الإسلاميون والفكر المسيّس

الإسلاميون والفكر المسيّس

الإسلاميون والفكر المسيّس


31/12/2025

تظل ظاهرة طغيان التفكير المسيّس على خطاب الإسلاميين سمة رئيسية ومستمرة، حيث تختزل سُبل الإصلاح والبناء الاجتماعي والثقافي في بوابة واحدة ووحيدة هي السياسة. إنّ هذا الاختزال يمثل إشكالية عميقة تتلخص في الاعتقاد بأنّ السياسة ليست وسيلة، بل هي شرط وغاية قصوى بالضرورة الاستحواذ عليها بأيّ طريق من الطرق، وهذه مسألة ضاربة في القِدم، في تفكير الإسلاميين بخروجهم على الحاكم، وتعود إلى ما يقرب من قرن من الزمن.

نشأت الحركات الإسلامية المعاصرة، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين المؤسسة عام 1928م، كاستجابة جذرية وعميقة للتحولات التاريخية العاصفة والصدمة الحضارية المؤلمة التي تعرّض لها العالم الإسلامي في القرنين التاسع عشر والعشرين. هذه النشأة لم تكن مجرد امتداد بسيط ومباشر لحركة الإصلاح والنهضة التي قادها رواد عظام كـ (رفاعة الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده)، الذين ركّزوا بشكل أساسي على الإصلاح الثقافي، والتعليمي، والأخلاقي، محاولين التوفيق بين أصول الشريعة ومتطلبات المدنية الحديثة. بل مثلت مرحلة جديدة تتسم بالتركيز الحاد على البُعد السياسي، وقد انبثقت تحديداً من أزمة وجودية حادة ومفصلية تسبب بها حدث تاريخي لا يمكن تداركه وهو سقوط الخلافة العثمانية وإلغاؤها رسمياً عام 1924م على يد مصطفى كمال أتاتورك.

شكّل إلغاء الخلافة نقطة تحول عميقة وغير مسبوقة في تاريخ الفكر السياسي الإسلامي الحديث. فبالرغم من ضعفها وتدهورها في فتراتها المتأخرة وتحولها إلى "الرجل المريض" أوروبياً، كانت الخلافة العثمانية الأخيرة تمثل رمزاً شرعياً وروحياً جامعاً لوحدة الأمّة الإسلامية، ومظلة تاريخية للدول والمجتمعات الإسلامية المتفككة والواقعة تحت السيطرة الاستعمارية. إزالة هذا الرمز وإلغاء المؤسسة واستبدالها بالنظم الغربية الأوروبية القائمة على القومية العلمانية خلق فراغاً هائلاً وشاملاً على المستويين السياسي والنفسي، ودفع بالهوية الإسلامية إلى مواجهة مباشرة وعنيفة مع مشروع التغريب الشامل والقوميات العلمانية المتصاعدة في المنطقة. هذه اللحظة لم تكن مجرد خسارة سياسية، بل كانت نهاية رمزية لتاريخ طويل من الحكم الإسلامي المركزي.

هذا الفراغ الكياني أحدث تحولاً جذرياً في أولويات الفكر في العالم الإسلامي. فبدلاً من الاستمرار في التركيز على الإصلاح الثقافي والمعرفي، الذي كان يهدف إلى بناء القدرات الداخلية وتوطين العلوم الحديثة، تحوّل جزء كبير من الاهتمام بشكل مفاجئ ومهيمن إلى البحث عن كيان سياسي ضائع. لقد عزز هذا الحدث الاعتقاد، لدى الجيل الجديد، بأنّ جلّ مشاكل العالم الإسلامي ومظاهر التخلف والاستعمار تكمن في الجانب السياسي وفي غياب دولة إسلامية حاكمة، أي في الوسيلة لا في المحتوى. هذا الإحساس بالخطر الوجودي دفع الأجيال اللاحقة للبحث عن فكرة سياسية جامعة تؤكد جدارة الإسلام في الحكم لمواجهة الاستعمار والتغريب، ومن هنا بزغت الحركات التي عُرفت بـ" الإسلام السياسي"، جاعلة من العودة إلى الحكم الإسلامي "الممثل في استعادة الخلافة كرمز مثالي" الحل الأوحد والمنقذ لإنقاذ الأمّة من التفكك والضياع. لقد تحول المشروع الإسلامي من مشروع إصلاحي شامل يركز على بناء الإنسان والمجتمع أوّلاً، إلى مشروع سياسي يهدف بالأساس إلى استعادة هيكل إداري ورمزي محدد، يضع السياسة في صدارة الأولويات.

في سعي هذه الحركات لملء الثغرة المعنوية وتأكيد مشروعيتها السياسية البديلة، وقعت في اختزال فكري ومحوري لمفهوم الخلافة نفسه. إنّ المفهوم السياسي الإسلامي للخلافة عبر التاريخ كان يتسم بالتعددية والتوزع والمرونة؛ حيث عرف التاريخ وجود خلافات متزامنة أو متعاقبة في مناطق متباينة، كخلافة المشرق (العباسية ثم العثمانية) وخلافة (المغرب والأندلس)، إضافة إلى نماذج حكم إسلامية مستقلة وذات شرعية ذاتية مثل (الممالك الأيوبية أو السلاجقة). هذا التعدد يدلّ على أنّ الخلافة كانت مؤسسة مرنة تكيفت وتجسدت في سياقات جغرافية وسياسية مختلفة. لكنّ الحركات الإسلامية التي نشأت بعد 1924م اختزلت هذا المفهوم الواسع في نموذج واحد محدد ومثالي، وهو الخلافة العثمانية التي سقطت. وهذا الاختزال أدى إلى حصر التصور السياسي الإسلامي في استعادة شكل إداري محدد من أشكال الحكم، غالباً ما يتم تضخيمه إيديولوجياً وتغافل تعقيداته وتدهوره في فتراته المتأخرة، متجاهلاً الإرث الغني والمتنوع لنماذج الحكم الإسلامي الأخرى التي نجحت في بناء حضارات موازية. وبالتالي تحولت الدعوة إلى "إقامة دولة الإسلام" من مشروع إصلاحي شامل يهدف للتجديد الفكري والثقافي، إلى مشروع سياسي يهدف بالأساس إلى استعادة هيكل إداري ورمزي محدد، وهو ما جعلها تركز على الوسيلة السياسية كأولوية قصوى على حساب العمق الفكري والتجديد الثقافي والمعرفي الذي كان ضرورياً لمواجهة تحديات الحداثة.

في الوقت الذي أحدث فيه سقوط الخلافة العثمانية في المشرق فراغاً شرعياً وسياسياً ضخماً، تميز النموذج المغربي باستمرارية شرعية السلطة في شخص الملك /السلطان. يستند هذا الاستقرار إلى سياق تداولي عريق، يعتبر الحاكم فيه رمزاً مزدوجاً للشرعية: دينياً وسياسياً، وهو ما يمثل استمراراً محلياً وفعلياً لمفهوم القيادة الإسلامية العليا. لكنّ جماعة الإخوان المسلمين، التي تأسست وركزت على استعادة الخلافة المشرقية، أخفقت في التعاطي الفعال مع هذا النموذج المغربي الفريد. لم تنجح الجماعة بشكل مبكر في المغرب في إقامة نظرة للسلطان مرتبطة بواقع المغرب وتاريخه، بل اعتمدت على" الإسقاط والاستلاب "لرؤيتها المركزية المستمدة من المشرق. هذا الإسقاط لنموذج فكري أجنبي عن الخصوصية المغربية أدى إلى إفساد نظرتها للتاريخ المحلي وقراءته، وحجب عنها إمكانية الاستفادة من هذا البديل العملي القائم الذي يملك مشروعية دينية وسياسية راسخة ومستقلة عن الخلافة العثمانية المنهارة، وهو ما يمثل فرصة ضائعة في استراتيجيتها السياسية كان يمكن أن يوفر نموذجاً واقعياً للحكم يربط بين الماضي والحاضر.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية