الدعاء على أمريكا والغرب

الدعاء على أمريكا والغرب

الدعاء على أمريكا والغرب


15/06/2026

تمثل ظاهرة "الدعاء على أمريكا والغرب" في الفضاءات العامة والمنابر الدينية والسياسية تجلياً عميقاً لأزمة "الوعي الحضاري" المعاصر، حيث يتحول الفعل التعبدي من سياقه الروحي الفردي إلى أداة تعبئة إيديولوجية تُستخدم لرسم حدود فاصلة بين "الأنا" و"الآخر" المتخيل. إنّ هذا الخطاب، الذي يتخذ من اللعن والدعاء بالثَّبور والهلاك مادة له، لا يمكن فصله عن سياق الفجوة العميقة بين "الشعار" و"الممارسة" التي تعيشها النخب المروجة له، إذ يتحول هذا النوع من الخطاب إلى "مخدر وجداني" يهدف إلى صرف الأنظار عن الإخفاقات البنيوية والداخلية في بناء نموذج تنموي أو قيمي منافس. 

إنّ استحضار "الغرب" كشيطان مطلق في الأدعية السياسية، بينما يتم التهافت على منجزاته العلمية والطبية، والهرع لضمان مستقبل "أبناء النخبة" في جامعاته ومدنه، يعكس حالة من "الانفصام القيمي" التي تُفقد الخطاب الديني صدقيته الأخلاقية وتجعله مجرد وسيلة للهيمنة والتحشيد العاطفي. من منظور "التواصل الحضاري"، يكرس هذا الدعاء ثقافة "العداء الجوهري" بدلاً من "النقد المعرفي"؛ فبينما يحتاج العقل المسلم إلى ممارسة "قراءة داخلية" نقدية لتراثه وواقعه، يجد في "خطاب اللعن" مخرجاً سهلاً يلقي بتبعات التخلف والضعف على مشجب "المؤامرة الخارجية" المتمثلة في الغرب. إنّ تكرار هذه الأدعية في المناسبات الرسمية والجمعة يُنشئ جيلاً يعاني من "ازدواجية الولاء"؛ فهو يدعو على الغرب بالزوال في المسجد، ويسعى للحصول على تأشيرة دخول إليه في اليوم التالي، ممّا يولد شعوراً بالهزيمة النفسية أمام تفوق "العدو" الذي نرجو هلاكه بينما نعتمد عليه في تفاصيل حياتنا اليومية، من الدواء إلى منصات التواصل الرقمي. علاوة على ذلك، فإنّ هذا المنزع الصدامي في الخطاب يتجاهل التعقيدات الإنسانية والمنجزات الكونية التي قدّمتها الحضارة الغربية للبشرية، ويختزل شعوباً وأمماً في صورة نمطية واحدة، ممّا يجهض أيّ محاولة جادة لبناء "حوار حضاري" يستند إلى القيم الإنسانية المشتركة. إنّ الخطورة الحقيقية لهذا النهج تكمن في تحويل "الدين" من رسالة عالمية تدعو إلى التعارف والرحمة إلى "إيديولوجيا انغلاقية" تقتات على الكراهية، وهو ما يخدم في نهاية المطاف القوى المتطرفة على الجانبين، حيث يجد اليمين المتطرف في الغرب في هذه الأدعية مبرراً لـ "الإسلاموفوبيا"، ويجد المتشددون في الشرق فيها وسيلة لاستدامة سلطتهم عبر صناعة "عدو دائم". لذا، فإنّ الانتقال من "عقلية اللعن" إلى "منطق المنافسة الحضارية" يتطلب شجاعة معرفية لإعادة تعريف العلاقة مع الغرب، ليس ككتلة صماء معادية، بل كشريك في الوجود الإنساني وكفضاء لتبادل الأفكار والخبرات. إنّ ما تحتاجه المجتمعات اليوم ليس "دعاء الاستئصال" الذي لا يغير من موازين القوى شيئاً، بل "دعاء العمل" والاجتهاد المعرفي الذي يعيد بناء الذات من الداخل، ويجعل من الهوية الإسلامية عنصراً فاعلاً في المشهد العالمي، قادراً على النقد دون تشنج، وعلى الانفتاح دون ذوبان، بعيداً عن "استعراضات الحناجر" التي ترفع شعارات الموت للآخرين بينما يتسلل أبناؤها للعيش في كنفهم بحثاً عن حياة أفضل. إنّ الصدق مع الذات يقتضي الاعتراف بأنّ القوة الحقيقية لا تأتي من "تمنّي هلاك الآخر"، بل من "امتلاك أسباب البقاء" والنمو والازدهار التي تجعل من الأمة رقماً صعباً في معادلة الحضارة الإنسانية المعاصرة، وتخرجها من دائرة "المفعول به" تاريخياً إلى دائرة "الفاعل" أخلاقياً ومعرفياً.

إنّ هذا الامتداد في الخطاب الصدامي يجرنا بالضرورة إلى تحليل مفهوم "السيادة" في الوجدان الشعبي؛ فالدعاء على الغرب بالزوال ليس مجرد كلمات عابرة، بل هو محاولة بائسة لاستعادة كرامة جريح عبر "المتخيل الغيبي" بعد العجز عن تحقيقها في "الواقع المادي". وهذه المفارقة تزداد حدة عندما ندرك أنّ "الغرب" الذي يُدعى عليه في المحاريب، هو نفسه الوجهة التي تقصدها العقول المبدعة من أبناء هذه المجتمعات، ممّا يجعل من هذا الفعل تعبيراً عن "عقدة نقص" حضارية أكثر من كونه موقفاً عقدياً صلباً. إنّ الشعوب التي تكتفي بالدعاء على خصومها دون امتلاك أدوات القوة المعرفية والاقتصادية، تظل حبيسة "سجن التاريخ"، حيث يتحول العداء للآخر إلى "هوية بديلة" تقتات على الكراهية بدلاً من البناء.

علاوة على ذلك، فإنّ "خطاب اللعن" يمنح الأنظمة الشمولية والدوائر المتشددة صك غفران دائم؛ فكل إخفاق في التعليم، أو تردٍ في الصحة، أو فساد في الإدارة، يتم تبريره بوصفه "ضريبة" لمواجهة ذلك العدو المتربص. وهكذا، يصبح الدعاء جزءاً من منظومة "التجهيل الممنهج" التي تمنع الفرد من المساءلة السياسية، وتوجه غضبه نحو الخارج بدلاً من إصلاح الداخل. إنّ البديل الحضاري الحقيقي لا يبدأ من الحناجر المحتقنة بالعداء، بل من العقول المنفتحة على "المشترك الإنساني"، تلك التي تفهم أنّ القوة تكمن في "النموذج" لا في "الشعار". فالغرب لم يسد العالم بقوة السلاح فحسب، بل بقوة المؤسسات، والبحث العلمي، واحترام الوقت، وهي قيم لا يمكن مواجهتها بالدعاء، بل بتبنيها وتجاوزها في مضمار التدافع الحضاري السلمي. إنّ إعادة الاعتبار لمفهوم "التعارف" القرآني بدلاً من "التصادم" هي المدخل الوحيد لكسر هذه الحلقة المفرغة من الازدواجية، وتحويل الطاقة المهدرة في "تمنّي الدمار" إلى إرادة صلبة لبناء الذات وتشييد صروح المعرفة التي تجبر العالم على احترامنا، لا الشفقة على تناقضاتنا.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية