
لم يعد ممكنًا النظر إلى تفجير كنيسة في وقت سابق، ثم تفجير مسجد في حمص، وما رافق ذلك من قتل وإجرام، بوصفها أحداثًا منفصلةً أو أفعالًا عشوائيةً خارج السّياق العام، هذه الجرائم، المتتابعة في دلالاتها، وإن اختلفت أهدافها الظّاهرة، تشكّل مؤشرًا واضحًا على خلّل بنيوي في إدارة الأمن والمرحلة الانتقالية، وتضع الدولة أمام مسؤوليتها المباشرة في حماية المواطنين وصون السِّلم الأهلي دون تمييز أو انتقائية.
إنّ استهداف دور العبادة، أيًّا كانت هويتها الدينية، هو اعتداء على المجتمع بأكمله، لا على طائفة بعينها. غير أنّ الخطر الحقيقي لا يكمن في الجريمة ذاتها فحسب، بل في الطريقة التي تُدار بها تداعياتها. فمع كلّ حادثة، يتكرس نمط خطير يقوم على تسابق الاتهامات ورشق المسؤوليات جزافًا، قبل أيّ تحقيق قضائي مستقل وشفاف. هذا السلوك لا يسهم في كشف الحقيقة، بل يفاقم الانقسام، ويحوّل الألم العام إلى مادة للاستثمار السياسي والطائفي، ويُضعف ما تبقى من ثقة بين الدولة والمجتمع.
المسؤولية الأولى والأخيرة عن منع هذه الجرائم تقع على عاتق الدولة، فالدولة وحدها تملك شرعية احتكار القوة، وواجب ضبط الخطاب العام، وملاحقة المحرّضين قبل أن يتحول التحريض إلى فعل دموي. أيّ تهاون في هذا الدور، أو أيّ ازدواجية في تطبيق القانون، لا يمكن تبريرها تحت أيّ ذريعة، لأنّها تفتح المجال أمام منطق الانتقام والفوضى، وتُقوّض فكرة الدولة نفسها.
تتفاقم هذه الإشكالية في ظلّ التأخير المستمر لمسار العدالة الانتقالية، وتعويم شخصيات ووجوه ارتبطت بالنظام السابق أو استفادت من بنيته، دون إخضاعها لمساءلة حقيقية. هذا الواقع يبعث برسالة سلبية مفادها أنّ الإفلات من العقاب ما زال ممكنًا، وأنّ التغيير لم يطل جوهر السّلطة بل اقتصر على شكلها. وفي مثل هذا المناخ يتحوّل الشعور بالظّلم إلى بيئة خصبة للتطّرف والعنف، مهما كانت الشعارات المرفوعة.
ولا يقلّ خطورة عن ذلك تعطّل الدور الفعلي للمؤسسات التشريعية، وتأجيل الاستحقاقات الأساسية، وعلى رأسها جلسات مجلس الشعب المعنية بوضع الأطر القانونية للمرحلة الانتقالية. هذا الفراغ السياسي والتشريعي يترك الساحة مفتوحة أمام الشائعات، ويُضعف قدرة الدولة على فرض منطق القانون، ويجعل إدارة الأزمات مرهونة بردود فعل متأخرة بدل سياسات استباقية واضحة.
إنّ أخطر ما يمكن أن تواجهه المجتمعات الخارجة من النزاعات هو استبدال العدالة بالحسابات، والقانون بالروايات، والمؤسسات بالمنصات. فلا العدالة تُبنى عبر الاتهام، ولا الاستقرار يتحقق بتبادل التخوين، ولا السِّلم الأهلي يُصان بتجاهل الجذور العميقة للعنف. الطريق الوحيد الممكن يمرّ عبر تحقيقات مستقلة، ومساءلة شاملة، وخطاب رسمي واضح يؤكّد أنّ الدولة مسؤولة عن أمن جميع مواطنيها بلا استثناء، وأنّ القانون فوق الجميع.
ما جرى في الكنيسة، وما تلاه في المسجد، ليس صراعًا بين مكونات المجتمع، بل هو اختبار حقيقي لقدرة الدولة على إدارة الانتقال من منطق القوة إلى منطق العدالة. إمّا أن يُستثمر هذا الاختبار لإعادة بناء الثقة وترسيخ دولة القانون، وإمّا أن يُترك ليستمر نزيف الدم وتتكرس دوائر العنف بأشكال جديدة. وفي هذا المفصل الدقيق لا يعود الصّمت أو التردد خيارًا، لأنّ ثمنهما يدفعه الوطن بأكمله.



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D9%83%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86_1_0_0_0_0_3_0_1_0.jpg.webp?itok=2QgRc-Y1)








![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_5_1_0_2.jpg.webp?itok=6xnH0ImP)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1mpDtUyNuppx5wA4RLM50kLzs-N3DVqtOFyLTsKQNOfdoNI0SXRL41L4TalauhrWnJzqNeiqiO19JLllbIww_gs_Xbex6oxfXqqIunFxOaVjs5bblfAvwHVGIYs2GvUiK1Vlz9__xWFQ-OlxXYWNN2bh4KIE6hZR9C1VX4TG5UdHmS6xMn0k_qyTLoEXU6Io.jpg.webp?itok=4u-QQL8o)







![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/5YTmzoxRDC9d4MmYVdeZ-s961mAllXxIWexH58DYTH4Ca3CxJ6td92-OSRFfcrckM8hdtTRYBcBBT4-tCjfiME-tN5gPkmrXuI1OqpSZ0LPQ8PFVl4jcBbjYdjDU-Qr27B7zbOY2bLjYpebK6gUD8qkAbEZtt6C33eqQHvE46uuyhlw75mD0pHUEeP-wPT7W.jpg.webp?itok=I39PCZfU)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_17.png.webp?itok=d_X72sea)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_34_3_5.jpg.webp?itok=Ci8Js3Fa)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20_0_0_0.jpg.webp?itok=YxXTGKyA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)