
وفق آليات العمل السياسي فإنّ الواقع القائم هو الأصل والحاكم، فالواقع وما يتم إنجازه هو ما يبني شعبية السياسي، وكذلك هو هدفه الذي يُعلنه ويبني عليه برنامجه السياسي الذي يُقدمه بهدف اختياره ليملك سلطة تنفيذ هذا البرنامج، ومع تيارات وتنظيمات الإسلام السياسي نجد نوعًا آخر من التأصيل، حيث تؤصل لشرعيتها السياسية بتأصيل ديني، وبهذا ينتقل طرحها السياسي من الإطار الإنساني إلى الإطار الإلهي، فتقدّم طرحها بوصفه رغبةً وغايةً إلهية ملازمة لنصرة الدين والحق.
ووفق تأصيلها ينتقل الأمر من وضعه السياسي التنافسي ويأخذ أبعادًا إيمانية ويحمل مفردات إيمانية ذات مضامين سياسية. فالتيارات الأصولية لا تُقَدِّمُ شرعيتها السياسية مقابل تحري أزمات الواقع وتجاوزها، ولكن تقدّمها بوصفها شرعيةً إلهيةً؛ أي أنّها الحكم الإلهيُّ الصالحُ في مقابل الحكم الإنساني القاصر الذي تطلق عليه عادة حكم الهوى، ووفق طبيعة العمل السياسي الذي تحكمه الشعبية والمصلحة فإنّ الدين هنا لا يكون أكثر من أداة ضمن أدوات هذه الجماعات، تسعى لاستغلاله وتسليعه سياسيًا لتبني شعبيتها، وتصفي خصومها من خلاله.
إن الحكم إلا لله
لم يخطر لأحد أن يسعى في تسليع القرآن سياسيًا قبل المُنَظِّرِ الرئيس للجماعات الجهادية والإسلام السياسي "سيد قطب" (1906-1966)، فهو أوّلُ من نادى بمبدأ الحاكمية في الفكر المُعاصر بعد الخوارج، وهو مبدأ يستند إلى قول الله تعالى: "إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ"، ومبدأ الحاكمية مفادهُ أنْ يكون الحُكم لله، وهي مقولةٌ مبهمةٌ غير واضحة المعالم والتطبيق، فهل سينزل الله عزّ وجلّ ليحكم بنفسه بين الناس؟ أم هي محاولة تَخَفٍّ خلفَ القرآن واستغلاله سياسيًا، وذلك لما يحمله من قدسية في نفوس المسلمين تجعله مفتاحًا لأيّ خطابٍ أو شرعية، ليحكم من خلفه سيد قطب وجماعة الإخوان المسلمين؟
وعبارة "إن الحكم إلا الله" غير المحددة المعالم لا تمثل إلا محاولة سحب الشرعية من السلطة الموجودة، وذلك بحجة عدم امتثالها إلى حكم الله، ودخول الحكم الإلهي ساحةَ المنافسة السياسية يُلبسها طابعًا إيمانيًا، ويجعل الاختلاف مع الفرقة التي تتخفى خلفه اختلافًا مع الله، وهذا ما فعله "سيد قطب" حين رأى أنّ النظم السياسية الحالية تقوم على أساس السطو على سلطان الله في أرضه من البشر، وعلى الحاكمية التي يراها أخصّ خصائص الألوهية، ومن ثم فإنّ العالم يعيش حالة من الإفلاس القيمي الذي يضعه في جاهلية تامة، رغم التقدم الحضاري الذي يسمّيه التقدم المادي. وهذه الجاهلية يُطلق عليها "قطب" الجاهلية الثانية.
وكلُّ مجتمع يحكمه بشر هو جاهليٌ في نظر "سيد قطب"، فهو يجعل البشر بعضهم لبعض أربابًا، ليس بالصورة البدائية المعروفة، ولكن في صورة ادّعاء حق وضع الشرائع، والقوانين، والقيم والأنظمة، بعيدًا عن المنهج الإلهي للحياة. ويتمثل المنهج الإلهي للحياة في المنهج الإسلامي، لأنّه يُحرر الناس من عبادة البشر لعبادة الله عزّ وجلّ. ومن طريق الحاكمية والقول بها ينفي "قطب" القدرة البشرية على صياغة القوانين والشرائع الاجتماعية، ويصفها بأنّها عبودية البشر لبعضهم البعض، ومن ثم تُعَدُّ شِركًا. وتتمثل الحرية عنده في ترك الحكم لله والاحتكام لكتابه وسنّته، ويرى أنّ هذا لا يتحقق في المجتمعات المسلمة ولا المجتمعات غير المسلمة.
القرآن دستور الحكومة
والحكم لله وفْق المُنظّر الرئيس للجماعات الجهادية "سيد قطب" يكون عن طريق اتخاذ النص القرآني دستورًا حاكمًا يجب على الجميع الإذعان له وتنفيذ أوامره والعمل به؛ فقد جعل القرآنَ مصدره الأساسي ولا يعود إلا إليه. ويقرُّ "قطب" في كتابه "معالم في الطريق" بوجود نمطين للتعامل مع القرآن؛ أوّلهما النمط السلطوي المتضمن اتخاذه منبعًا للسلوك الإنساني من الله، لا يملك الإنسان حياله سوى تنفيذه بوصفه مجموعةً من الأوامر الإلهية، وهذا ما فعله الجيل الأوّل من الصحابة كما يذكر "قطب". أمّا النمط الثاني، فإنّه ينظر إلى القرآن بقصد الدراسة والإمتاع، وهو النمطُ السائد في هذا العصر. ويرى أنّ الخروج من وضع الجاهلية الثانية يأتي من تحكيم القرآن على منابع السلوك البشري، ويُحتّم على البشرية أن تفعل ما فعله الجيل الأوّل من الصحابة للخروج من الجاهلية الأولى، وهو توحيد منابع السلوك الاجتماعي والفردي، والقوانين، لتتمثل جميعها في القرآن.
ويصرّ "قطب" على تغيير نمط التعامل مع القرآن بوصفه موضعَ دراسةٍ ونقاشٍ وتساؤلٍ وإمتاعٍ وتذوقٍ، ليصبح نافذةً يحكم الله عزّ وجلّ من خلالها؛ ومن ثم علينا الانصياع لأوامره كما فعل الجيل الأوّل من الصحابة باتخاذهم الآيات القرآنية أوامر عسكرية عليهم تنفيذها، وهو أمرٌ ينفيه الاستقراء التاريخي، ولكن يُصِرُّ عليه "سيد قطب". وعليه لخص "قطب" مصادر المعرفة في الوحي والنص، والكون والحياة، مستندًا في هذا إلى قوله عزّ وجلّ في سورة الجاثية: "ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ" (18)، وحثه على تدبر الكون في مواضع عديدة في القرآن.
تماهي قطب مع الله والقرآن
يصف "قطب" محاولته التفسيرية للقرآن في كتابه "في ظلال القرآن" بأنّها قنطرةٌ يَعْبُرُ عليها الإنسان البعيد عن القرآن إلى القرآن، وكلّ مراده أن ينقل الإنسان داخل القرآن، وعدم تحقق هذا المراد يعني أنّه لم يقدم شيئًا، وتُمثل محاولته لتفسير القرآن خطوةً نحو قيادة الوعي الجمعي وإعادة تكوينه وفْق مبدأ الحاكمية، ليحكم القرآن ومن خلفه "سيد قطب" وجماعته "جماعة الإخوان المسلمين".
ووفق الوضع الإرشادي الذي اتخذه "قطب" سادت لهجة القيادة والإرشاد والتبليغ في خطابه، وخرج عن الإطار البشري وأصبح يتحدث بغاية الله عزّ وجلّ ومراده. ويتحدث عن مراد الله ـ بوصفه العارف بمراده ـ فيقول في كتابه "معالم في الطريق": "الله ـ سبحانه ـ كان يريد بناءَ جماعةٍ وبناءَ حركةٍ وبناءَ عقيدةٍ في وقت واحد...، كان يريد أن يبني الجماعة والحركة، وأن يبني العقيدة بالجماعة والحركة". وجملة "الله سبحانه كان يريد" تفترض ضمنيًا تطابقًا تامًّا بين تفسير "قطب" ومقصد الله، فهو يزعم أنّ مراد الله هو بناء جماعة وحركة، متغافلًا عن تنافي هذا التصور مع دعوة القرآن الكونية بقوله تعالى في سورة الأنبياء: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" (107).
ووضع "قطب" نفسه موضعَ نبوةٍ، وَعَدَّ مشروعَه ومشروعَ جماعتِه طريقَ الخلاص لهذا العالم، كونه المُبلّغ عن الله، وتعامل "قطب" مع القرآن على أنّه رسالةٌ مُشفرةٌ ويحمل هو كودها التشفيري، أو أنّه عرّافٌ يعرفُ أسرارَهُ الكامنة وحقيقته النهائية، وطرح قراءته لتصيرَ قراءةً تحمل المعنى الكامن في الضمير الإلهي ولا يملك الفرد حيالها غيرَ التسليم، واستبعد كونَ قراءتِه تُمَثِّلُ قراءةً بشرية، تحمل في طياتها الانحيازات والأخطاء البشرية الطبيعية. وإذا كان للقرآن أن يحكم، فإنَّ نمطَ التعامل هذا مع القرآن يجعل الحكم الفعلي "لسيد قطب"، وذلك لعلمه بشفرات القرآن وأسراره، والمعنى الكامل والنهائي له، وعليه يصبح قابضًا على قوانين التاريخ والاجتماع، ومجاوزًا لها، ومن ثم فإنّ رؤيته هي الرؤيةُ الصحيحة كليًّا وعلى الدوام.
ومحاولة "قطب" ما هي إلّا التأسيس الديني للحكم السياسي، ويصرّح بأنّ "هذا الدين معناه تحطيم مملكة البشر لإقامة مملكة الله في الأرض، أو بتعبير القرآن الكريم "وهو الذي في السماء إلهٌ وفي الأرض إلهٌ"، فهو يؤسس مدينة جديدة تكون العقيدة هي أساسها وجنسيتها؛ "لأنّ الجنسية التي يريدها الإسلام للناس هي جنسية العقيدة، التي يتساوى فيها العربيُّ والرومانيُّ وسائرُ الأجناس والألوان تحت راية الله"، ويكون الحكمُ فيها للشريعة الإلهية، ويكون مردُّ الأمر إلى الله وفقًا لما قرّره من شريعة مبينة، وإلغاء كلّ قوانين البشر، وهي ذريعة ليكون الحكم مطلقًا له، ولجماعته دون حساب، ولتصفية مخالفيهم بدون تكلفة أو مجهود.


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%85_0.jpg.webp?itok=QEuO2sEV)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B9%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A_0_0.jpg.webp?itok=ZyKoW2DS)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD_4_0_0_2_0.jpg.webp?itok=bcMsNu4F)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/00_70_0_0.jpg.webp?itok=l2E0VzN5)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%8A%D9%8A_0_0.jpg.webp?itok=8x2y4tXt)






![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-06-09%20131749.png.webp?itok=B5k53ons)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_21_0_1_0_1.jpg.webp?itok=q7N1wZUW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/329b82cb8109e77c619ec868801bf4ea.jpg.webp?itok=AJgYhHv4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_1.jpg.webp?itok=lILRfShi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_1_0_0.jpg.webp?itok=8SLd47GI)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_43_0_2_0.jpg.webp?itok=XLNioOKD)