غزة... "مدينة المبتورين": مصابون بلا أطراف اصطناعية ولا تأهيل

غزة... "مدينة المبتورين": مصابون بلا أطراف اصطناعية ولا تأهيل

غزة... "مدينة المبتورين": مصابون بلا أطراف اصطناعية ولا تأهيل


26/11/2025

لم تعد مشاهد المصابين ببتر الأطراف مشاهد استثنائية في غزة، فإذا عبرت أيّ شارع أو مخيم أو مدرسة نزوح، تلمح كراسي متحركة بدائية، وعكازات مصنوعة يدوياً، وأجساداً صغيرةً وكبيرةً أنهكها الألم وفقدان الأجزاء الأساسية من الجسد.

وفي مدينة تزداد فيها أعداد المصابين يوميّاً، ويستيقظ الناس على واقع جديد، تتحول غزة إلى مدينة المبتورين، دون أطراف صناعية، ودون برامج تأهيل، ودون أفق.

ويشهد قطاع غزة تصاعداً كبيراً في أعداد المصابين بحالات البتر نتيجة الإبادة الإسرائيلية المدمرة المستمرة منذ 7 تشرين الأول) أكتوبر) 2023، وسط نقص حاد في المعدات الطبية والأدوات اللازمة لتصنيع الأطراف الصناعية، بسبب الإغلاق المستمر للمعابر ومنع دخول المستلزمات الأساسية.

وقد سجلت (4700) حالة بتر بسبب الحرب الإسرائيلية، ضمن قوائم برنامج "صحتي"، الذي تنفذه وزارة الصحة الفلسطينية بالشراكة مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومركز الأطراف الصناعية التابع لبلدية غزة في كافة محافظات القطاع.

غياب المتابعة والتأهيل

في باحة مستشفى الهلال الأحمر الميداني بمدينة غزة، يجلس سامي السردي من حي النصر بغزة على مقعد واضعاً بطانية خفيفة فوق ساقيه، رغم حرارة الظهيرة، ويقول: "كنت لاعب كرة قدم، وكلّ أحلامي كانت في الملعب، الآن أقضي يومي وأنا أحاول فقط أن أتحرك من السرير إلى الخارج، فلا توجد أطراف صناعية، قالوا إنّ القائمة طويلة، وقد لا يأتي دوري أبداً.

ويتحدث السردي (29 عاماً) عن إصابته قائلاً: "كنت ألعب كرة القدم مع أصدقائي في ساحة قريبة من بيتنا، سمعنا صوت الطائرة لكننا اعتدنا الأصوات، ثم فجأة سقط شيء قريب، لم أعرف ما هو،  شعرت بحرارة شديدة في قدمي، ونظرت فوجدت الدم يخرج بغزارة، لم أفهم أنّ ساقي اختفت إلا بعد دقائق."  

ويضيف: "تمّ نقلي في عربة دفع يدوي وليس إسعافاً، فالعملية كانت سريعة جداً، والطبيب قال لي بعدها بصوت منخفض: اضطررنا للبتر لإنقاذ حياتك، فصرخت إنني لاعب كرة، كيف؟ كيف؟ لكنّه لم يجب." 

ويوضح: "لم أحصل على أيّ تأهيل منذ إصابتي، فقط مجرد ضمادات، وأنا الآن أتنقل بعكازين متآكلين، وحياتي كلها توقفت، اللعب، الدراسة، حتى دخول الحمّام أصبح مهمة صعبة." 

ويتابع: "أكثر ما يؤلمني ليس الجرح بل المستقبل، أشعر بأنني فقدت (20) سنة من عمري في دقيقة، فأحياناً أرى حلماً أنني أملك رجلي وألعب كرة، ثم أصحو على الواقع. أشعر بأنني عالة على عائلتي، لا أستطيع العمل، ولا أستطيع التحرك، ونفسياً لا أستطيع تقبّل شكلي، وجسدي لم يعد جسدي." 

الطرف الصناعي كرامة 

وفي داخل أحد مخيمات الإيواء تجلس الشابة تحرير درويش (28 عاماً) من مخيم المغازي شرق قطاع غزة أمام خيمتها بعد أن فقدت ذراعها اليمنى قبل عام، وما تزال تتعلم كيفية القيام بأبسط الأشياء.

تقول درويش: "كنت أعِدّ الخبز، وإذ بجسم صغير يسقط أمام باب منزلي، ربما قطعة من قذيفة إسرائيلية، ثم انفجر، فوجدت نفسي على الأرض، ورأيت ذراعي مقطوعة، لكنني لم أستوعب، كنت أصرخ على ابنتي، ابتعدي، أكثر ممّا كنت أفكر في نفسي." 

وتضيف: "أحتاج مساعدة لربط حجابي، وكذلك عند ارتداء ملابسي، وإعداد الطعام، هذه ليست حياة، الطرف الاصطناعي للذراع نادر جداً، وإذا دخل إلى غزة يكون ثمنه أكبر من قدرة أيّ عائلة." 

وتوضح: "الرجال يمكنهم استخدام العكازات، لكن المرأة هنا تحتاج يدها في المنزل ومع الأطفال، نحن منسيات ومهمشات داخل المجتمع، فالطرف الصناعي بالنسبة إليّ ليس رفاهية، هو كرامتي." 

وتتابع: "أشعر بذراعي المفقودة كأنّها موجودة، فهي تحكني، وتؤلمني، وتنقبض، لكن لا يوجد شيء، لا دواء، فقط الصبر والانتظار إلى حين تركيب طرف اصطناعي." 

وتؤكّد درويش أنّ "النساء هنا يعتمدن على أيديهن في كل شيء، فأنا لم أحصل على أيّ تدريب لأستخدم يدي اليسرى، أشعر بأنني طفلة تتعلم من جديد." 

لا علاج ولا تأهيل

في مخيم نزوح قرب دير البلح وسط قطاع غزة تعيش عائلة مكوّنة من (6) أفراد في خيمة صغيرة، وأمام الخيمة يجلس الشاب صبحي عطوة (31 عاماً)، الذي فقد ساقه اليسرى في قصف إسرائيلي استهدفه بعد قصف منزله.

يقول عطوة: "أثناء هروبي وعائلتي من البيت بعد إنذار بالإخلاء، خرجنا إلى الشارع ثمّ وقع انفجار قريب، شعرت بأنّ جسمي ارتفع قليلاً ثم سقط بقوة، وعندما حاولت أن أقف رأيت ساقي مبتورة من تحت الركبة." 

ويضيف: "بعد تلقي العلاج والتماثل للشفاء، أبلغني الأطباء أنني بحاجة لتركيب طرف صناعي، لكنّ المختبر الوحيد لصناعة الأطراف تضرر بشكل كبير بفعل القصف، وقد أبقى أكثر من عامين على قوائم الانتظار." 

ويتابع عطوة: "أكثر ما يخيفني حاليّاً أن يتعود أولادي عليّ هكذا، رجل لا يستطيع   حملهم، وحاليّاً أستخدم عكازاً خشبياً صنعه أخي من جذع شجرة، لقد أصبحت عاجزاً عن العمل، وعن الحركة، وعن توفير أيّ شيء لأسرتي." 

ويوضح: "أحاول أن أضحك أمام أولادي، لكنّ داخلي محطم، وأحتاج للمساعدة في كل خطوة، وأحياناً أسقط لأنّ العكازات ضعيفة، ولا شيء يؤلمني أكثر من أن يرى أولادي هذا المشهد." 

تدمير إسرائيلي لمختبرات الأطراف

يقول فني الأطراف الاصطناعية والتأهيل حسين نشوان: إنّ "خسارة مهولة تعرضت لها صناعة الأطراف الاصطناعية بفعل قصف الاحتلال الإسرائيلي، وهناك مختبران كانا يخدمان عشرات الآلاف، واليوم لا يوجد شيء، لا آلات، ولا مواد، ولا كهرباء، حتى لو أردنا العمل يدويّاً، لا يوجد ما نستخدمه." 

ويضيف نشوان: "الفايبر جلاس، والسيليكون، والمفاصل المعدنية الدقيقة، والجلود المصنعة، كلها ممنوعة من الدخول بقرار من الجانب الإسرائيلي." 

ويوضح: "نستقبل قوائم يومية، فيها أسماء شابة، وأطفال، ونساء، ونسجل كل شيء، ولا نقدر على تقديم شيء، هذا العجز يحطمنا كمهنيين. لن تتم العودة القريبة إلى العمل قبل إعادة بناء بنية طبية كاملة، وهذا يحتاج وقتاً طويلاً، والناس هنا لا يملكون هذا الوقت." 

ويؤكد نشوان: "لا يمكن للمصابين التعافي دون دعم خارجي، لأنّ آلاف المبتورين يحتاجون فريقاً كاملاً من أطباء، واختصاصيي أطراف، ونفسيين، وعلاج طبيعي، وأجهزة تدريب." 

وبدعم أمريكي، ارتكبت إسرائيل منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2023 إبادة جماعية بغزة، خلفت أكثر من (68) ألف شهيد، وأكثر من (170) ألف مصاب، معظمهم أطفال ونساء.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية