
هاني سالم مسهور
حين وصلت المسيّرات إلى محطة براكة للطاقة النووية، لم يعد ممكناً التعامل مع ما جرى باعتباره حادثة أمنية طارئة داخل شرق أوسط اعتاد سياسات شدّ الحبال والحروب والدسائس الغادرة؛ ما حدث كان لحظةً سياسيةً كاشفةً وضعت الخليج العربي كله أمام سؤالٍ بالغ الخطورة يتعلق بطبيعة المرحلة المقبلة، وبالطريقة التي يجب أن تُقرأ بها التهديدات القادمة من بيئة الميليشيات المسلحة والمشروع الإيراني الذي أعاد طوال العقود الماضية تشكيل خرائط النفوذ في المنطقة عبر السلاح والوكلاء والتنظيمات العقائدية.
الهجوم على براكة لم يستهدف قاعدةً عسكرية أو موقعاً قتالياً؛ المستهدف هذه المرة كان مشروعاً مدنياً يمثل أحد أهم رموز التحول الخليجي والعربي نحو المستقبل والطاقة النظيفة والتكنولوجيا. ولهذا لم يكن غريباً أن يصف معالي الدكتور أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، ما جرى بأنه “تصعيدٌ خطير ومشهدٌ مظلم يخرق كافة القوانين والأعراف الدولية”، مؤكداً أن هذا الاستهداف يكشف طبيعة التحديات التي تواجهها المنطقة أمام قوى الفوضى والتخريب.
هذه ليست مجرد لغةٍ دبلوماسيةٍ غاضبة، وإنما تعريفٌ سياسيٌّ لطبيعة الصراع الحقيقي الذي يواجه الخليج اليوم؛ فالمشكلة لم تعد مرتبطةً فقط بالخلافات التقليدية بين الدول، وإنما بصعود نمطٍ كاملٍ من الفوضى المنظمة التي تستخدم الميليشيات والصواريخ والطائرات المسيّرة لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية بالقوة.
خلال الأسابيع التي أعقبت وقف إطلاق النار، تحركت دول الخليج العربي بعقل سياسيّ حذر؛ جرت اتصالاتٌ مباشرةٌ وغير مباشرة مع إيران، وظهرت محاولاتٌ متعددةٌ لخفض التوتر ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أميركية – إيرانية واسعة. بعض العواصم الخليجية تعاملت مع المشهد انطلاقاً من قناعةٍ بأن الشرق الأوسط وصل إلى مرحلة إنهاك خطيرة، وأن أي انفجار جديد قد يدفع المنطقة كلها إلى فوضى اقتصادية وأمنية طويلة.
هذا السلوك لم يكن ضعفاً، وإنما سلوكَ دولةٍ تعرف قيمة الاستقرار وأهمية الاقتصاد والطاقة والممرات البحرية والتجارة العالمية. غير أن المشكلة الكبرى تكمن في أن جزءاً من النخب السياسية والإعلامية العربية لا يزال يقرأ المشروع الإيراني بعقل الدولة التقليدية، بينما تتحرك طهران وفق عقيدة مختلفة تماما؛ عقيدة ترى النفوذ الخارجي جزءاً من الأمن القومي، وترى الميليشيات أداةً إستراتيجية مشروعة، وترى الفوضى داخل العالم العربي فرصةً جيوسياسيةً وليست أزمةً يجب إنهاؤها.
ولهذا لا يمكن قراءة استهداف براكة بعيداً عن المسار الإيراني الطويل منذ عام 1979؛ ففي ذلك العام لم تبدأ فقط الجمهورية الإسلامية في إيران، وإنما بدأ أيضاً عصر اختطاف المنطقة بالكامل. كان الخميني أول من دشّن منطق الرهائن في الشرق الأوسط حين جرى احتجاز الدبلوماسيين الأميركيين داخل السفارة الأميركية في طهران وتحويلهم إلى أداة ابتزاز سياسيّ أمام العالم كله، وفي العام نفسه ظهر جهيمان العتيبي ليختطف الحرم المكي ويحتجز المصلين والحجاج داخل أقدس مكان عند المسلمين.
لم يكن الحدثان منفصلين كما يظن البعض؛ كانا التعبير الأوضح عن ولادة عقل أيديولوجي جديد يرى الدولة عدوا، ويرى السلاح فوق المجتمع، ويرى الفوضى وسيلةً للوصول إلى السلطة. ومنذ تلك اللحظة بدأ الشرق الأوسط يدخل تدريجيا في مرحلة التنظيمات العقائدية العابرة للدولة، سواء تحت راية الإسلام السياسي السني أو تحت راية ولاية الفقيه الشيعية. الإخوان وولاية الفقيه يختلفان في الشكل المذهبي، لكنهما ينبعثان من الفكرة نفسها: اختطاف الدولة باسم العقيدة، وتحويل المجتمعات إلى رهائن داخل مشروع أيديولوجي مغلق.
ومنذ ذلك التاريخ يتكرر المشهد نفسه من لبنان إلى العراق إلى اليمن؛ دولةٌ تتآكل تدريجياً، ومؤسساتٌ وطنيةٌ تضعف، وتنظيماتٌ مسلحةٌ تنمو فوق حدود الدولة وداخلها، فيما يصبح الولاء العقائدي أعلى من فكرة الوطن نفسها.
العراق اليوم ليس دولةً طبيعيةً بالكامل، ولبنان ليس دولةً طبيعيةً بالكامل، واليمن والسودان كذلك؛ هذه كياناتٌ موجودةٌ شكلياً، لكن القرار السيادي الحقيقي فيها يخضع لسلاح الميليشيا المرتبط بطهران أو بالمرشد العام لجماعة الإخوان. الحكومات موجودة، والأعلام موجودة، والنشيد الوطني موجود، لكن قرار الحرب والسلم لم يعد بيد الدولة وحدها.
المشهد يشبه عصاباتٍ قامت باختطاف مدنٍ كاملة، ثم وضعت البنادق فوق رؤوس السكان، وأخذت تفاوض العالم من موقع الرهينة لا من موقع الدولة الطبيعية. ولهذا يبدو الحديث عن “التعايش” مع سلاح الميليشيات محاولةً لتطبيع الخلل لا لمعالجته.
لا يمكن أن تستقيم أي معادلة سياسية في المنطقة بينما توجد جماعاتٌ مسلحةٌ أقوى من الدولة نفسها، وتملك حق تعطيل الحكومات، وحق إعلان الحرب، وحق فرض السياسات بالقوة. فالدولة لا يمكن أن تكون دولةً ونصف سيادة، كما لا يمكن أن يبقى الشرق الأوسط رهينةَ معادلةٍ معوجة تقوم على وجود حكومات رسمية تقابلها جيوش عقائدية موازية.
ولهذا حمل الهجوم على براكة دلالةً أخطر من مجرد استهداف منشأةٍ حيوية؛ الرسالة الحقيقية تقول إن المنطقة دخلت مرحلةً جديدة يمكن فيها استهداف الاقتصاد والتنمية والبنية المدنية ضمن معادلة الصراع، وهذه أخطر نقطةٍ في المشهد كله. فحين تصبح محطات الطاقة والموانئ والمشاريع المدنية أهدافاً محتملة، فإن الشرق الأوسط يكون قد انتقل من مرحلة الصراع السياسي إلى مرحلة تهديد فكرة الدولة الحديثة نفسها.
الإمارات ليست دولةً هامشيةً داخل هذه المعادلة؛ خلال العقود الماضية بنت نموذجاً سياسياً واقتصادياً مختلفاً في المنطقة، يقوم على فكرة الدولة الحديثة والانفتاح الاقتصادي والطاقة النظيفة والاستثمار في الإنسان والتكنولوجيا والمستقبل والتعايش والتسامح. ولهذا تبدو الإمارات هدفاً دائماً للقوى المؤدلجة والتنظيمات العقائدية التي ترى في نجاح الدولة الوطنية هزيمةً مباشرةً لمشاريعها القائمة على الفوضى والكراهية والتعبئة الأيديولوجية.
المشكلة في الشرق الأوسط لم تعد غياب معرفة العدو، وإنما غياب الجرأة على الاعتراف به بوضوح. وطوال العقود الماضية تعامل الخليج العربي مع التهديد الإيراني بمنطق الاحتواء والدفاع وشراء الوقت، بينما كانت طهران تعمل بعقيدة هجومية قائمة على تفكيك المجال العربي من الداخل عبر الميليشيات والهويات الطائفية والتنظيمات العقائدية. ولهذا تبدو المنطقة اليوم أمام لحظة تاريخية مختلفة: إما إنهاء معادلة الرهائن التي بدأت منذ عام 1979، أو استمرار الشرق الأوسط كله داخل دوامة الدول المختطفة.
فهرمز اليوم رهينة، كما أن الشعوب اللبنانية واليمنية والعراقية والسودانية رهائن أيضا، والكارثة أن العالم اعتاد تدريجيا على رؤية هذه المعادلة المعوجة وكأنها أمر طبيعي قابل للحياة.
براكة لم تكن مجرد محطة للطاقة؛ كانت اختباراً حقيقياً لفكرة الشرق الأوسط نفسه: هل تنتصر الدولة الحديثة أم تنتصر الميليشيا؟ وهل تستطيع المنطقة تحرير مستقبلها من منطق الرهائن أم تبقى أسيرة البنادق العقائدية والتنظيمات العابرة للدولة؟ أسئلةٌ كبرى للحظة لا تحتمل أجرأ من أن تُطرح فيها هذه الأسئلة التي تبحث عن إجابات لمن يجرؤ فقط، فهل هناك في العرب من يجرؤ على ذلك؟
العرب اللندنية

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_211_0.jpg.webp?itok=poBpQhm-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_15_1_1.jpg.webp?itok=aAmNhDza)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A4_3_0_0_2_0_0.jpg.webp?itok=PovzOHl2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_37_0_0_0.jpg.webp?itok=X_cwWGwT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/454117_0.jpeg.webp?itok=ATRUKXbk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_7_6_1.jpg.webp?itok=EtF2Zx6c)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_13_0_5_0_0.jpg.webp?itok=JZzL4Iwa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/banna_9.jpg.webp?itok=7S1FOv5R)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Al-Qaeda-and-the-Houthis_1_0.jpg.webp?itok=m3wFK8u4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_8.jpg.webp?itok=rmi9eOjM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fim97wtVD5pn_fb5l7vSKajmhIQY3sNPQXSyLnnjyFtzNC0BcCsyDUjh0G_-qUUeeAz-r--NqFU9eaZlBxXYNpS0DuLTBJZSBWcm74FN06EQ45ytJKn2UvHaTyHGjq8e07_nH8QvBkvjnmLfD7FRb_tSAEbp6yO4sc6b5ltySrtXnY5oNyZHAduQmXv1rf_G%20%281%29.jpg.webp?itok=GAd-Z-Jv)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/SNGZDFKJ2_9prgp7ql5B9129WyEmpUs-UKOADbixh_qXbiwowHq7ChMr4jRIS6ihFHxzpIG5kfBpOIdHtWgE9m_iB76kRJO-dkOJS_-G1Iqb3tVRXr2dpiBX0FqgsSuimkVnRsISBSGXXWdzCkaaX6BtrWdxUWEIJ8T5Te3-UXE7d85VNOKRdK7TVnjNv257.jpg.webp?itok=aZkbWm9D)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

