جماعة الإخوان المسلمين في 2025: تراجع النفوذ، وتصدّع التنظيم، وانسداد أفق العودة

جماعة الإخوان المسلمين في 2025: تراجع النفوذ، وتصدّع التنظيم، وانسداد أفق العودة

جماعة الإخوان المسلمين في 2025: تراجع النفوذ، وتصدّع التنظيم، وانسداد أفق العودة


25/12/2025

 

شكّل عام 2025 محطة كاشفة في مسار جماعة الإخوان المسلمين، ليس بوصفه عامًا شهد تحولات دراماتيكية مفاجئة، بل باعتباره عاماً تراكمت فيه نتائج مسار طويل من التراجع السياسي والتنظيمي، واتضحت خلاله حدود قدرة الجماعة على إعادة إنتاج نفسها كفاعل سياسي مؤثر، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي. فبعد أكثر من عقد على خسارتها السلطة في مصر، ومع تغيّر البيئة الإقليمية والدولية، بدا أنّ جماعة الإخوان دخلت مرحلة الانكماش البنيوي، حيث تتراجع الأدوات، وتضيق الهوامش، وتتآكل السرديات.

خلال هذا العام واجهت الجماعة مزيجًا من الضغوط: تشديد قانوني وأمني في أوروبا، وانسداد سياسي في الإقليم، وتصدعات داخلية متفاقمة، وفشل متكرر في استثمار القضايا الكبرى، وعلى رأسها الحرب في غزة، لإعادة ترميم شرعيتها أو توسيع نفوذها. وهو ما يجعل من 2025 عاماً مفصلياً في قراءة مستقبل التنظيم.

حضور دولي يتآكل وتحول من فاعل سياسي إلى "ملف أمني"

أحد أبرز ملامح حصاد الإخوان في 2025 كان تراجع الاعتراف الضمني بهم كقوة سياسية محتملة في الدوائر الغربية. فعلى عكس سنوات سابقة، لم تعد الجماعة تُستدعى، رسمياً أو غير رسمي، في نقاشات تتعلق بإدارة الأزمات في الشرق الأوسط، أو إعادة تشكيل المشهد السياسي في دول ما بعد الربيع العربي.

في المقابل، ازداد حضور الإخوان في تقارير الأجهزة الأمنية، واللجان البرلمانية المعنية بالتطرف، وتمويل الإرهاب، والجمعيات العابرة للحدود. هذا التحول يعكس تغيرًا في النظرة الغربية للجماعة: من تنظيم يمكن "احتواؤه" سياسيًا، إلى كيان إشكالي يُنظر إليه من زاوية المخاطر المحتملة، لا الفرص السياسية.

عام 2025 شهد أيضًا تضاؤل قدرة الجماعة على المناورة داخل العواصم الأوروبية، مع تراجع نشاط واجهاتها السياسية، وفرض قيود أكبر على جمع التبرعات، وتنظيم الفعاليات، والعمل داخل الجاليات، وهو ما سيظهر بشكل أوضح في التقرير الخاص بأوروبا.

الحرب في غزة… رهان تقليدي بنتائج محدودة

كما في محطات سابقة، راهنت جماعة الإخوان على أن تمثل الحرب الإسرائيلية على غزة فرصة لإعادة التموضع سياسيًا وأخلاقيًا. كثّفت الجماعة خطابها حول "المقاومة"، وفعّلت شبكاتها الإعلامية والتنظيمية في الخارج، وسعت للظهور كحاضنة سياسية وشعبية لحركة حماس.

لكنّ واقع 2025 كشف محدودية هذا الرهان، فالتعاطف الدولي والشعبي مع غزة اتخذ طابعًا إنسانيًا واسعًا، تجاوز التنظيمات الإيديولوجية، ولم يمنح الإخوان التفويض الذي سعوا إليه. بل على العكس، أدى الربط المستمر بين الجماعة وحماس إلى تعميق الشبهات الأمنية حول شبكات الإخوان في عدد من الدول، لا سيّما مع تصاعد المخاوف الغربية من انتقال الصراع إلى الداخل الأوروبي.

وقد فشلت الجماعة في تحويل الزخم العاطفي إلى مكاسب سياسية ملموسة، سواء عبر فتح قنوات رسمية، أو التأثير في قرارات حكومية، أو إعادة إدماجها في مشهد "الإسلام السياسي المعتدل" الذي تراجع حضوره بوضوح.

تصدّع القيادة وتآكل الشرعية التنظيمية

داخليًا، مثّل عام 2025 استمرارًا لأزمة القيادة التي تعصف بجماعة الإخوان منذ سنوات، دون أيّ اختراق حقيقي باتجاه الحل. وما تزال الجماعة منقسمة بين مراكز نفوذ متنافسة في الخارج، أبرزها تيارا لندن وإسطنبول، مع غياب إطار مؤسسي قادر على حسم الخلافات أو إعادة بناء الشرعية.

هذه الانقسامات لم تعد مجرد خلافات إدارية، بل تحولت إلى صراع على الموارد والتمثيل والخطاب. ومع تراجع التمويل، وازدياد القيود القانونية، اشتدت المنافسة الداخلية، وظهرت اتهامات متبادلة بسوء الإدارة والتفرد بالقرار.

الأهمّ أنّ هذه الأزمة انعكست مباشرة على القواعد التنظيمية، حيث سُجلت حالة من الإحباط والتآكل في الالتزام، خاصة بين الأجيال الشابة التي لم تعد ترى في القيادات التاريخية نموذجًا أو أفقًا سياسيًا قابلًا للتحقق.

وفي 2025 بدت جماعة الإخوان عاجزة عن إنتاج خطاب جديد يتجاوز ثنائية "الشرعية المسلوبة" و"المظلومية المستمرة". لم تقدّم مراجعات فكرية حقيقية لتجربة الحكم، ولا نقدًا جادًا لأخطائها السياسية، ولا تصورًا واضحًا لمستقبل العمل العام في سياق إقليمي تغيّرت فيه قواعد اللعبة.

استمر الخطاب موجّهاً للداخل التنظيمي، بلغة تعبئة لا تتفاعل مع أسئلة الواقع، ولا تقنع جمهورًا أوسع. هذا الانغلاق الخطابي أسهم في تعميق عزلة الجماعة، وتحويلها إلى كيان يتحدث عن نفسه أكثر ممّا يتحدث إلى المجتمع. كما فشلت محاولات إعادة تسويق الإخوان بوصفهم "ضحايا استبداد"، في ظل وعي متزايد بتجربة الجماعة في الحكم، وبالطابع الإقصائي لمشروعها السياسي.

الضغوط القانونية والمالية… استنزاف بلا ضجيج

شهد عام 2025 استمرارًا، وتصاعدًا، للضغوط القانونية والمالية على شبكات الإخوان في الخارج. التحقيقات المرتبطة بالجمعيات الخيرية، ومسارات التمويل، والعلاقات التنظيمية، لم تتوقف، بل اتخذت طابعًا أكثر مؤسسية، بعيدًا عن القرارات الاستثنائية أو الحملات الإعلامية.

هذا النمط من "الاستنزاف البطيء" أثّر بعمق على قدرة الجماعة على العمل، والتنقل، والحشد، وأجبرها على تقليص أنشطتها العلنية، والاعتماد أكثر على دوائر مغلقة، وهو ما زاد من عزلتها وفقدانها للتأثير.

في المحصلة، لم يحمل عام 2025 لجماعة الإخوان اختراقًا سياسيًا، ولا فرصة حقيقية للعودة، بل كرّس واقعًا بات من الصعب تجاهله: تنظيم يواجه أزمة وجود، لا مجرد أزمة ظرفية. فالعالم الذي تشكّل بعد 2011 لم يعد قائمًا، والرهانات القديمة لم تعد صالحة، وما تزال الجماعة عاجزة عن إنتاج بدائل فكرية وتنظيمية مقنعة.

هكذا يمكن قراءة 2025 كعام تثبيت لمسار التراجع، لا كنقطة انعطاف. وهو ما يفتح الباب أمام سؤال أكثر عمقًا: هل تمتلك جماعة الإخوان القدرة على مراجعة جذرية تنقذها من الانكماش المستمر، أم أنّ ما نشهده ليس سوى مرحلة متقدمة من أفول طويل؟

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية