المواطنة وفكرة الولاء والبراء

المواطنة وفكرة الولاء والبراء

المواطنة وفكرة الولاء والبراء


24/11/2025

فكرة الولاء والبراء، كما تُطرح في سياقات فكرية معينة، تُشكّل بالفعل تحديًا وجوديًا لمفهوم المواطنة الحديثة، خاصةً في الدول غير الإسلامية. فالولاء والبراء، في جوهرهما العقائدي الضيق، يعنيان محبة المسلمين ونصرتهم، والتحالف معهم في جميع قضاياهم، وفي المقابل، بغض الكافرين ومعاداتهم والتبرؤ منهم، على أساس الدين كمعيار أوحد وأسمى للتصنيف. هذا التصور عندما يتم تطبيقه حرفيًا وإسقاطه على الواقع المعاصر ينتج عنه تناقضٌ عميقٌ مع الأسس التي تقوم عليها الدولة الوطنية والمواطنة القائمة على العقد الاجتماعي.

تكمن الإشكالية الكبرى في الوضع الافتراضي الذي تم طرحه في النص الأصلي؛ حيث يقيم مسلم في دولة أوروبية يتمتع فيها بكامل الحقوق والواجبات كمواطن، وهي حقوق كفلها له عقد المواطنة الذي يفرض عليه في المقابل واجبات، أهمها الولاء للدولة والوطن. ولكن بمجرد نشوب نزاع أو حرب بين دولته (وطنه) ودولة أخرى ذات أغلبية مسلمة، فإنّ تطبيق مفهوم الولاء والبراء بالصورة المطلقة يفرض على هذا المواطن المسلم التخلي عن وطنه الذي يحمل جنسيته وينحاز إلى الطرف الآخر، حتى لو كان ذلك الطرف ظالمًا أو معتديًا، لمجرد انتمائه إلى الإسلام. هذا الانحياز لا يقتصر على الموقف السياسي أو العاطفي، بل قد يتجاوزه إلى التجسس أو تقديم الدعم للعدو أو حتى التمرد على النظام الداخلي للدولة المضيفة، وكل ذلك يتم تبريره عقائديًا بضرورة نصرة المسلم لأخيه المسلم والتبرؤ من "الكفار" الذين هم في نظره أهل وطنه الذي يعيش فيه. إنّ هذا الموقف يهدم مفهوم المواطنة من أساسه، لأنّ المواطنة تتطلب ولاءً سياسيًا موحدًا للدولة ومؤسساتها ونظامها القانوني، بصرف النظر عن الانتماءات الدينية أو العرقية. وعليه، فإنَّ هذا التعارض يجعل من الصعب جدًا على الدولة المضيفة أن تثق بولاء مواطن يحمل هذا التصور، وهو ما يهدّد الاستقرار الاجتماعي والوحدة الوطنية.

تُعتبر المواطنة في الفكر الحديث علاقة قانونية وسياسية تُلزِم الفرد والدولة بتبادل الحقوق والواجبات، وهي تقوم على مبدأ المساواة الكاملة بين جميع المواطنين أمام القانون، بغضّ النظر عن عقائدهم. المواطن في هذه الدولة لا يُطلب منه التخلي عن دينه أو عقيدته، ولكن يُطلب منه فصل الولاء السياسي عن الانتماء الديني في القضايا التي تقتضي حماية المصالح العليا للوطن المشترك. فالدولة الوطنية الحديثة لا تعرف التصنيف على أساس "مؤمن" و "كافر" في سياق التعامل المدني والقانوني، بل تعتمد على أساس "المواطن" و "الأجنبي". إنَّ تبرّؤ هذا المواطن المسلم من أهل وطنه لأنّهم "كفار في وعيه وإدراكه" يمثل أخطر أوجه الصدام؛ لأنّه يؤدي إلى انشقاق مجتمعي داخلي؛ حيث يخلق مجتمعًا منقسمًا يعيش فيه المواطنون بأجسادهم في مكان، وبعقائدهم وولائهم في مكان آخر، وهو ما يعيق أيّ شكل من أشكال الاندماج الحقيقي. ويمثل أيضًا خيانة للعهد، ويُنظر إليه على أنّه خرق لـ "عقد المواطنة" الذي منحه حقوق الحماية والتعليم والصحة والعمل، التي تُقابل بواجب الوفاء للوطن. فضلًا عن تشويه صورة الإسلام، إذ يقدّم صورة للعالم عن الدين على أنّه يرفض التعايش السلمي، ويدعو إلى الانفصال والعداء الدائم للآخر، متجاهلًا مفاهيم التعايش ووفاء العهود التي نادى بها الإسلام نفسه.

إدراكاً لهذا التناقض الخطير، ظهرت في الفكر الإسلامي المعاصر محاولات جادة لإعادة تفسير مفهوم الولاء والبراء بما يتفق مع مقتضيات العصر والدولة الوطنية؛ منها التمييز بين الولاء الديني والولاء السياسي، حيث يرى بعض المفكرين أنّ الولاء والبراء الأصيل هو لله ورسوله ودينه (الولاء العقدي)، وهو لا يتعارض مع الولاء الوطني (الولاء المدني) تجاه الدولة التي تحمي حقوقه. فالولاء السياسي مطلوب ما لم يأمر المواطن بمعصية أو قتال مسلم بغير حق. وظهرت محاولات لحصر البراء في العداوة الحربية، أو التبرّؤ من معتقدات الكافرين وعقائدهم الوثنية أو الفاسدة، وليس التبرّؤ المطلق من أشخاصهم أو ظلمهم في حال التعايش السلمي. ويُشدَّد على أنّ مفهوم البراء لا يستلزم العداوة أو المظاهرة ضد الدولة التي يتعايش فيها المسلم بسلام، بل يتطلب الوفاء بعهود المواطنة. وفي هذا الإطار طُرح فقه الأقليات المسلمة الذي يُنظّم حياة المسلم في الدول غير الإسلامية، ويشدد على ضرورة الالتزام بالقوانين وحقوق المواطنة، واعتبار أنّ التزام المسلم بواجبه تجاه وطنه الذي يعيش فيه هو جزء من الوفاء بالعقد والعهد الذي أوجبه الشارع ما دام لا يمنعه من ممارسة شعائره الدينية. وهذه الجهود الفكرية تهدف إلى إيجاد صيغة متوازنة تسمح للمسلم بالوفاء لدينه دون خيانة وطنه.

ويظل التحدي قائمًا بين النص الديني الذي يُنظر إليه على أنّه مطلق، ومقتضيات الواقع الحديث المتمثلة في مفهوم الدولة الوطنية والمواطنة. فالتفسيرات المتشددة للولاء والبراء هي التي تنسف المواطنة، وتدعو إلى عزلة المسلم وإدانته لأهل وطنه. بينما التفسيرات المعتدلة تسعى إلى إيجاد توازن يتيح للمسلم أن يحافظ على هويته الدينية مع الوفاء بواجبه الوطني، معتبرة أنَّ حسن الجوار والوفاء بالعهد من صميم الأخلاق الإسلامية، وأنّ مصالح المسلمين في استقرار أوطانهم أولى بالرعاية. هذه الرؤية المعتدلة هي التي تُعلي قيمة الاستقرار والتعايش، وترفض الفهم الحرفي الذي يحوّل الاختلاف العقدي إلى صراع دائم يهدد وجود الفرد والمجتمع.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية