
في قلب القرن الأفريقي، حيث تتشابك الصراعات العرقية والدينية والسياسية، وتتصاعد تهديدات الجماعات الجهادية المسلحة، تبرز إثيوبيا بوصفها حالة خاصة فيما يتعلق بوجود وتأثير جماعة الإخوان المسلمين. فعلى عكس دول عربية وأفريقية أخرى شهدت حضورًا تنظيميًا واضحًا للجماعة بهياكل هرمية وقيادات معلنة، تبدو الساحة الإثيوبية مختلفة؛ إذ لا يظهر فيها تنظيم مركزي معلن، ولا كيان سياسي أو دعوي يحمل اسم الجماعة بشكل رسمي.
ورغم هذا الغياب التنظيمي الظاهر، فإنّ الأفكار المتأثرة بالإخوان تسللت منذ أوائل التسعينيات إلى بعض الأوساط الطلابية والدعوية، ونسجت شبكات محدودة وغير متجانسة، اختارت العمل في الظل، وتجنبت الصدام المباشر مع الدولة أو الانخراط في أيّ نشاط عسكري. وفي ظل صعود حركة الشباب الإرهابية في الصومال والمنطقة، يثور التساؤل حول طبيعة علاقة هذا التيار الفكري الإخواني في إثيوبيا بالجماعات الجهادية، وحدود تأثيره الحقيقي في المشهد الأمني والسياسي الإقليمي.
حضور فكري بلا تنظيم مركزي
بدأ ظهور الأفكار المتأثرة بجماعة الإخوان المسلمين في إثيوبيا منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي، في سياق تحولات سياسية كبرى شهدتها البلاد عقب سقوط نظام "منغستو هيلا مريام"، وما رافق ذلك من انفتاح نسبي في المجال الديني والمدني. وكان المدخل الأساسي لهذا الحضور عبر مجموعات طلابية في جامعة أديس أبابا، عُرفت لاحقًا باسم "الحركة الفكرية"، إلى جانب تأسيس جمعية الشبان المسلمين الإثيوبية في الفترة نفسها.
منذ البداية اتسم هذا الحضور بطابع غير رسمي، وتجنب الإعلان عن أيّ تبعية تنظيمية خارجية لجماعة الإخوان الأم. ولم يظهر في إثيوبيا نموذج التنظيم الهرمي المعروف، بل نشأت خلايا صغيرة، غالبًا ما تضمّ ما بين (8 إلى 10) أفراد، تنشط داخل الجامعات وبعض المدن الكبرى. واعتمدت هذه المجموعات على الجمعيات الخيرية والمراكز الدعوية والثقافية غطاءً لنشاطها، مستفيدة من المساحات التي يتيحها العمل الاجتماعي والديني.
وبرزت أسماء محلية لعبت أدوارًا تأسيسية، مثل: "إدريس محمد " و"حسن تاجي"، مع حرص واضح على نفي أيّ ارتباط تنظيمي رسمي بالإخوان خارج البلاد. وجرى استخدام شبكة من المساجد، وحلقات التحفيظ، والمراكز الشبابية، وجمعيات مثل جمعية الشباب المسلم، وجمعية البركة، وجمعية النهضة، إضافة إلى مؤسسات تعليمية وثقافية، أبرزها مركز الثقافة والبحوث الإسلامية الذي افتتح عام 2003 قبل إغلاقه عام 2011.
ويتركز هذا النشاط نسبيًا في مناطق بعينها، مثل إقليم عفار، وبني شنقول، والمناطق الحدودية مع الصومال وجيبوتي، حيث تتداخل العوامل الدينية والعرقية والحدودية. ويؤكد مراقبون أنّ غياب الهيكل المركزي ليس حالة عارضة، بل هو خيار مقصود، فرضته اعتبارات أمنية ودينية، خاصة في ظل هيمنة التيار السلفي على المساجد الكبرى والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، إلى جانب الحضور الصوفي التاريخي في البلاد.
شبكة علاقات إقليمية حذرة وموقف من حركة الشباب
على المستوى الإقليمي لم تنجح المجموعات المتأثرة بالإخوان في إثيوبيا في بناء علاقات تنظيمية مع جماعة الإخوان في السودان، رغم القرب الجغرافي. في المقابل تأثرت هذه المجموعات بالرافد الإخواني الصومالي، خصوصًا مع موجات النزوح التي أعقبت سقوط نظام سياد بري، وهو ما أتاح تفاعلًا اجتماعيًا وفكريًا، دون أن يتحول إلى شبكة تنظيمية عابرة للحدود.
ووفقًا لمصادر (حفريات) الخاصة، فإنّ هذا التيار يتسم بحذر شديد في تحركاته، ويتجنب أيّ انخراط في العنف أو دعم المواجهة العسكرية، وبناء على ذلك التوجه البراغماتي، التقى الدكتور علي باشا عمر حاج، زعيم حركة الإصلاح الإخوانية في الصومال، مطلع أيلول (سبتمبر) الماضي بالشيخ "محمد أحمد"، الأمين العام لمجلس العلماء بولاية عفار، الذي يعتنق الفكر الإخواني. ووفق المصدر، تم اللقاء بإذن رسمي من الحكومة الإثيوبية، وجرى خلاله شبه اتفاق على الانحياز للرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في حربه ضد حركة الشباب الإرهابية.
وتؤكد المصادر ذاتها أنّ قيادات إخوانية محلية، مثل الحاج كيرال حليفا، رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بولاية بني شنقول، اتفقت في اجتماعات داخلية على الاستمرار في تقديم الجماعة من خلال الأفراد فقط، وعدم الإعلان عن أيّ كيان رسمي، مع الامتناع عن الخوض في الصراعات الإقليمية، باستثناء الملف الصومالي، حيث يعلن التيار دعمه للجيش الصومالي في مواجهته لحركة الشباب.
وفي السياق نفسه، استقبل القيادي الإخواني الصومالي "علي الشيخ أحمد أبو بكر" وفدًا علمائيًا إثيوبيًا أواخر آب (أغسطس) الماضي، وتركز اللقاء على تقديم الرعاية الدينية والاجتماعية للاجئين الصوماليين في إثيوبيا، ودعم الجهود الأمنية ضد الحركات الجهادية في القرن الأفريقي.
ورغم تداول بعض التفاعلات الفردية على وسائل التواصل الاجتماعي التي أبدت ابتهاجًا بتفجير حركة الشباب لقاعدة "سيمبا" الأمريكية في كينيا عام 2020، فإنّ ذلك لم يُترجم إلى أيّ موقف رسمي أو دعم معلن.
وتُظهر الوقائع الميدانية في إثيوبيا أنّ الأنشطة التي تقوم بها حركة الشباب، بوصفها الذراع الإرهابية الأكثر قوة في القرن الأفريقي، استقت أفكارها الجهادية من حركة الإخوان في كل من الصومال وإثيوبيا. لكنّ غياب البنية التنظيمية الإخوانية القادرة على تنفيذ أو دعم مثل هذه الأنشطة أدى إلى عدم وجود تنسيق عملياتي، ومن جهة أخرى فإنّ تموضع الإخوان فكريًا وسياسيًا إلى جانب الدولة، رغبة في الوصول إلى الحكم، جعل التخادم يجري سرًا في معظم الأحوال.
وعلى الرغم من وجود اختراق إخواني غير منظم داخل المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في إثيوبيا، فهو لا يرقى إلى مستوى تنظيم هيكلي متماسك، بل يظل في إطار تأثير فكري محدود داخل مؤسسة دينية تخضع بدورها لتوازنات داخلية معقدة بين السلفيين والصوفيين والتيارات الأخرى.
وتكشف تجربة جماعة الإخوان المسلمين في إثيوبيا عن نموذج مختلف عن الصور النمطية السائدة حول الجماعة في المنطقة العربية. فهنا نحن أمام تيار فكري مُتشظٍ، غير معلن، يفتقر إلى التنظيم المركزي والقدرة السياسية أو العسكرية، ويتحرك بحذر شديد وبانتهازية في بيئة دينية وأمنية معقدة.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3_193_0.jpg.webp?itok=nRwtHFUN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%84%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AF%D8%A7_0_1.jpg.webp?itok=tTV7VYQo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_2.jpg.webp?itok=3IurMJHw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%86_0_0_1_1.jpeg.webp?itok=zqlZO66d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/011_5.jpg.webp?itok=4ZjqR8pK)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%A7%D8%AE%D9%84%D9%8A_1_3_1_1.jpg.webp?itok=o3ONEK_p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_3_1_7_2_0_1_0_1.jpg.webp?itok=fFpTXApw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_3.jpeg.webp?itok=hc_VaQOg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D8%A7%D9%85_2_1_1_0_1_3_0.png.webp?itok=B_aqJ73A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84_1_5.jpg.webp?itok=hCdKmnI4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD_38.jpg.webp?itok=jH4JYkNB)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%B4%D8%A71.jpg.webp?itok=kuO7Yy_d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/011_4.jpg.webp?itok=0QR5maRr)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_27.jpg.webp?itok=3Lue5fk6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_3_0.jpg.webp?itok=XgfaK1jy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_2.jpeg.webp?itok=R9lPs42T)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D9%84%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=TYJr2e66)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/4e45cd14-609d-41dc-8337-47bdff5ee0cc_0.png.webp?itok=aZAFci1K)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B2%D8%BA%D9%88%D9%84_0.png.webp?itok=JrmJPh7m)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ViYLxN7VkltvpvRG-BjwxijOzunHI9I_yZcM-e_K1TvKFCw4ds6oGRnGjeoTuODbDJZmxErM8WUpMaoSmGVs1o2jjcTozGzw4UwThDP3UDzeljr5wkQNDW3VWrMykNYUsRHwLAOMXx7_q52ErSNBggk2RD-IprWZcNisyCgWBHQYHnnJWha4GC1CQRvIuX5h%20%281%29.jpg.webp?itok=iKGLY69d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/GDwvCo_zMvwWviO1UBjZOIncr8lBppACdNT5J2TgfLKiQt_Gch5Mbarh28Jo_9qBwcr2yCAGeE6sde8thVaLC2axkS3EdFlt0lVf9sRMY3oGNK4DR-i8hDLKVbVwbGpBttMNqPlZ0db_UOo4RUv8BtbOP3ye6_zuKhmtGTMdUL1NuxY8S1_j8dcMOIUPl9Ht%20%281%29.jpg.webp?itok=nS9xUUct)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA_0_1.jpg.webp?itok=PBow1BGf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A7_82_1_2_0_0_0_0_1.jpg.webp?itok=--QJOt8O)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
