
في بنغلاديش، جاءت تصريحات لطيف الرحمن، عضو اللجنة المركزية ومجلس شورى الجماعة الإسلامية، ومرشح الجماعة عن دائرة شابي نواب غانج-3، لتسلّط الضوء على جملة من التناقضات السياسية التي تتجاوز مجرد "زلة لسان" أو الاجتهاد الفردي العابر. فالتصريحات التي أطلقها لطيف الرحمن في لقاء شعبي علني في30 كانون الأول (ديسمبر) الماضي، وانتشرت لاحقًا عبر مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي، لم تكن دعوة وعظية أو خطابًا دينيًا عامًا، بل حملت مضمونًا سياسيًا صريحًا، تضمّن وعودًا بالحماية القانونية، والتكفّل بقضايا الفساد السياسي أمام المحاكم ومراكز الشرطة، بهدف استقطاب عناصر من أحزاب سياسية منافسة، على رأسها رابطة عوامي والحزب الوطني، وتجاوز ذلك إلى الإيحاء بقدرة الجماعة على التأثير المباشر في عمل أجهزة الدولة الأمنية.
ورغم محاولة الجماعة الإسلامية لاحقًا احتواء الموقف عبر بيان رسمي يؤكد أنّ ما صدر عن لطيف الرحمن يمثل رأيًا شخصيًا لا يعبّر عن موقف الحزب، فإنّ الفجوة بين ما قيل علنًا وما نُفي رسميًا كشفت عن إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة الخطاب السياسي داخل الجماعة، وحدود الانضباط التنظيمي، وسؤال الشرعية السياسية في مرحلة انتقالية شديدة الحساسية.
خطاب استقطاب فج
تصريحات لطيف الرحمن تعكس فجاجة الخطاب السياسي للإخوان في لحظة الشعور بالقوة، ففي هذا اللقاء قدّم نفسه كفاعل قوي قادر على إعادة ترتيب موازين القوة المحلية، وحلّ القضايا الكبرى، وتوفير مظلة أمان لكل من يقرر الانضمام إلى الجماعة مهما كانت جرائمه السابقة. حيث قال صراحة إنّ الجماعة ستتحمّل مسؤولية العفو عن القادة والناشطين من حزب رابطة عوامي الذين أُقصوا عن الحكم بعد ثورة الشباب، إذا ما انضموا إلى صفوف الإخوان. ولم يتوقف الأمر عند العفو الرمزي أو الدعم المعنوي، بل شمل ـ بحسب كلمته ـ القضايا القانونية، والمحاكم، ومراكز الشرطة، في إيحاء واضح بأنّ الجماعة تمتلك نفوذًا يسمح لها بالتدخل في مسار العدالة.
هذا الخطاب يبتعد بوضوح عن الخطاب التقليدي، ويدخل في نطاق المساومة السياسية، حيث تُقدَّم الجماعة بوصفها ملاذًا آمنًا لمن يواجهون ملاحقات أو تهديدات قانونية. والأخطر من ذلك أنّ لطيف الرحمن قدّم هذا العرض بوصفه أمرًا واقعًا، لا مجرد طموح، حين قال إنّه "يتحكّم في جميع القضايا الرئيسية في منطقة شابي نواب غانج". وإنّه يحل محل القادة الآخرين في معالجة المشكلات المحلية.
لم يقتصر الاستقطاب، وفق تصريحاته، على المسلمين أو المنتمين إلى أحزاب إسلامية، بل شمل حتى الهندوس، إذ قال إنّه دعا إخوته من الهندوس إلى الانضمام، في خطوة يمكن قراءتها كمسعى لتوسيع القاعدة السياسية للجماعة تحت غطاء سياسي شامل.
التصريحات تضمنت أيضًا استخدام لغة عاطفية، حين أشار لطيف الرحمن إلى أنّه ينتمي إلى أسرة كانت مرتبطة سابقًا برابطة عوامي، وأنّ تحوّله الإيديولوجي بدأ عام 1976 بفضل التنظيم الطلابي المرتبط بالجماعة الإسلامية؛ بهدف إيصال رسالة مفادها أنّ التحوّل ممكن، وأنّ الانضمام إلى الجماعة لا يُعدّ خيانة، بل عودة إلى الطريق الصحيح.
محاولات التنصل والالتفاف
مع انتشار مقاطع الفيديو التي توثق تصريحات لطيف الرحمن، تصاعدت ردود الفعل داخل الأوساط السياسية والإعلامية في بنغلاديش. فالتصريحات، بصيغتها المباشرة، وضعت الجماعة الإسلامية في موقف حرج، خاصة في ظل خطابها المعلن الذي يدعو إلى محاسبة قيادات رابطة عوامي وتجميد الحزب، لا إلى استيعاب عناصره وتقديم ضمانات لهم.
في الأول من كانون الثاني (يناير) حاول لطيف الرحمن احتواء الموقف عبر تصريحات إعلامية قال فيها إنّ ما قصده لم يكن سوى دعوة الناس إلى طريق الإسلام، بغض النظر عن انتمائهم الحزبي، وإنّ حديثه عن رابطة عوامي والحزب الوطني والهندوس كان في إطار دعوة عامة لإقامة شرع الله. غير أنّ هذه المحاولة بدت أقرب إلى إعادة تفسير متأخرة، بل إلى تلاعب لغوي، خاصة أنّ التسجيلات المصورة أظهرت بوضوح استخدامه عبارات ذات مضمون سياسي محدد.
هذا التناقض بين النص الموثّق بالصوت والصورة، وبين التفسير اللاحق، أضعف مصداقية التراجع، وفتح الباب أمام تساؤلات حول ما إذا كان الخطاب الأول يعكس قناعة حقيقية، بينما جاء الخطاب الثاني استجابة للضغط السياسي والتنظيمي.
اللافت أنّ لطيف الرحمن، في خطابه الأول، لم يبدُ مترددًا، بل تحدث بثقة عالية عن القوة التي باتت تتمتع بها الجماعة مقارنة بالماضي، وعن قدرتها على توفير الأمان والحماية. هذه الثقة تتناقض مع تصوير الجماعة لنفسها، في خطابها الرسمي، كفاعل سياسي يعمل ضمن الأطر القانونية والمؤسسية.
الأكثر إشكالًا في تصريحاته كان حديثه عن توجيه الشرطة والتحريات، حين قال إنّ الشرطة كانت ترسل دوريات إلى منازل أشخاص غادروا رابطة عوامي بعد انضمامهم للجماعة، وإنّه يوجه فرع التحريات، قائلاً لرجال الشرطة: "لا تزعجوا هؤلاء". هذا الجزء من الخطاب السياسي يدخل في نطاق التأثير المباشر على أجهزة إنفاذ القانون، وهو ما يضع الجماعة في مواجهة مباشرة مع مفهوم الدولة وسيادة القانون.
ردّ الجماعة يكشف عن خلل تنظيمي
أمام تصاعد الجدل اضطرت الجماعة الإسلامية في بنغلاديش إلى إصدار بيان رسمي في الأول من كانون الثاني (يناير)، على لسان إحسان المحبوب زبير، نائب الأمين العام ورئيس قسم الإعلام والدعاية المركزي. البيان نفى وجود أيّ صلة رسمية بين تصريحات لطيف الرحمن وموقف الحزب، مؤكدًا أنّها تمثل رأيًا شخصيًا بحتًا ولا تُعبّر عن الخط السياسي للجماعة.
وشدّد البيان على أنّ الجماعة "لا تتبنّى هذه التصريحات بأيّ حال ولا توافق عليها"، وأنّها قامت بتحذير لطيف الرحمن داخليًا حفاظًا على الانضباط التنظيمي ووضوح المواقف، وأكّد أنّ ما نُسب إلى الجماعة في هذا السياق لا يعكس رؤيتها السياسية، خاصة فيما يتعلق برابطة عوامي.
هذا النفي فتح بابًا أوسع للنقد، ذلك أنّ لطيف الرحمن ليس عضوًا عاديّا، بل هو قيادي في اللجنة المركزية ومجلس الشورى. وبالتالي فإنّ الفصل التام بين "الرأي الشخصي" و"الموقف الحزبي" يصبح أكثر تعقيدًا، ويطرح سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن لقيادي بهذا المستوى أن يطلق تصريحات بهذا الحجم دون أن تعكس، ولو جزئيًا، نقاشات أو توجّهات داخل الجماعة؟
التناقض ظهر أكثر وضوحًا بمقارنة خطاب لطيف الرحمن بخطاب الجماعة المعلن الذي يدعو إلى محاكمة قيادات رابطة عوامي وتجميد الحزب. ففي حين قدّم القيادي عرضًا سياسيًا قائمًا على الاستيعاب والحماية، تمسكت الجماعة بخطاب الإقصاء والمساءلة. هذا التباين لا يمكن تفسيره فقط بكونه خطأ فرديًا، بل يشير إلى صراع داخلي حول الاستراتيجية الأنسب في مرحلة ما بعد الثورة.
الواقعة تكشف أيضًا عن إشكالية أعمق تتعلق بحدود المركزية والانضباط داخل التنظيم. فإمّا أنّ الجماعة تعاني من ضعف في السيطرة على خطاب قياداتها، وإمّا أنّ هناك تيارات داخلها ترى ضرورة ممارسة الاستقطاب النفعي وممارسة الانتهازية السياسية وحماية الفساد، بداعي الشعور بالقوة واقتراب لحظة التمكين.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3_193_0.jpg.webp?itok=nRwtHFUN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%84%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AF%D8%A7_0_1.jpg.webp?itok=tTV7VYQo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_2.jpg.webp?itok=3IurMJHw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%86_0_0_1_1.jpeg.webp?itok=zqlZO66d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/011_5.jpg.webp?itok=4ZjqR8pK)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%A7%D8%AE%D9%84%D9%8A_1_3_1_1.jpg.webp?itok=o3ONEK_p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_3_1_7_2_0_1_0_1.jpg.webp?itok=fFpTXApw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_3.jpeg.webp?itok=hc_VaQOg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D8%A7%D9%85_2_1_1_0_1_3_0.png.webp?itok=B_aqJ73A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84_1_5.jpg.webp?itok=hCdKmnI4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD_38.jpg.webp?itok=jH4JYkNB)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%B4%D8%A71.jpg.webp?itok=kuO7Yy_d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/011_4.jpg.webp?itok=0QR5maRr)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_27.jpg.webp?itok=3Lue5fk6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_3_0.jpg.webp?itok=XgfaK1jy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_2.jpeg.webp?itok=R9lPs42T)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D9%84%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=TYJr2e66)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/4e45cd14-609d-41dc-8337-47bdff5ee0cc_0.png.webp?itok=aZAFci1K)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B2%D8%BA%D9%88%D9%84_0.png.webp?itok=JrmJPh7m)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ViYLxN7VkltvpvRG-BjwxijOzunHI9I_yZcM-e_K1TvKFCw4ds6oGRnGjeoTuODbDJZmxErM8WUpMaoSmGVs1o2jjcTozGzw4UwThDP3UDzeljr5wkQNDW3VWrMykNYUsRHwLAOMXx7_q52ErSNBggk2RD-IprWZcNisyCgWBHQYHnnJWha4GC1CQRvIuX5h%20%281%29.jpg.webp?itok=iKGLY69d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/GDwvCo_zMvwWviO1UBjZOIncr8lBppACdNT5J2TgfLKiQt_Gch5Mbarh28Jo_9qBwcr2yCAGeE6sde8thVaLC2axkS3EdFlt0lVf9sRMY3oGNK4DR-i8hDLKVbVwbGpBttMNqPlZ0db_UOo4RUv8BtbOP3ye6_zuKhmtGTMdUL1NuxY8S1_j8dcMOIUPl9Ht%20%281%29.jpg.webp?itok=nS9xUUct)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA_0_1.jpg.webp?itok=PBow1BGf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A7_82_1_2_0_0_0_0_1.jpg.webp?itok=--QJOt8O)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
