تحالف "صمود" يواصل مواجهة الإخوان في السودان

تحالف "صمود" يواصل مواجهة الإخوان في السودان

تحالف "صمود" يواصل مواجهة الإخوان في السودان


29/12/2025

لم تعد الأزمة السودانية مجرد صراع مسلح بين أطراف متنازعة على السلطة، بل تحولت إلى اختبار وجودي لمفهوم الدولة ذاته، ولمستقبل المجتمع السوداني بكل مكوناته، فبعد أكثر من عام على اندلاع الحرب، ومع تصاعد الكلفة الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة، بات المشهد السياسي أكثر تعقيدًا، حيث تتقاطع فيه المصالح العسكرية مع حسابات إقليمية، وتتصارع فيه مشاريع متناقضة لمستقبل البلاد.

في هذا السياق، برز تحالف قوى الثورة المدنية "صمود" كأحد أبرز الفاعلين السياسيين الذين يسعون إلى إعادة توجيه البوصلة الوطنية، ليس فقط عبر إدانة الحرب، بل من خلال تفكيك البنية التي أنتجتها وأبقتها مشتعلة. وجاء البيان الأخير الصادر عن التحالف، عقب خطاب رئيس وزراء سلطة بورتسودان أمام مجلس الأمن، ليكشف بوضوح عمق الهوة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني، وليضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والسياسية تجاه ما يجري في السودان.

خطاب السلطة بين الترويج السياسي وواقع الانهيار الإنساني

يرى تحالف "صمود" أنّ الخطاب الذي ألقاه رئيس وزراء سلطة بورتسودان أمام مجلس الأمن لم يكن سوى محاولة لإعادة إنتاج خطاب سياسي فقد مصداقيته، عبر تقديم صورة مُجمّلة لواقع بالغ القسوة. فبينما تحدث الخطاب عن مبادرات للسلام، كانت الوقائع على الأرض تشير إلى تصاعد غير مسبوق في العمليات العسكرية، واستمرار الانتهاكات بحق المدنيين، واتساع رقعة النزوح والجوع.

وأشار البيان بوضوح إلى أنّ ما سُمّي بـ "مبادرة حكومة الأمل" لا يرقى إلى مستوى المبادرات الجادة، إذ يفتقر إلى أيّ آليات تنفيذية أو التزامات زمنية، ولا يتضمن إجراءات ملموسة لوقف إطلاق النار أو حماية المدنيين. واعتبر التحالف أنّ هذه المبادرة ليست سوى محاولة لكسب الوقت وتقديم صورة شكلية للمجتمع الدولي، في وقت تتفاقم فيه المأساة الإنسانية.

وأكد البيان أنّ الخطاب الرسمي تجاهل عمدًا حقيقة أنّ السودان يعيش واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث يعاني الملايين من النزوح والجوع وانعدام الخدمات الأساسية، بينما تستمر المعارك في دارفور وكردفان والنيل الأزرق بوتيرة متصاعدة. واعتبر التحالف أنّ هذا التجاهل يعكس انفصالًا عميقًا بين السلطة القائمة وواقع المواطنين، ويؤكد غياب الإرادة السياسية الجادة لإنهاء الحرب.

وانتقد التحالف ما وصفه بمحاولات "تبييض" صورة السلطة أمام المجتمع الدولي، عبر خطاب دبلوماسي لا ينعكس على الأرض، مشددًا على أنّ السلام لا يمكن أن يتحقق عبر البيانات، بل عبر خطوات ملموسة تضع حدًا للعنف وتفتح المجال أمام عملية سياسية شاملة ذات مصداقية.

في قلب بيان "صمود" يبرز اتهام صريح ومباشر لما وصفه بـ "منظومة الإخوان" بوصفها الفاعل الرئيسي في إدامة الصراع السوداني. فبحسب التحالف، لم تكن هذه الجماعة مجرد طرف سياسي، بل شكّلت على مدى عقود بنية عميقة داخل مؤسسات الدولة، مكّنتها من التحكم في مفاصل الاقتصاد والأمن والإدارة.

وأشار البيان إلى أنّ هذه المنظومة راكمت ثروات هائلة تُقدّر بمليارات الدولارات، استُخدمت في تمويل ميليشيات مسلحة، ودعم شبكات عنف منظمة، وشراء الولاءات داخل مؤسسات الدولة. وأكد أنّ هذه الموارد لم تُستخدم لخدمة المواطنين أو التنمية، بل لتكريس سلطة ضيقة تحمي مصالحها عبر العنف والقمع.

ولفت التحالف إلى أنّ هذه الشبكات لعبت دورًا محوريًا في إشعال الحرب الحالية، سواء عبر عرقلة أيّ مسار سياسي انتقالي، أو عبر الاستثمار في حالة الانقسام والفوضى. ويرى أنّ الجماعة عملت بشكل منهجي على إفشال كل محاولات الانتقال المدني منذ ثورة كانون الأول (ديسمبر)، مستخدمة أدواتها داخل الدولة وخارجها لإعادة إنتاج نفوذها.  

وشدد البيان على أنّ استمرار نفوذ هذه المنظومة يمثل العائق الأكبر أمام أيّ عملية سلام حقيقية، وأنّ تفكيكها بات شرطًا أساسيًا لأيّ مشروع وطني جاد. واعتبر أنّ تجاهل هذا الملف أو التعامل معه بسطحية سيقود حتمًا إلى إعادة إنتاج الأزمة بأشكال مختلفة.

بين الحرب والسلام… أيّ طريق للسودان؟

في ختام موقفه، طرح تحالف "صمود" رؤية شاملة لمخرج الأزمة، تقوم على مبدأ أساسي مفاده أنّ السلام لا يمكن أن يتحقق دون عدالة، ولا يمكن أن تُبنى دولة مستقرة دون تفكيك البنى التي صنعت الحرب.

ودعا التحالف إلى تبنّي خارطة الطريق التي طرحتها المبادرة الرباعية، باعتبارها الإطار الأكثر واقعية لوقف الحرب، شريطة أن تُنفذ بروح جادة وبمشاركة حقيقية من القوى المدنية، لا أن تُستخدم كغطاء سياسي لإعادة إنتاج السلطة القائمة. وشدد على ضرورة وقف إطلاق النار فورًا، وفتح الممرات الإنسانية، وحماية المدنيين باعتبارها أولويات لا تقبل التأجيل.

وفي الوقت ذاته، أكد التحالف أنّ أيّ عملية سياسية مستقبلية يجب أن تقوم على أسس العدالة الانتقالية، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات، وعدم الإفلات من العقاب. وإذا لم تُعالج جذور الأزمة، فسيظل السودان عرضة لدورات متكررة من العنف وعدم الاستقرار.

واختتم التحالف بيانه بالتأكيد على أنّ معركة السودانيين اليوم ليست فقط ضد الحرب، بل ضد نموذج حكم أثبت فشله تاريخيًا. وهي معركة من أجل استعادة الدولة، وبناء عقد اجتماعي جديد يقوم على الحرية والكرامة والعدالة، ويمنح الأجيال القادمة فرصة حقيقية لحياة آمنة ومستقرة.

في المحصلة، يكشف المشهد السوداني الراهن عن لحظة مفصلية لا تحتمل أنصاف الحلول أو التسويات الشكلية. فالصراع الدائر لم يعد مجرد نزاع على السلطة، بل تحوّل إلى اختبار حقيقي لإمكانية قيام دولة عادلة بعد عقود من الاستبداد والحروب. وبينما تواصل قوى بعينها محاولات إعادة إنتاج نفوذها عبر أدوات الحرب والفوضى، يبرز صوت القوى المدنية ـ وفي مقدمتها تحالف "صمود" ـ بوصفه تعبيرًا عن تطلّع شعبي واسع لإنهاء دوامة العنف وبناء دولة تقوم على المواطنة والعدالة وسيادة القانون.

إنّ مستقبل السودان لن يُصنع بالبيانات الدبلوماسية وحدها، ولا بتدوير النخب القديمة، بل بإرادة سياسية حقيقية تقطع مع ماضي الانقلابات، وتضع الإنسان السوداني في صدارة الأولويات. وفي هذا السياق تبدو المعركة الراهنة أبعد من كونها صراعًا على السلطة، بل هي معركة على معنى الدولة ذاتها: هل تكون دولة مواطنين أحرار، أم ساحة مفتوحة لصراعات لا تنتهي؟




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية