يوميات تحت الدرج: هكذا يعيش أطفال غزة لحظات القصف

يوميات تحت الدرج: هكذا يعيش أطفال غزة لحظات القصف

يوميات تحت الدرج: هكذا يعيش أطفال غزة لحظات القصف


06/11/2025

 

الهدوء النسبي الذي خيّم على غزة بعد توقف القصف الإسرائيلي مؤقتاً قد يبدو للعين المجردة أنّ غزة بدأت تتنفس من جديد، لكنّ الحقيقة أبعد من ذلك بكثير، فالأطفال الذين قضوا أيامهم تحت الدرج أو في الملاجئ المؤقتة، ما زالوا يعيشون ذكريات الحرب كظلال تتبعهم أينما ذهبوا.

 

وقد أصدرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) تقييماً صادماً في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي للوضع الإنساني في قطاع غزة، مؤكدة أنّ مليون طفل عانوا من "أهوال يومية في أخطر مكان في العالم." 

 

وأشارت إلى أنّ "أكثر من (64) ألف طفل قتلوا أو أصيبوا، وأكثر من (58) ألف طفل فقدوا أحد والديهم، ومليون طفل في غزة عانوا من الأهوال اليومية للبقاء على قيد الحياة." 

 

وأعلنت المنظمة أنّها نجحت في "إعادة أكثر من (100) ألف طفل إلى التعليم خلال الحرب"، مؤكدة أنّها "تسعى لإعادة (650) ألف طفل إلى المدارس" كجزء من خطة التعافي طويلة الأمد.

 

وقد ارتكبت دولة الاحتلال منذ السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، بدعم أمريكي، إبادة جماعية في قطاع غزة، شملت قتلاً وتجويعاً وتدميراً وتهجيراً واعتقالاً، متجاهلة النداءات الدولية وأوامر محكمة العدل الدولية بوقفها.

 

وخلّفت الإبادة أكثر من (68) ألف شهيد، وإصابة ما يزيد عن (170) ألفاً بجروح متفاوتة، معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على (11) ألف مفقود، إضافة إلى مئات آلاف النازحين، ومجاعة أزهقت أرواح كثيرين معظمهم أطفال، فضلاً عن الدمار الشامل.

 

رعب مستمر

آية أبو عبدو  (12 عاماً)، طفلة فلسطينية من حي الشيخ رضوان بمدينة غزة، تتذكر يوماً محدداً عندما سقطت قذائف بجانب منزلها، وتقول: "ركضنا جميعاً إلى تحت درج المنزل، وكنت أظن أنّني سأموت، وحتى الآن لا أستطيع النوم بدون أن تكون والدتي بجانبي". 

 

وتضيف وهي تجلس على الأرض في خيمتها بعد تدمير الاحتلال منزل عائلتها: "في كل مرة أسمع فيها صوت الطائرات كنت أشعر بالخوف من أن ينهار البيت فوق رؤوسنا ونُقتل جميعاً".

 

وتوضح: "عند كل قصف كانت والدتي تطلب أن نغطي أنا وإخوتي رؤوسنا بالوسائد، لكنّها ربّما لا تعرف أنّنا خائفون جداً من أن ينهار كل شيء فوقنا".

 

وتكمل: "الحرب توقفت، لكنّ كل صوت مرتفع يجعل قلبي يخفق بسرعة، وأخشى أن تعود الحرب مرة أخرى، فالآن لا يوجد لدينا منزل، ولم يعد لدينا درج نختبئ تحته من القصف. وحتى مع توقف الحرب أشعر بأنّ غزة باتت مكاناً خطيراً، وأخشى أن أخرج أو ألعب في الخارج".

 

وتؤكد أبو عبدو: "حتى لو للحظة، أحاول أن أنسى أنّني عشت الحرب، وأن أشعر بأنّني مثل باقي الأطفال، لكنّني ما زلت أتذكر أنّ الدرج الذي كان ملاذاً يومياً أصبح الآن رمزاً للذكريات الصعبة." 

 

خوف لا يتوقف

الطفل محمد حجازي من مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، يروي لحظة سقوط قذيفة بالقرب من بيته، ويقول: "ركضنا أنا وأختي إلى تحت الدرج، إنّها أشياء لم أفهمها، أصوات، ودخان، وصراخ، ولم أستطع التنفس." 

 

ورغم صغر سنه إلّا أنّ الطفل حجازي (10 أعوام)، مثل كثير من الأطفال، يتذكر تفاصيل الحرب بدقة مروعة، ويقول: "سقطت الشظايا بجانبنا، وسمعت صراخ الجيران، لم أعد أميز بين صراخ الناس وأصوات الطائرات." 

 

ويضيف: "حتى بعد توقف القصف لا أستطيع اللعب بحرّية، فكلّ صوت غريب يجعلني أختبئ تلقائياً، وأتذكر أيام الحرب، فالحرب توقفت، لكنّ شعوري بالخوف لم يتوقف." 

 

ويتابع حجازي بصوت مرتجف: "أحياناً أسمع صوت الطائرات، فأركض إلى الدرج كأنّ القصف بدأ من جديد، وفي كل مرة تحاول والدتي طمأنتي، لكنّ قلبي لا يهدأ من الخوف." 

 

ويؤكد حجازي: "لا أستطيع نسيان الحرب للحظة، فهي تلاحقني أثناء نومي، وأعاني من كوابيس مستمرة، وقلق دائم، فكل صوت يشبه انفجاراً، ولا أدري متى سأعود إلى ممارسة حياتي الطبيعية." 

 

تحت الدرج ملاذنا الوحيد

مها حجازي والدة الطفل محمد تقول: "كنت أركض مع أولادي من غرفة إلى أخرى، نحاول أن نجد مكاناً أكثر أماناً، فكان تحت الدرج هو الملاذ الوحيد الذي كنا نعتقد أنّه لا يمكن أن يسقط علينا." 

 

تقول حجازي (41 عاماً): "أحاول حماية أطفالي قدر استطاعتي، لكنّ الخوف لا يفارقهم، حتى بعد توقف القصف، وما زالوا يستيقظون ليلاً مذعورين من هول ما عاشوه." 

 

وتضيف: "الأطفال هنا لا يعرفون معنى الراحة، كلّ صوت غريب هو تهديد، ونحاول أن نحدّثهم عن الأمل، لكنّ الخوف يسيطر على كل شيء." 

 

وتكمل: "ما نحتاجه الآن هو دعم نفسي واجتماعي مستمر، فإعادة الحياة الطبيعية للأطفال أصعب من إعادة بناء البيوت." 

 

وتختتم حجازي حديثها قائلةً: "الحرب توقفت، لكنّ آثارها باقية، فأطفالنا يحتاجون وقتاً طويلاً ليشعروا بالأمان والحياة الطبيعية مجدداً."

 

خوف وقلق دائم

ترى الإخصائية النفسية أماني معروف أنّ "الأطفال الذين يعيشون لحظات القصف تحت الدرج أو في الملاجئ المؤقتة غالباً ما يعانون من شعور شديد بالخوف والهلع، وقد تظهر عليهم أعراض جسدية مثل خفقان القلب، والتعرق، والرجفان، وصعوبة التنفس، وحتى مشاكل في التعلم والتركيز." 

 

وتضيف: "بعد توقف الحرب لا يعود معظم الأطفال إلى حياتهم الطبيعية مباشرة، وبعضهم يبقى يعاني من قلق دائم، وكوابيس متكررة، والخوف من الأماكن المفتوحة أو الصوت العالي، والتراجع في الأداء المدرسي." 

 

وتوضح: "قد يحتاج الطفل بين سنتين إلى خمس سنوات للتعافي النفسي الجزئي، وأحياناً أكثر، حسب شدة التجربة والدعم المُقدَّم، وتؤثر هذه الصدمة على تكوين العلاقات الاجتماعية، والتعبير عن المشاعر، وحتى على تطوير الثقة بالنفس لدى الأطفال." 

 

وتؤكد الإخصائية النفسية أنّ "المدارس والمراكز المجتمعية يقع عليها عاتق تقديم برامج دعم نفسي مكثفة للأطفال، وتقديم رعاية مخصصة لهم، لضمان التعافي الفعلي على المدى الطويل، وتوفير بيئة آمنة ومستقرة لهم."

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية