التصعيد مستمر والتغطية غائبة: سكان غزة بين نار الواقع وصمت الشاشات

التصعيد مستمر والتغطية غائبة: سكان غزة بين نار الواقع وصمت الشاشات

التصعيد مستمر والتغطية غائبة: سكان غزة بين نار الواقع وصمت الشاشات


كاتب ومترجم فلسطيني‎
08/06/2026

في وقت تتجه فيه أنظار وسائل الإعلام العربية والدولية نحو التوترات المتصاعدة المرتبطة بإيران، يشعر سكان قطاع غزة بقلق متزايد من تراجع حضور قضيتهم على الشاشات العربية، رغم استمرار التصعيد الإسرائيلي، وخاصة عمليات الاغتيال التي عادت لتتصدر المشهد الميداني داخل القطاع.

ومنذ بدء الحرب الإسرائيلية الأمريكية الإيرانية، يصعد الاحتلال الإسرائيلي من عمليات القصف والاغتيال في قطاع غزة، حيث لا يمضى يوم إلا وينفذ الاحتلال عمليات اغتيال لشخصيات في المقاومة أو عناصر الأمن والشرطة التابعين لحماس، هذا التصعيد الخطير بات يجري بصمت وبعيداً عن شاشات الأخبار العربية ، خاصة أنّ الشاشات المحلية لم تعد تبث، بعد أن دمر الاحتلال المقرات وقتل عدداً من الإعلاميين، وحتى الإذاعات المحلية لم تعد تبث، وهو ما يشكل هاجساً لدى سكان قطاع غزة من عزلهم عن العالم الخارجي.

وتشهد التغطية الإعلامية العربية تحولاً ملحوظاً، فقد تراجعت أخبار قطاع غزة من صدارة المشهد، رغم استمرار التصعيد الإسرائيلي وتفاقم الأوضاع الإنسانية، وهذا التراجع لا يعكس هدوءاً على الأرض، بل يكشف عن تحول في أولويات التغطية، فرضته طبيعة الأحداث المتسارعة في المنطقة.

بالنسبة إلى سكان غزة، فإنّ هذا التحول يعني أنّ معاناتهم اليومية لم تعد في دائرة الضوء كما كانت في فترات سابقة، وهو ما يثير مخاوف من أن تمر التطورات الخطيرة دون رقابة إعلامية كافية، في حين تحولت التغطية الإخبارية بشكل ملحوظ نحو تحليل احتمالات المواجهة الواسعة، وانعكاساتها على المنطقة والعالم، هذا التحول استحوذ على المساحات الكبرى في نشرات الأخبار والبرامج السياسية، وهو ما أدى إلى تراجع واضح في متابعة ما يجري في غزة.

ويرى مراقبون أنّ استمرار الأزمة في غزة لفترات طويلة جعلها خبراً معتاداً في نظر بعض وسائل الإعلام، بعكس التصعيد المفاجئ المرتبط بإيران، الذي يجذب اهتماماً أكبر، حيث تحظى الصراعات ذات الطابع الإقليمي أو الدولي بتغطية أوسع، بينما تتراجع القضايا المزمنة حتى لو كانت أكثر إلحاحاً إنسانياً.

بدوره يقول الكاتب والمحلل السياسي د. جهاد ملكة: "الإعلام بطبعه يلهث وراء الانفجارات الكبرى والتهديدات الوجودية، التي قد تشعل حرباً عالمية، كما أنّ تعدد الجبهات ودخول أطراف إقليمية كبرى من إيران وأمريكا في مواجهة مباشرة، يؤدي إلى ما يُسمّى بسياسة إزاحة الأولويات، وهذا ما يحصل من أحداث على الساحة الفلسطينية، وبالتحديد ما يجري في غزة من غياب للتغطية".

ولفت في حديثه لـ (حفريات) إلى أنّ "الروتين الدموي من المجازر اليومية في غزة، جعل مشهد المجازر خبراً اعتيادياً في غرف الأخبار، ما لم ترتبط بتطور سياسي أو عسكري مفصلي، وهو ما يعرف بالتطبيع مع الإبادة إعلامياً، كما أنّ غياب الحدث الغزاوي عن الشاشات يمنح حكومة نتنياهو وقتاً إضافياً لتحقيق النصر الحاسم الذي ينشده نتنياهو، والذي يعجز عن تحقيقه تحت الأضواء".

وبيّن أنّ "هذه الحرب هي سيف ذو حدين بالنسبة إلى غزة، وهناك سيناريوهات متوقعة وهي أوّلاً، سيناريو التهميش، وهو أن تترك غزة جبهة منسية تتم تصفية حساباتها بعيداً عن الأضواء، بحيث تفرض عليها ترتيبات أمنية كأمر واقع، بينما العالم منشغل بالصواريخ الباليستية بين طهران وتل أبيب، ثانياً سيناريو الربط، أن يصبح حل قضية غزة هو المفتاح الوحيد لوقف الحريق الإقليمي". 

وبسؤاله إن كان غياب التغطية يعطي لإسرائيل الفرصة في التصعيد أجاب: "إسرائيل تجيد اللعب في المناطق الرمادية، وبعيداً عن الكاميرات والاستفراد بالميدان، والصمت الإعلامي هو الغطاء المثالي لتنفيذ عمليات التطهير العرقي أو قضم الأراضي، فالعالم الذي يشاهد مدناً كبرى تهاجم وتحترق، لن يلتفت كثيراً لهدم مربع سكني في مخيم جباليا أو حي الزيتون".

في سياق ذلك يقول الكاتب والمختص في الشأن الإسرائيلي شريف السيد: في "ظل تصاعد التوتر المرتبط بإيران، سواء عبر مواجهات مباشرة أو عبر ساحات نفوذ متعددة في المنطقة، اتجهت القنوات الإخبارية إلى تكثيف تغطيتها لهذه التطورات، نظراً لتأثيرها الواسع على الأمن الإقليمي والدولي، باختلاف ما يجري في غزة".

ويشير في حديثه لـ (حفريات) إلى أنّ "الواقع في قطاع غزة يشهد تصعيداً إسرائيلياً متواصلاً، يتمثل في غارات جوية متكررة واستهداف مناطق سكنية وبنية تحتية، وتشديد الحصار وإغلاق المعابر وتصاعد الأزمات الإنسانية، لكنّ غياب التغطية المكثفة، جعل هذه الأحداث تمر دون الزخم الإعلامي المعتاد، ممّا انعكس على مستوى التفاعل الشعبي والسياسي." 

ولفت إلى أنّ "الإعلام البديل يحاول سدّ الفجوة في مواجهة هذا التراجع، حيث برز دور وسائل التواصل الاجتماعي من الصحافة المستقلة والنشطاء الميدانيين، وقد عملت هذه المنصات على نقل ما يجري في غزة بشكل مباشر، في محاولة للحفاظ على حضور القضية في الوعي العام رغم تراجع التغطية التقليدية، لكنّ هذه المنصات لم تغطّ المعاناة بالشكل المطلوب، مثلما يتم نقل المعاناة على الشاشات الإخبارية العالمية التي يشاهدها الملايين في كل لحظة."  

وأوضح أنّ "عمليات الاستهداف المتكررة للصحفيين في غزة وتدمير البنى التحتية، جعل نقل الصورة آنية وغاية في الصعوبة، مقارنة بجهات أخرى تتوفر فيها هوامش حركة أوسع لوسائل الإعلام العربية والدولية، في حين يزداد الخوف مع عودة عمليات الاغتيال مؤخراً دون تغطية عالمية."  

ويعيش سكان غزة واقعاً مزدوج القسوة، من تصعيد ميداني مستمر، وصمت إعلامي نسبي يزيد من شعورهم بالعزلة، في زمن تتحكم فيه الصورة في تشكيل الوعي العالمي، ويبقى السؤال الأهم بالنسبة إلى سكان غزة: "من ينقل ما يحدث عندما تنشغل الكاميرات في مكان آخر؟".



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية