"رأس الأفعى"... الدراما السياسية كنافذة على تحولات الإخوان بعد 2013

"رأس الأفعى"... الدراما السياسية كنافذة على تحولات الإخوان بعد 2013

"رأس الأفعى"... الدراما السياسية كنافذة على تحولات الإخوان بعد 2013


19/03/2026

 

مع اتساع حضور الدراما السياسية في الإنتاج التلفزيوني المصري خلال السنوات الأخيرة، ظهرت مجموعة من الأعمال التي تحاول تقديم قراءة فنية لمرحلة ما بعد عام 2013، وهي المرحلة التي شهدت واحدة من أعقد التحولات في تاريخ جماعة الإخوان المسلمين في مصر. ومن بين تلك الأعمال برز مسلسل "رأس الأفعى" الذي اقترب من تلك المرحلة عبر سرد درامي ركز على شبكات التنظيم والعمل السرّي والصراعات الداخلية التي أعقبت سقوط حكم الجماعة.

لا يمكن التعامل مع الدراما باعتبارها مصدرًا تاريخيًا بالمعنى الأكاديمي الصارم، لكنّها في الوقت نفسه تقدّم مدخلًا مهمًا لفهم بعض التحولات السياسية والتنظيمية التي يصعب أحيانًا قراءتها من خلال الأخبار اليومية فقط. فالأعمال الدرامية غالبًا ما تعيد تركيب الوقائع في صورة سردية، لكنّها تستند في كثير من الأحيان إلى أحداث حقيقية أو إلى مناخ سياسي شهدته البلاد بالفعل.

في ذلك السياق، يحاول مسلسل "رأس الأفعى" استعادة لحظة تاريخية مفصلية في مسار جماعة الإخوان المسلمين، وهي اللحظة التي أعقبت عزل الرئيس السابق محمد مرسي في الثالث من تموز (يوليو) 2013، حين دخلت الجماعة مرحلة من الارتباك التنظيمي العميق، وبدأت تظهر داخلها اتجاهات متباينة حول كيفية التعامل مع الواقع السياسي الجديد.

إعادة تشكيل القيادة بعد 2013

أدت الضربات الأمنية التي تعرضت لها الجماعة بعد فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة في آب (أغسطس) 2013 إلى إضعاف البنية القيادية التقليدية للتنظيم داخل مصر. فقد ألقي القبض على عدد كبير من القيادات التاريخية، بينما غادر بعض القيادات الأخرى البلاد.

في ظل ذلك الوضع التنظيمي المضطرب تشكلت داخل الجماعة في شباط (فبراير) 2014 بنية قيادية جديدة عُرفت باسم "اللجنة الإدارية العليا"، وهي لجنة هدفت إلى إدارة التنظيم داخل مصر في ظل غياب عدد من قياداته التقليدية. ارتبط اسم اللجنة بالقيادي الإخواني محمد كمال، الذي أصبح لاحقًا أحد أبرز رموز التيار الذي تبنّى خيار المواجهة مع الدولة.

تلك المرحلة شهدت أيضًا صعود جيل جديد من كوادر الجماعة، خصوصًا من فئة الشباب الذين شاركوا في الاحتجاجات التي أعقبت فض الاعتصامات. ومع اتساع الفجوة بين القيادات التاريخية والشباب، بدأت تظهر داخل التنظيم نقاشات حادة حول طبيعة المرحلة المقبلة.

ظهور اللجان النوعية

مع مرور الوقت بدأت تظهر داخل الجماعة بنية تنظيمية مختلفة عن الهيكل التقليدي المعروف. فقد اتجه بعض كوادر التنظيم إلى إنشاء مجموعات صغيرة تعمل بصورة شبه مستقلة، عُرفت في الإعلام وفي التحقيقات الأمنية باسم "اللجان النوعية".

اعتمدت تلك المجموعات على ما يشبه التنظيم العنقودي، حيث تعمل الخلايا الصغيرة بصورة منفصلة نسبيًا عن بعضها البعض. ذلك النمط من التنظيم يمنح درجة أكبر من السرّية، ويقلل من احتمالات انهيار الشبكة بالكامل في حال القبض على أحد عناصرها.

خلال عامي 2013 و2014 ظهرت عدة مجموعات شبابية حملت أسماء مختلفة، من بينها "مولوتوف" و"ولع" و"المقاومة الشعبية" و"العقاب الثوري". وكانت تلك المجموعات مسؤولة عن سلسلة من العمليات التي استهدفت منشآت عامة أو نقاط شرطة في عدد من المحافظات المصرية.

ورغم أنّ جماعة الإخوان لم تعلن رسميًا مسؤوليتها عن كثير من تلك العمليات، فإنّ التحقيقات التي أجريت لاحقًا في عدد من القضايا كشفت عن وجود روابط تنظيمية بين بعض تلك الخلايا ودوائر داخل الجماعة.

اغتيال النائب العام: نقطة التحول

بلغت تلك التحولات ذروتها في حادث اغتيال النائب العام المستشار هشام بركات في التاسع والعشرين من حزيران (يونيو) 2015، عندما استهدفت سيارة مفخخة موكب النائب العام في حي مصر الجديدة بالقاهرة.

اعتُبر الحادث واحدًا من أخطر العمليات التي شهدتها مصر في تلك المرحلة، نظرًا لموقع الشخصية المستهدفة ولطبيعة العملية نفسها. وقد فتحت النيابة العامة تحقيقًا موسعًا في القضية التي قُيدت برقم 502 لسنة 2015 حصر أمن دولة عليا.

أسفرت التحقيقات لاحقًا عن اتهام مجموعة من الأشخاص بالانتماء إلى خلية مرتبطة بشبكات العمل النوعي داخل الجماعة. وفي تموز (يوليو) 2017 أصدرت محكمة جنايات القاهرة حكمها في القضية، الذي تضمن أحكامًا بالإعدام والسجن المؤبد على عدد من المتهمين.

مثل هذا الحادث نقطة تحول مهمة في مسار المواجهة بين الدولة وتلك الشبكات. فبعده شنت الأجهزة الأمنية حملات واسعة استهدفت تفكيك البنية التنظيمية للخلايا التي كانت تعمل تحت مظلة ما عُرف بالعمل النوعي.

لكنّ التحول نحو العنف لم يكن محل إجماع داخل الجماعة، تحديداً مع ظهور تقرير البريطاني جون جنكينز بتكليف من الحكومة الإنجليزية الذي درس إمكانية وجود روابط عنف داخل التنظيم، المسألة التي هددت أموال التنظيم في الخارج؛ فمع تصاعد المواجهة بدأت تظهر خلافات حادة بين القيادات التي كانت تدير التنظيم من الخارج وبين القيادات التي كانت تقود العمل داخل مصر.

صراع القيادة داخل التنظيم

مع اتساع نطاق المواجهة الأمنية بعد عام 2015 بدأت الخلافات داخل جماعة الإخوان المسلمين تخرج إلى العلن بصورة غير مسبوقة. فالتنظيم الذي اعتاد تاريخيًا إدارة خلافاته داخل الأطر التنظيمية المغلقة وجد نفسه أمام انقسام حقيقي بين قيادات الداخل وقيادات الخارج.

في قلب ذلك الصراع برز اسمان رئيسيان: محمود عزت، الذي كان يُنظر إليه باعتباره ممثلًا للقيادة التقليدية المحافظة داخل الجماعة، ومحمد كمال الذي أصبح رمزًا للتيار الذي تبنّى خيار التصعيد.

ذلك الخلاف لم يكن مجرد نزاع شخصي على النفوذ داخل التنظيم، بل كان يعكس اختلافًا عميقًا في تقدير الموقف السياسي. فبينما كان التيار المرتبط بمحمود عزت يميل إلى الحفاظ على بنية التنظيم التقليدية وإدارة الصراع عبر الأدوات السياسية والإعلامية، كان التيار الآخر يرى أنّ المرحلة الجديدة تتطلب نمطًا مختلفًا من المواجهة.

انعكس ذلك الانقسام أيضًا في الصراع الذي دار حول منصب المتحدث الإعلامي باسم الجماعة. ففي عام 2014 ظهر اسم محمد منتصر بوصفه المتحدث الإعلامي للجماعة من داخل مصر، قبل أن تعلن قيادات أخرى في الخارج لاحقًا تعيين طلعت فهمي متحدثًا رسميًا باسمها. ذلك الازدواج في الخطاب الإعلامي لم يكن مجرد خلاف تنظيمي، بل كان مؤشرًا على انقسام حقيقي داخل الجماعة حول طريقة إدارة الأزمة.

الإعلام كساحة صراع

مع تضييق المجال السياسي داخل مصر بعد 2012 تحولت الساحة الإعلامية إلى أحد أهم ميادين الصراع بين الدولة وجماعة الإخوان. فقد ظهرت خلال تلك الفترة مجموعة من القنوات والمنصات الإعلامية التي تبث من خارج البلاد، مثل قنوات "الشرق"، و"مكملين"، و"وطن".

اعتمدت تلك المنصات على جمهور واسع من المصريين في الخارج، واستفادت من التحول الكبير في طبيعة الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي. وبمرور الوقت أصبحت تلك المنصات أحد أبرز أدوات الجماعة في إدارة خطابها السياسي بعد فقدانها المساحة التنظيمية داخل مصر.

لكنّ ذلك التحول الإعلامي لم يكن كافيًا لحسم الخلافات داخل التنظيم. فالصراع بين التيارات المختلفة ظل قائمًا، خصوصًا مع تراجع قدرة القيادة التقليدية على السيطرة الكاملة على شبكات العمل داخل مصر.

نهاية مرحلة محمد كمال

في الثالث من تشرين الأول (أكتوبر) 2016 أعلنت وزارة الداخلية المصرية مقتل القيادي الإخواني محمد كمال خلال مداهمة أمنية في القاهرة. وقد اعتُبر الحدث نقطة فاصلة في مسار الصراع داخل الجماعة؛ فبمقتل محمد كمال فقد التيار الذي كان يقوده أحد أبرز رموزه التنظيمية. لكنّ ذلك لم يؤدِّ إلى اختفاء الشبكات التي ظهرت خلال تلك المرحلة بالكامل، إذ استمرت بعض هذه الشبكات في الظهور لاحقًا في صورة تنظيمات جديدة.

ففي عامي 2016 و2017 أعلنت مجموعات مسلحة مسؤوليتها عن عدد من العمليات تحت أسماء مثل "حسم" و"لواء الثورة". وقد اعتبرت السلطات المصرية تلك التنظيمات امتدادًا لشبكات العمل النوعي التي تشكلت بعد عام 2013.

الدراما أداة لفهم المرحلة

في ذلك السياق يمكن قراءة الأعمال الدرامية التي تتناول تلك المرحلة، مثل مسلسل "رأس الأفعى". فهذه الأعمال لا تقدم بالضرورة توثيقًا دقيقًا لكل الوقائع، لكنّها تحاول إعادة بناء المشهد العام الذي شهدته البلاد خلال تلك السنوات.

تظهر في المسلسل إشارات إلى عدد من القضايا التي شغلت المجال العام في تلك الفترة، مثل شبكات العمل السرّي داخل التنظيم، والصراع بين قيادات الداخل والخارج، واستخدام الإعلام كأداة للصراع السياسي. تلك العناصر كلها كانت بالفعل جزءًا من المشهد السياسي بعد 2013، وإن كانت الدراما تعيد ترتيبها وفق منطق السرد الفني ومتطلبات البناء الدرامي.

بين الواقع والسرد الدرامي

يبقى السؤال الأهم: هل يمكن للدراما أن تساعد في فهم مرحلة سياسية معقدة مثل هذه؟

الإجابة لا يمكن أن تكون حاسمة، فالدراما بطبيعتها ليست بحثًا أكاديميًا ولا تحقيقًا صحفيًا. لكنّها في الوقت نفسه تستطيع أن تفتح بابًا للنقاش حول أحداث ما تزال قريبة من الزمن، ولم تتحول بعد إلى مادة تاريخية مكتملة.

في حالة مسلسل "رأس الأفعى" يبدو أنّ العمل يحاول تقديم قراءة درامية لتحولات تنظيمية وسياسية حقيقية شهدتها جماعة الإخوان بعد عام 2013. وهذه التحولات لم تكن مجرد صراع سياسي تقليدي، بل كانت إعادة تشكيل كاملة لبنية التنظيم وأدواته.

تحولات ما بعد 2013

تكشف قراءة تلك المرحلة أنّ جماعة الإخوان بعد 2013 لم تعد التنظيم المتماسك الذي عرفته لعقود طويلة. فقد أدت الضربات الأمنية، والصراعات الداخلية، واختلاف التقديرات السياسية، إلى تفكك نسبي في البنية التنظيمية التقليدية. في المقابل ظهرت أنماط جديدة من التنظيم والعمل اعتمدت على الشبكات الصغيرة والخلايا المنفصلة نسبيًا. ذلك التحول لم يكن خاصًا بجماعة الإخوان فقط، بل يمكن ملاحظته في تجارب حركات سياسية أخرى في المنطقة عندما تدخل في صدام مباشر مع الدولة.

وفي هذا المعنى، يمكن النظر إلى تلك السنوات باعتبارها مرحلة انتقالية في تاريخ الجماعة، انتقلت خلالها من نموذج التنظيم المركزي التقليدي إلى نموذج أكثر تفككًا وتعقيدًا.

يبقى أنّ السنوات التي أعقبت 2013 تمثل واحدة من أكثر الفترات تعقيدًا في تاريخ جماعة الإخوان المسلمين في مصر. فهي مرحلة شهدت تحولات تنظيمية عميقة، وصراعات داخلية غير مسبوقة، وظهور شبكات عمل جديدة خارج البنية التقليدية للجماعة.

تحاول الدراما، عبر أعمال مثل "رأس الأفعى"، الاقتراب من تلك التحولات وتقديمها في صورة سردية يمكن للجمهور متابعتها. لكنّ فهم هذه المرحلة بشكل كامل يظل بحاجة إلى قراءة أوسع تجمع بين التحليل السياسي والبحث التاريخي والوثائق القضائية التي كُشفت خلال تلك السنوات. وفي كل الأحوال، فإنّ تلك المرحلة ما تزال تلقي بظلالها على المشهد السياسي المصري حتى اليوم، سواء في شكل النقاشات حول مستقبل الجماعة أو في طبيعة العلاقة بين الدولة والتنظيمات السياسية ذات الخلفية الدينية.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية