
تثير الحرب الأمريكية/ الإيرانية الجارية العديد من الإشكاليات؛ فعلى الرغم من أنّ أطراف الحرب واضحة ممثلة في الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جانب وإيران من جانب آخر؛ إلا أنّ تطورات هذا الصراع كانت مثار تعجب لكثيرين؛ حيث أثار رد الفعل الإيراني على الاعتداءات الأمريكية/ الإسرائيلية علامات استفهام فيما يتعلق بضرب إيران لدول الخليج واستهدافها، الذي لم يقتصر على القواعد الأمريكية الموجودة هناك، ولكنّه طال أهدافاً مدنية واستهدف منشآت حيوية كالمطارت ومقار الشركات ومحطات الطاقة، بل كانت هذه الأهداف الخليجية الأكثر تضرراً من غيرها. والسؤال هنا لماذا استهدفت إيران المصالح الخليجة في حربها مع أمريكا وإسرائيل، هل كان ذلك بهدف توسيع نطاق الصراع والضغط على خصومها عبر ساحات غير مباشرة لإجبارها على وقف الحرب أو تحقيق أهداف معينة، أم أنّ هذه الاعتداءات تعبير عن موقف قديم من الخليج والعرب عمومًا، وهل هذا الموقف مرتبط بمصالح سياسية واقتصادية، أم له جذور دينية وثقافية كذلك؟
العرب والفرس... صراع قديم متجدد
تُعدّ الحضارة الفارسية من أقدم الحضارات في التاريخ، نشأت في منطقة إيران الحالية، وامتدت عبر آلاف السنين، ومرّت بمراحل متعددة وتركت أثرًا عميقًا في السياسة والثقافة والفكر. وشهدت العلاقة بين الفرس والعرب، خاصة العراق بحكم الموقع الجغرافي، العديد من الصراعات والحروب قبل الفتح الإسلامي لفارس الذي بدأ مع معركة القادسية في العام 634م، وتتج عنه سيطرة المسلمين على جزء كبير من فارس، ثم توالى سقوط المدن الفارسية حتى سيطر المسلمون عليها بشكل كامل في العام 644م.
ومع استقرار الفتح اعتنق الكثير من الفرس الإسلام وصارت بلادهم جزءًا من الدولة الإسلامية، ومع قيام الدولة الأموية كانت هناك سياسة تمييزية ضد الفرس وغيرهم من الشعوب غير العربية الذين كان يُطلق عليهم "الموالي"، الذين، رغم إسلامهم، فإنّهم كانوا لا يتمتعون بالمكانة نقسها التي يتمتع بها العرب داخل الدولة الأموية خاصة فيما يتعلق بتولي المناصب العليا في الدولة؛ في تلك المرحلة ظهرت الشعوبية كحركة فكرية تسعى لإثبات تفوق الفرس على العرب في الأدب والثقافة والنسب، كرد فعل على صعود العرب في الدولة الإسلامية، وقد لعبت هذه الحركة دورًا في ترسيخ خطاب مضاد للعرب داخل الثقافة الفارسية، واستمر تأثيرها في الأدب والسياسة لقرون.
ظهور الشعوبية لم يكن فقط رد فعل على تلك السياسات التمييزية، لكنّه كان تعبيرًا عن شعور بـ "الجرح التاريخي" كما يسميه المقريزي الذي يصف هذا الشعور في كتابه (المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار) "اعلم أنّ السبب في خروج أكثر الطوائف عن ديانة الإسلام أنّ الفرس كانت من سعة الملك، وعلو اليد على جميع الأمم، وجلالة الخطر في أنفسها، بحيث إنّهم كانوا يسمون أنفسهم الأحرار والأسياد، وكانوا يعدون سائر الناس عبيدًا لهم، فلما امتحنوا بزوال الدولة عنهم على أيدي العرب، وكانت العرب عند الفرس أقلّ الأمم خطرًا، تعاظمهم الأمر وتضاعفت لديهم المصيبة، وراموا كيد الإسلام بالمحاربة في أوقات شتى".
وامتدت الشعوبية لتظهر في العصر الحديث بشكل جديد تحت مسمّى "القومية الفارسية" التي تقوم على تمجيد الماضي الساساني، واعتبار الفتح الإسلامي "احتلالًا عربيًا" فرض ثقافة أدنى، وقد أدى ذلك إلى محاولة نزع القداسة عن الفتح الإسلامي نفسه بوصفه عامل تخلف، كما صوره بعض المفكرين القوميين الذين رأوا أنّ العرب قضوا على الحضارة الفارسية، وتجلّت نظرة الاستعلاء الفارسي في أوصاف تحقيرية للعرب، مثل "آكلي الضب"، والادّعاء بأنّ الفرس هم من علّموا العرب الحضارة والإدارة والعلوم، ويبرز هذا الاحتقار في نصوص تاريخية منسوبة إلى ملوك الفرس، حيث يُنسب إلى كسرى قوله "لم أرَ للعرب شيئًا من خصال الخير"، في خطاب يختزل العرب في صورة الفقر والجهل والبداوة.
وكان لهذه النزعة القومية العديد من المظاهر في العصر الحديث قبل قيام الثورة الإسلامية في إيران، منها ما تم في عهد الشاه رضا بهلوي (1925 ـ 1941) وكما هو مذكور في كتاب "الصراع العربي الفارسي" للكاتب اللبناني "نقولا الفرزلي"، أنّه عندما ضم بهلوي إقليم "عربستان" الذي كان يتمتع بالحكم الذاتي إلى إيران، فإنّه قام بالعديد من الإجراءات التي تهدف إلى إلغاء الهوية العربية وتغليب الهوية الفارسية، ومن تلك الإجراءات إلغاء مؤسسات الحكم العربي السياسية والإدارية والقضائية، وتغيير أسماء الإقليم والمدن والأنهار والجبال والمواقع وتسميتها بأسماء فارسية جديدة، وإلغاء التعليم باللغة العربية، وإغلاق المدارس العربية الأهلية، ومنع التحدث باللغة العربية أو إلقاء الخطب بها في المناسبات، والسماح لأيّ فرد في الجيش والشرطة أن يعتقل أيّ مواطن عربي وأن يقتله إذا لم يمتثل لأمره.
الثورة الإسلامية مزيج من المذهبية والقومية
منذ قيام الثورة الإسلامية الإيرانية في العام 1979م وهي لا تخفي عداءها للعرب خاصة دول الخليج العربي، فمنذ اليوم الأول يطلق قادة الثورة ورجال الحكم في النظام الجديد العديد من التصريحات المعبرة عن نظرتهم للعرب وسياستهم تجاه الدول العربية، على سبيل المثال ما ذكره "نقولا الفرزلي" في الكتاب نفسه من تصريحات لوزير الاقتصاد الإيراني في كانون الأول/ديسمبر 1979م بأنّ "القومية العربية تتسم بخصائص الصهيوينة وليس بالطابع الإسلامي"، وتصريح الخميني بأنّ "كل بلاد الخليج تشكل تاريخيًا جزءًا من الأراضي الإيرانية"، وأنّ "البحرين تشكل الإقليم الرابع عشر في إيران بموجب الدستور الجديد"، وما يعكس طبيعة المشروع التوسعي للنظام الحاكم الجديد ما صرّح به الخميني في آذار/مارس 1980م حين قال: "نبذل قصارى جهدنا لتصدير ثورتنا إلى الأجزاء الأخرى من العالم".
وقد انعكست هذه الرؤية الخاصة بالدولة الإيرانية بعد الثورة على سياساتها الخراجية تجاه محيطها العربي، حيث سعت منذ يومها الأول إلى بسط نفوذها في العديد من الدول العربية سواء في الخليج العربي أو العراق واليمن ولبنان وسوريا وفلسطين تحت مسمّى "محور المقاومة"، وقد اعتمدت استراتيجيتها في ذلك على الجانب الإيديولوجي والطائفي، وعملت من جانب على ترسيخ صورة ذهنية عنها بأنّها العدو الأول لإسرائيل، ومن جانب آخر دعمت جماعات وميليشيات شيعية في هذه الدول لتكون أداتها في خوض المعارك والصراعات، وفي تحقيق نفوذها في المنطقة.
لقد حاولت الثورة الإسلامية إعادة صياغة الهوية على أساس ديني، لكنّها في الوقت نفسه لم تتخلَّ عن خطاب التعالي الفارسي العنصري، حيث لم تختفِ النزعة القومية الفارسية بعد الثورة، بل عادت في أشكال مختلفة، خاصة مع تصاعد الصراعات الداخلية ورغبة الأقليات في إيران للحصول على حقوقها، وقد بلغ هذا الخطاب ذروته في بعض الفترات، مثل عهد أحمدي نجاد، حين تحولت مناسبات مثل الاحتفال بكورش إلى منصات لترديد شعارات قومية متطرفة، في ظل تشجيع رسمي من الدولة.
ورغم مرور الزمن وتغير الأنظمة الحاكمة في إيران، إلا أنّ نظرية "التفوق الفارسي" ما تزال حاضرة في الوعي والخطاب السياسي والثقافي للنخبة الحاكمة، ومؤثرة في السياسة الخارجية الإيرانية، فهي تعبير عن صراع طويل على الهوية والهيمنة، تظهر بأشكال مختلفة عبر الزمن من الشعوبية القديمة إلى القومية الحديثة، وصولًا إلى التوظيف السياسي المعاصر.
ويبقى أنّ هذه الأفكار، التي قامت على التفوق العرقي الفارسي، لم تجلب سوى الصراعات والانقسامات، وهو ما يؤكده التاريخ القريب والبعيد، حيث كانت الكلفة دائمًا باهظة على الجميع، وفي مقدمتهم أصحاب هذه الإيديولوجيات أنفسهم.










![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/633193666_122093146971272727_762315335892036104_n.jpg.webp?itok=_DNRtBTr)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B70_1.jpg.webp?itok=9rrtY40N)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A9_2.png.webp?itok=6N6mahHB)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D8%A9_3_1_0_1.jpg.webp?itok=IbaNXMjA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/307141_1.jpg.webp?itok=9VA84zAM)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-06-09%20131749.png.webp?itok=B5k53ons)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D8%A9_3_1_0_2.jpg.webp?itok=4oE7wZlp)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84_3_0.jpg.webp?itok=BfiWNj8q)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Lessons-learned-from-the-Israeli-Iranian-war.jpg.webp?itok=DpvuieEl)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/329b82cb8109e77c619ec868801bf4ea.jpg.webp?itok=AJgYhHv4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_21_0_1_0_1.jpg.webp?itok=q7N1wZUW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_1_0_0.jpg.webp?itok=8SLd47GI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_1.jpg.webp?itok=lILRfShi)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_43_0_2_0.jpg.webp?itok=XLNioOKD)