كيف أدّى تعثر مشروع الحداثة في مصر إلى ظهور جماعة الإخوان؟

كيف أدّى تعثر مشروع الحداثة في مصر إلى ظهور جماعة الإخوان؟

كيف أدّى تعثر مشروع الحداثة في مصر إلى ظهور جماعة الإخوان؟


29/01/2026

لنتخيل سيناريو افتراضيًا؛ ماذا لو قام محمد علي باشا بمحاكاة ما فعله أتاتورك بعد عقود في تركيا، بتغيير الأبجدية العربية إلى اللاتينية، وأغلق الأزهر أو أعاد تشكيله ليصبح جامعة تُدرِّس العلوم الحديثة فقط؟ هل كان يمكن، عندها، أن يظهر تنظيم مثل جماعة الإخوان في مصر بعدها بقرن من الزمان؟

قد تبدو الإجابة السريعة: لا، فمثل هذا القرار كان سيُحدث قطيعة حادة مع التراث الديني، ويقصيه من المجال العام، ويفرض مسارًا تحديثيًا جذريًا يقطع مع الماضي. غير أنّ هذا التصور، على وجاهته، يخفي خللًا أعمق في فهم الظاهرة.

فلو كان تغيير اللغة أو تفكيك المؤسسات الدينية كافيًا لمنع صعود الإسلام السياسي، فكيف يمكن تفسير تجربة تركيا أتاتورك نفسها؟ وكيف صعد رجب طيب أردوغان إلى الحكم، وكيف عاد جزء واسع من المجتمع التركي إلى الاحتماء بالعاطفة الدينية، وانتشر الحجاب بكثافة، رغم أنّ مصطفى كمال أتاتورك غيَّر الأبجدية، وألغى الخلافة، وفرض علمانية صارمة بقوة الدولة؟

هنا نصل إلى نتيجة مهمة يبلورها المفكر المغربي محمد عابد الجابري: أنّه عندما تفشل الحداثة في أن تصبح ثقافة شعبية، يصبح الإسلام السياسي "تعويضًا ثقافيًا" يملأ الفراغ الناتج عن حداثة استوردت القشور وعجزت عن توطين المنهج.

سقوط الخلافة

لكي نفهم لماذا ظهرت الجماعة، لا بدّ أوّلًا من فهم السياق التاريخي الذي خرجت فيه إلى العلن. فقد تأسست الجماعة عام 1928، بعد أربع سنوات فقط من انهيار الخلافة العثمانية سنة 1924، ويشير المؤرخ ألبرت حوراني إلى أنّ هذا الانهيار لم يتبعه ظهور بديل حداثي متجذر في الوجدان.

في هذا المناخ المضطرب لم تكن الجماهير تبحث عن برامج اقتصادية أو نظريات سياسية معقدة، بل عن معنى بسيط، ويقين مطمئن، وإجابة سريعة عن سؤال وجودي مُلحّ: من نحن بعد سقوط الخلافة؟ هنا تحديدًا وجدت الجماعة لحظتها التاريخية. وهو ما يلتقطه عزيز العظمة حين يقدّم قراءة للإسلام السياسي باعتباره ظاهرة نشأت داخل شروط حداثة مأزومة، وليس استمرارًا طبيعيًا للتراث الديني.

زاد من جاذبية هذا الخطاب انتشاره في مجتمع كانت الأمّية تهيمن على قطاع واسع منه، وحتى الفئات المتعلمة كانت في معظمها نتاج تعليم شكلي لم يهضم تجربة الحداثة الأوروبية، بل نظر إليها بريبة وعداء، باعتبارها مشروعًا شيطانيًا ارتبط في الوعي الجمعي بالاستعمار والهيمنة الأجنبية؛ والمفارقة أنّ الاحتلال العثماني لم يكن يمثل لهم أيّ غضاضة، في تناقض فاضح يكشف أنّ المحتل، في هذا المنطق الأعوج، لا يُصنَّف احتلالًا إذا كان الغازي من الدين نفسه، حتى وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك!

أزمة الحداثة في مصر: عندما اصطدم العقل بالمقدّس

في السياق نفسه، كانت مصر في عشرينيات القرن الماضي تعيش لحظة فارقة؛ يكفي أن نستعيد ما جرى عام 1925 مع الشيخ علي عبد الرازق حين نشر كتابه "الإسلام وأصول الحكم"، وفكّك فيه فكرة الدولة الدينية، ليواجه حملة شرسة انتهت بعزله وسحب شهادة العالمية منه، وإقصائه عن الأزهر. ولم يقتصر الأمر على الأوساط الدينية أو المحافظة، بل امتد إلى قلب التيار الليبرالي نفسه. فسعد زغلول، زعيم حزب الوفد ورمز الحركة الوطنية والليبرالية آنذاك، هاجم كتاب علي عبد الرازق بشدة، واعتبره تجاوزًا غير مقبول، في موقف يعكس مدى تغلغل الحس المحافظ حتى داخل النخب التي يفترض أنّها تقود مشروع التحديث!

وبعدها بسنة واحدة فقط، عام 1926، تكرر المشهد بحذافيره مع طه حسين عقب صدور كتابه "في الشعر الجاهلي"، الذي استخدم فيه المنهج النقدي العلمي لإعادة قراءة تراث الشعر العربي، وانتهى إلى القول إنّ جانبًا كبيرًا من الشعر الجاهلي منحول، وكُتب بعد ظهور الإسلام. لم يُستقبل الكتاب كنقاش علمي مشروع، بل انفجرت ضده موجة عاتية من الهجوم وصلت إلى ساحات المحاكم بتهم الزندقة والطعن في الثوابت.

وتكشف هذه الوقائع، كما يشير الفيلسوف مراد وهبة، أنّ الأفكار الحداثية في تلك المرحلة لم تنجح في التحول إلى تيار اجتماعي واسع، بل ظلت محصورة داخل دوائر نخبوية محدودة، بينما كان المزاج العام للمجتمع ينظر إليها باعتبارها تهديدًا للهوية والاستقرار، لا طريقًا للتحرر والتقدم. في هذا المناخ المشحون بالخوف من الحداثة والعداء للعقل النقدي، بدا المجال مهيّأً لظهور جماعة تتماهى مع وجدان الشارع وتعبّر عن قلقه وهواجسه.

في بدايات القرن التاسع عشر وصل محمد علي إلى الحكم، وبدأ تحديث المجتمع المصري، وهي خطوة رغم تأخرها كثيرًا إلا أنّها انتشلت المجتمع المصري من غياهب الجب الفكري والعقلي، فقد استطاع محمد علي أن يؤسس شكل الدولة الحديثة في مصر بعد عقود من التخلف في زمن الاحتلال العثماني. مشروع محمد علي التحديثي، رغم إيجابياته الكثيرة وفضله الوفير على مصر، إلا أنّه بحسب وصف مراد وهبة كان مشروع دولة لا مشروع مجتمع. هو مشروع أرسل بعثات، واستقدم خبراء أجانب، وبنى جيشًا وأنشأ المصانع والمدارس الحديثة، لكنّه لم يخلق حركة اجتماعية نابعة من الشارع تؤمن بالعلم والعقل والتقدم. ليس هذا إخفاقًا من محمد علي بقدر ما هي حدود اللحظة التاريخية نفسها؛ فقد بذل الرجل أقصى ما استطاع لإحداث نقلة حقيقية، غير أنّ المجتمع لم يكن مهيّأً لاستيعابها. فالحداثة لا تُختزل في مبانٍ حديثة أو قوانين جديدة، بل هي قبل كل شيء عقلية يومية تتشكل عبر تعليم حديث، وصحافة حرة، ونقاش عام حي، وطبقة وسطى مستقلة قادرة على إنتاج هذه القيم وحمايتها.

لماذا نجحت الحداثة في أوروبا؟

لم تنجح الحداثة في أوروبا لأنّها فُرضت كرؤية مستنيرة من أعلى، بل لأنّها كانت نتاج مسار تاريخي طويل وقاسٍ. لم تدخل القارة هذا التحول بقرار سياسي أو إصلاح إداري، بل عبر قرون من الحروب الدينية التي أنهكت المجتمعات وكسرت اليقينيات المطلقة، ودَفعت الناس إلى التشكيك في سلطة الكنيسة واحتكارها للحقيقة. وهي الفكرة التي يلحّ عليها عدد من الباحثين في دراسات الحداثة، مؤكدين أنّ البشر كائنات امتثالية بطبعها، لا تستجيب للتغيير إلا تحت وطأة الاضطرار وانسداد المخارج؛ لذلك فالحداثة الأوروبية لم تكن خيارًا ثقافيًا، بل كانت المهرب الوحيد من الفناء.

ومع صلح وستفاليا بدأت أوروبا تعيد تعريف مفهوم الدولة لا بوصفها كيانًا دينيًا، بل بوصفها كيانًا وطنيًا ذا حدود وقوانين. هذا التحول مهّد الطريق لولادة الدولة الحديثة، التي لم تعد تُدار باسم الخلاص الروحي، بل باسم النظام والمصلحة العامة. لاحقًا جاءت المنظومة المعرفية الحديثة لتعيد تشكيل علاقة الإنسان بالعالم، وتحرّره من التفسير الغيبي للكون، ثم تبعتها الثورة الصناعية التي غيّرت بنية المجتمع والاقتصاد والعمل، وخلقت طبقات جديدة فرضت مطالبها وحقوقها.

وقد يسأل سائل: إذا كانت الحداثة في أوروبا ثمرة مسار طويل من الصراعات الداخلية، فلماذا تقدّمت اليابان والصين رغم أنّهما لم تمرّا بالتجربة التاريخية نفسها؟

قد يكمن الجواب في أنّ البلدين دخلا الحداثة تحت ضغط صدمات قسرية كبرى، لا بدافع اقتناع فكري تدريجي أو تطور طبيعي للمجتمع.

في حالة اليابان، كانت ثورة ميجي في القرن التاسع عشر بداية زرع بذور الحداثة، حين فُرض الانفتاح تحت تهديد القوى الغربية، فكان التحديث ضرورة لدرء الاستعمار. لكنّ هذه المرحلة لم تكن تحوّلًا جذريًا في الوعي، بل كانت محاولة للالتقاط السريع لوسائل القوة الحديثة ضمن إطار الدولة التقليدية. أمّا نقطة التحول الحاسمة، فقد كانت القنبلة النووية وهزيمة الحرب العالمية الثانية التي شكّلت صدمة وجودية أعادت تشكيل الوعي الياباني، وسرّعت إعادة بناء الدولة والمجتمع على أسس حديثة. لم تكن القنبلة مجرد هزيمة عسكرية، بل لحظة إدراك قاسية أنّ بقاء اليابان صار مرهونًا بالانخراط الكامل في الحداثة، لا بالتحديث الجزئي أو المؤقت.

أمّا الصين، فقد كان مسارها أكثر قسوةً وطولًا. فقد واجهت منذ القرن التاسع عشر سلسلة من الإهانات التاريخية أمام القوى الغربية خلال حروب الأفيون، حين كُشفت هشاشة الدولة التقليدية وعجزها أمام التفوق العسكري والتقني الغربي. هذا الإذلال المتراكم زرع وعيًا صادمًا بأنّ النموذج القديم لم يعد قادرًا على حماية البلاد أو صون سيادتها. لاحقًا، جاءت الثورة الثقافية بما حملته من فوضى وعنف واسع النطاق، راح ضحيته آلاف البشر، لتكشف مرة أخرى حدود الإيديولوجيا المغلقة وخطورة القطيعة مع العقل والعلم والمؤسسات الحديثة. هذه التجارب القاسية دفعت الصين، من منظور براغماتي، إلى إعادة التفكير في ذاتها، والبحث عن سبل للبقاء عبر التحديث والانخراط في العالم بشروط جديدة.

في الحالتين، لم تكن الحداثة ثمرة نقاشات فلسفية أو خيارًا ثقافيًا حرًا، بل استجابة اضطرارية لصدمة وجودية واحدة: الخوف من الزوال. حين أدركت الدولتان أنّ البديل عن التحديث هو التفكك أو الفناء، هنا تحوّلت الحداثة إلى ضرورة.

غياب الصدمة التي تفرض الحداثة

المجتمعات الناطقة بالعربية، بحسب رؤية المفكر محمد أركون، لم تتعرّض لصدمة وجودية شاملة تُجبرها على إعادة تأسيس ذاتها من الجذور. لم يحدث انهيار كلي للدولة، ولا انكسار عميق في منظومة المعنى والهوية، ذلك النوع من الانهيار الذي يضع المجتمع أمام سؤال حاد: إمّا أن نتغيّر بالكامل وإمّا أن نهلك بغير رجعة. وبدون هذا السؤال القاسي، ظلّ الانتقال إلى الحداثة اختيارًا انتقائيًا، لا ضرورة تاريخية.

لذلك جاءت الحداثة في هذه المجتمعات حداثة سطحية؛ تعليم يُدرّس العلوم الحديثة بعقلية تلقينية، قانون حديث يُفرَّغ من روحه لصالح الأعراف والتقاليد والموروثات، وخطاب ديني واجتماعي يعيد إنتاج القرن السابع الميلادي داخل عالم رقمي. وبالتالي لم تُحسم معارك العقل مع النقل، ولا الفرد مع الجماعة، ولا النسبي مع المطلق.

كل ما سبق يوضح أنّ الأرض كانت ممهدة تمامًا لظهور تنظيمات تقدّم تفسيرًا مبسطًا لمشاكل الواقع، وتختزل أزمات معقدة في سردية مبسطة (نحن تخلفنا لأننا ابتعدنا عن طريق الدين)؛ فرغم ضحالة الفكرة وسطحيتها، فإنّ قطاعًا واسعًا من المجتمع تبنّاها. لذلك ما تشهده دول كالسودان وليبيا وسوريا من أزمات طاحنة، وكلفة إنسانية باهظة، يمثل في جوهره المخاض العنيف لولادة الحداثة على المدى البعيد. فالتاريخ يؤكد أنّ التحولات الكبرى وتفكيك اليقينيات الإيديولوجية المتحجرة لا تحدث في فترات الاستقرار الهش، بل هي حصيلة تضحيات مريرة وتجارب قاسية تفرضها ضرورة البقاء. فالحداثة ليست منحة تُمنح، وعندما تصل المجتمعات إلى هذا الوعي، تتلاشى تلقائيًا جماعات مثل الإخوان، لانتفاء العلة وانتهاء السبب الذي أوجدها من الأساس.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية