العميد علي الزرمديني لـ (حفريات): جماعات الإسلام السياسي تغذي نشاط الجماعات الإرهابية

العميد علي الزرمديني لـ (حفريات): جماعات الإسلام السياسي تغذي نشاط الجماعات الإرهابية

العميد علي الزرمديني لـ (حفريات): جماعات الإسلام السياسي تغذي نشاط الجماعات الإرهابية


12/02/2026

 

حوار/ رامي شفيق

عرفت تونس منذ سنوات نشاطًا مكثفًا لجماعات الإسلام السياسي والتنظيمات السلفية والتكفيرية، خاصة بعد أحداث العام 2011، حين تقاطعت استراتيجيات الجماعات المتشددة مع بيئة مشبعة بخطاب الإسلام السياسي. فالإسلام السياسي، سواء في بنيته الدعوية أو أطره السياسية، وفّر مناخًا فكريًا واجتماعيًا سمح لتلك العناصر المتشددة باستغلاله نحو ما يُعرف بـ "عمليات الذئاب المنفردة" التي تتحرك بمعزل عن التنظيمات الكبرى.

هذا التقاطع بين فكر تنظيمات الإسلام السياسي والجماعات التكفيرية والعمليات الإرهابية يجعل مواجهة الإرهاب في تونس أكثر تعقيدًا، ويستلزم تحركًا واسعًا وتوظيف كافة ديناميات العمل الشامل لمواجهة فاعلة ونافذة ضد نشاط هذه الخلايا.

إلى ذلك، التقت (حفريات) أحد أبرز رجالات الأمن التونسي، العميد السابق بالحرس الوطني التونسي علي الزرمديني، لسؤاله حول عدة نقاط أساسية تتعلق بنشاط الخلايا الإرهابية ومدى خطورة مثل تلك العمليات على واقع ومستقبل البلاد. قال الزرمديني: إنّ الإرهاب يولد ويتجدّد بشكل مستمر، وإنّ النجاحات الأمنية، رغم أهميتها، لا تقضي نهائيًا على الفكر المتطرّف ما دام هناك من يتبنّاه عقائديًا. وأكّد في حواره لـ (حفريات) أنّ الخطاب السياسي للإسلام السياسي في تونس يخلق دوافع نفسية وعقلية لهذه الجماعات، وأنّ العناصر النائمة تستفيد من هذا المناخ للتحرك ضمن خلايا صغيرة تعتمد على التخفي والاستراتيجيات المرنة، وتستثمر الاضطرابات الإقليمية لتعزيز حضورها وتأثيرها. وأوضح الخبير الأمني التونسي أيضًا أنّ مواجهة الإرهاب لا يمكن أن تكون أمنية بحتة، بل تتطلب مقاربة شاملة تشمل معالجة الجذور الفكرية وتجفيف منابع الاستقطاب.

نص الحوار : 

هل ينبغي التخوّف من إطار العمليات الأخيرة في فريانة وماجل بلعباس لعودة نشاط العمليات الإرهابية، أم أنّ الأمر لم يتجاوز نشاطًا محدودًا لأهداف مرحلية؟

ـ في اعتقادي، لا ينبغي التخوّف من مثل هذه العمليات الإرهابية رغم خطورتها، بل يجب التهيؤ والاستعداد لها والتحوّط منها، واتخاذ جميع الإجراءات الاحترازية والوقائية بشكلٍ مستمر ومتتالٍ؛ لأنّ هذه التنظيمات الإرهابية تسعى إلى استغلال وتوظيف أيّ عامل من عوامل الفوضى، وتعمل على استغلال أيّ فجوة أمنية أو حالة من الاسترخاء الأمني لتنفيذ مثل هذه العمليات الفردية، بهدف التأثير على المشهد العام وتقديم صورة مبالغ فيها عن قدراتها وإمكانياتها.

فهذه الجماعات تترصّد الأوضاع بدقة، وتتعامل بمنظور عسكري شامل، ينطلق من العمل الاستخباراتي والاستعلامي، ويراقب كل ما يحدث في البلاد، لتتحرّك بعد ذلك ميدانيًا وعسكريًا. وبالتالي فهي تمتلك سعة اطّلاع واسعة على مجريات الأحداث. كما أنّ هناك أطرافًا تتفاعل معها في إطار ما يُعرف بجماعات الاسترشاد، التي تمدّها بالمعلومات، فتقوم هذه التنظيمات بالتفاعل معها والتخطيط على أساسها لعمليات ميدانية إرهابية.

إلى أيّ حدّ تغيّرت بنية التنظيمات الإرهابية في تونس مقارنة بمرحلة ما بعد 2011؟

ـ تغيّرت البنية بشكل واضح ولافت، فبعد الانكسار الشامل لجماعة عقبة بن نافع، التي كانت تُعدّ النواة الأساسية للإرهاب في منطقة شمال أفريقيا تحت لواء تنظيم القاعدة في المغرب العربي، تحوّل بعض فلولها إلى ما يُعرف بـ "أجناد الخلافة". وقد غادرت هذه العناصر الأراضي الجزائرية في محاولة للتمركز في الجبال الرابطة بين تونس والجزائر، مع إعلان الانتماء إلى تنظيم داعش، والتفاعل مع أفكاره ومعتقداته، وكل إيديولوجياته الفكرية والميدانية والعقائدية.

ومع هذه التحولات، غيّرت هذه التنظيمات وجهتها وأصبحت تسعى إلى فرض تكتيكات جديدة، خاصة بعد الهزيمة النكراء التي مُنيت بها في بن قردان، والتي كبّدتها انكسارًا شبه كامل. هذا الواقع دفعها إلى تغيير أساليبها القتالية، والانتقال إلى ما يُشبه حرب العصابات، عبر الاعتماد على جماعات صغيرة العدد، سريعة التنقل، تعتمد التخفي ثم الظهور لتنفيذ عمليات إرهابية مباغتة.

إلى أيّ مدى يمثّل الاضطراب الإقليمي عنصرًا فاعلًا لتنشيط هذه المخاطر؟

ـ يقينًا، الانتباه لمثل هذه الاضطرابات في نقاط جغرافية معينة يمثل مرتكزًا دالًا للفهم، ومن هنا يمكن التركيز على منطقة شمال أفريقيا، حيث تُعدّ منطقةً مستهدفة من قبل الجبهات الإرهابية، ويُعدّ العامل الجغرافي عنصرًا بالغ الأهمية في مثل هذه الوقائع. فبفضل التضاريس الوعرة، وامتدادها نحو الساحل الأفريقي المضطرب، وكذلك نحو غرب أفريقيا غير المستقر، يتشكّل امتداد جغرافي متصل بين هذه المناطق.

ومن المعروف أنّ الجماعات الإرهابية تتمركز على خطوط التماس مع الحدود الجزائرية، وفي الصحراء الليبية، أي على بُعد أمتار أو بضعة كيلومترات فقط من المناطق التي تتواجد فيها الفلول، خاصة في المنطقة الغربية التونسية والشرقية الجزائرية، وهي مناطق ترتبط فيما بينها جغرافيًا. كما أنّ هذا الامتداد الجغرافي يلتحم بالصحراء الكبرى وبغرب أفريقيا، ضمن مسافات قصيرة نسبيًا، وهو ما يجعل التفاعل بين هذه الجماعات تفاعلًا كاملًا ومباشرًا.

ويُسهم الاضطراب الإقليمي بدوره في تعظيم هذه المخاطر، إذ يشكّل عاملًا محفّزًا يدفع هذه الجماعات إلى التفاعل مع مجريات الأحداث في كامل الإقليم.

هل ثمة رابط بين خصوصية بعض المناطق ونشاط العمليات الإرهابية؟

ـ دعني أؤكد على نقطة استراتيجية محددة في نطاق الأجهزة الأمنية التي تتعامل مع ملف الإرهاب والتكفيريين، سواء عقائديًا أو ميدانيًا، وهي أنّ الإرهاب يولد ويتجدّد باستمرار، وبالتالي فإنّ نشاط العناصر المتشددة سيبقى قائمًا ما دام هناك عنصر واحد يتبنّى هذا الفكر الجهادي العقائدي. فالنجاحات الأمنية، مهما بلغت، لا يمكن في حدّ ذاتها أن تُنهي هذه العمليات؛ ذلك أنّ الإرهاب، كما ذكرت، يتكاثر ويتجدّد بشكل متواصل، ممّا يدفعنا دائمًا للنظر إلى مواجهة مثل هذه الأنشطة باستراتيجية واسعة ومعمقة، يكون العنصر الأمني والمعلوماتي والاستخباراتي واحدًا من العناصر اللازمة والضرورية، ولكنّه ليس كل شيء في منظومة المواجهة.

وينبغي التأكيد على أنّ الإرهاب يسعى دائمًا إلى خلق دائرة مغلقة تضمن له الاستمرارية، ويعتمد في ذلك على الحرب النفسية عبر فرض الحضور الدائم من خلال تنفيذ عمليات مختلفة، مهما كان نوعها أو طبيعتها أو حجمها، ومهما كانت نتائجها.

وهذه الجماعات ما كان لها أن تنشأ لولا الأرضية الخصبة التي وفّرها لها الإسلام السياسي. فالإسلام السياسي، بكل تجلّياته ومفاهيمه، سواء الدعوية أو الدينية أو السياسية، يُسهم في خلق النواة الأولى لهذه الجماعات. إذ تتحرّك هذه الجماعات في بداياتها ضمن إطار عقائدي ديني، ثم يتحوّل هذا الإطار تدريجيًا إلى مفهوم جهادي، إلى أن تصل إلى المرحلة التي تتحوّل فيها إلى عنصر إرهابي مكتمل، بكل مفاهيم الإرهاب وخصوصياته.

من منظور أمني، كيف تفسّرون نشاط العناصر النائمة رغم النجاحات المتتالية للأجهزة الأمنية؟

ـ من منظور أمني محض، يتجلّى استمرار نشاط العناصر النائمة سواء في تونس أو أيّ موقع وبلد آخر، رغم النجاحات المتتالية التي تحققها الأجهزة الأمنية، كمسألة غير مستبعدة، بل تُعدّ أمرًا متوقعًا، فالإرهاب "ظاهرة ديناميكية لديها القدرة على المرونة وبالتالي التجدد، كما أنّها تستطيع التكيّف مع الضربات ولا تنتهي بها". ويؤكد أنّ النجاحات الأمنية تُفكّك الشبكات وتُربك القيادات، لكنّها لا تقضي نهائيًا على الفكرة المتطرفة ما دام هناك من يتبنّاها عقائديًا.

وفي المقابل، تعتمد تلك التنظيمات والعناصر التابعة لها على أسلوب التخفي والصبر الاستراتيجي، وتتحرّك ضمن خلايا صغيرة محدودة العدد، هدفها الأساسي الحفاظ على الحضور وإدارة حرب نفسية عبر عمليات رمزية أو محدودة، بغضّ النظر عن نتائجها الميدانية. ويشدّد على أنّ المواجهة الناجعة لا يمكن أن تكون أمنية فقط، بل تستوجب مقاربة شاملة تُعالج الجذور الفكرية، وتُجفّف منابع الاستقطاب، وتواكب التحوّلات الإقليمية التي تسمح بإعادة إنتاج التهديد الإرهابي.

هل هناك في تقديرك صلة مباشرة أو غير مباشرة بين بعض تنظيمات الإسلام السياسي وبنية العنف الجهادي؟

ـ نعم، وبكل تأكيد، يُعدّ الإسلام السياسي المبادر والمحرّك الأساسي، سواء من خلال بثّ الإشاعات، أو تسريب المعلومات، أو عبر التحريك الإعلامي الذي يقوم به في سياق الأحداث اليومية. وهو بذلك المغذّي والفاعل الذي يدفع هذه الجماعات إلى التحرّك في لحظة معيّنة وبإشارة محدّدة.

فالخطاب السياسي للإسلام السياسي، بما يحمله من رسائل موجّهة، يدفع بهذه الجماعات إلى الإقدام على مثل هذه الأعمال، ليصبح بمثابة الغطاء الخلفي الذي تختفي وراءه، أو الإشارة الدالّة التي تبني عليها تحرّكاتها وخياراتها الميدانية.

في السياق التونسي نجد أنّ الإسلام السياسي لعب دورًا محوريًا في تهيئة البيئة الحاضنة لنشاط الجماعات المتطرّفة، ليس بالضرورة عبر التورّط المباشر والفاعل دومًا، بل من خلال "الدور غير المباشر ولكن المؤثّر". فخطاب الإسلام السياسي، القائم على المظلومية وادّعاء امتلاك الشرعية الثورية أو الأخلاقية، خلق مناخًا نفسيًا واجتماعيًا سهّل تبرير العنف لدى بعض الفئات الهشّة والمتأثرة إيديولوجيًا.

وبعض ممارسات الإسلام السياسي في تونس، سواء عبر صناعة الإشاعات، أو تسريب المعطيات، أو التحريك الإعلامي المكثّف والموجّه، أسهمت في خلق حالة من الاحتقان والارتباك داخل المجتمع. هذا المناخ يمنح الخلايا الإرهابية شعورًا غير مباشر بالحماية أو القبول الضمني، ويُشكّل دافعًا نفسيًا يشجّعها على التحرّك عند توفّر "الإشارة" المناسبة.

كما أنّ الخطاب السياسي للإسلام السياسي في فترات الأزمات كان في كثير من الأحيان خطابًا مزدوجًا؛ ظاهره مدني وسلمي، وباطنه تعبوي وتحريضي، وهو ما تستثمره الجماعات الإرهابية باعتباره "علامة دالّة" على توقيت التحرّك أو على طبيعة الرسالة التي ترغب في إيصالها. فهذه الجماعات لا تعمل في فراغ، بل تراقب الخطاب العام، وتتغذّى على مناخات التشكيك في الدولة ومؤسساتها، وعلى محاولات ضرب الثقة في المنظومة الأمنية والعسكرية.

وفي الحالة التونسية تحديدًا، حيث تعيش البلاد على وقع تجاذبات سياسية حادّة، يمثل ذلك في مراحل معيّنة "الرداء الخلفي" الذي تتحرّك في ظله الجماعات المتطرّفة، سواء عبر توفير الغطاء المعنوي، أو عبر خلق بيئة سياسية وإعلامية تُربك القرار الأمني وتُضعف الجبهة الداخلية. وهو ما يجعل المواجهة لا تقتصر على العمل الأمني الصرف، بل تتطلّب تفكيك الخطاب، وتجفيف المنابع الفكرية، ومساءلة كل من يُسهم، عن قصد أو عن غير قصد، في تهيئة المناخ الملائم لعودة العنف والإرهاب.

إلى أي حدّ يدفع خطاب المظلومية والشرعية الثورية لدى الإسلام السياسي في تهيئة الأجواء لتلك الخلايا الإرهابية؟

ـ إنّ خطاب المظلومية والشرعية الثورية لدى الإسلام السياسي يُهيّئ الأجواء لنشوء تلك الخلايا الإرهابية. كما أنّ التفاعل الذي تُحدثه جماعات الإسلام السياسي داخل المجتمع يمنح هذه الخلايا شعورًا بنوع من الحصانة، ويُوفّر لها دفعًا نفسيًا يشجّعها على التحرّك والقيام بمثل هذه الأعمال.

وبناءً عليه، يُعدّ الإسلام السياسي الدافع الرئيسي والمغذّي لهذه الجماعات، سواء على المستوى الفكري، أو على مستوى المبادرة، أو حتى على مستوى تهيئة المناخ الملائم لتنفيذ هذه الأفعال والتحرّك في اتجاهها.

هل يمكننا القول إنّ سقوط حركة النهضة يدفع بعض عناصرها وقواعدها للانضمام إلى تلك الخلايا؟

ـ الإسلام السياسي يتعامل ضمن إطار استراتيجية شاملة وكاملة وضعها الإخوان المسلمون في تعاطيهم مع جميع الجماعات الإرهابية. فالقاعدة تُعتبر النواة الأساسية، فقد نشأت ووجدت من صلب الإسلام السياسي، وكذلك الأمر بالنسبة إلى تنظيم داعش الذي تطوّر ضمن هذه التنظيمات من حيث التسميات والمعاني، دون أن يختلف جوهريًا في المفهوم العام عن الجماعات الأخرى.

فالإسلام السياسي، الذي كان في بداياته يدعو إلى الخلافة، قد تخلّى عن هذا الطرح في إطار تكتيكي، إلا أنّ الجماعات الإرهابية، سواء كانت القاعدة أو داعش، تبنّت هذا المنهج العقائدي والفكري. وحتى لو اختلف الأسلوب أو شكل العمليات، فإنّ المنهج والهدف يبقيان شيئًا واحدًا.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية