح أبي شادوف بلغته المسحوقة، وبين الشارح الأزهري الذي يتحدث بلسان النخبة الفقهية. ورغم أنّ صوت الشربيني يظل مهيمناً وطامساً أحياناً لصوت الفلاح الحقيقي، إلا أنّ لغة الحياة اليومية تفرض شروطها الحيوية على الفصحى المقَعّرة المهجورة. لو كان باختين بيننا اليوم، لرأى أنّ الشيخ الشربيني لم يكن يكتب مجرد مصنف عابر للتسلية وإزجاء الوقت، بل كان يقدم خطاباً نقدياً جاداً يتوسل بالهزل الصاخب؛ إنّه نص شجاع يستخدم الضحك كأداة مزدوجة لزعزعة اليقين الأجوف، وهدم ركائز الجمود المؤسسي والاجتماعي، وإعادة التذكير بصلة الإنسان المباشرة ببيئته ودينه، بعيداً كل البُعد عن زيف العباءات والعمائم الجوفاء والجافة.










![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_2_0.jpg.webp?itok=Mf-zyZxn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/88888_1_0.jpg.webp?itok=z8gvC3RS)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A8%D9%8A%D8%A8%D8%A9_2_0_1_4_0_0_2_1_0.jpg.webp?itok=JUavmW24)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Capture_187.png.webp?itok=cUgosDEz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_7_0_0.jpg.webp?itok=Dz8R7P8M)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/aadbeb50-0699-4359-8d4e-8951106bf7e5.jpg.webp?itok=wnuQsws2)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8%20_2.jpg.webp?itok=AnV0Unc7)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)