(باماكو) على حافة الهاوية... أوّل عاصمة أفريقية على مرمى حجر من القاعدة

(باماكو) على حافة الهاوية... أوّل عاصمة أفريقية على مرمى حجر من القاعدة

(باماكو) على حافة الهاوية... أوّل عاصمة أفريقية على مرمى حجر من القاعدة


02/11/2025

العاصمة المالية (باماكو) على حافة الهاوية، فالجماعات الإرهابية تحاصرها منذ قرابة شهرين وتخنقها على أمل سقوطها قريبًا في أيديهم، أو نشر الفوضى وإشعال ثورة شعبية، فهل ستسمح فرنسا بسقوط (مالي) بأيدي متطرفين تابعين لتنظيم القاعدة في أفريقيا، أم سيتدخل الدبّ الروسي وينقذ العاصمة من الأزمات التي تشهدها (مالي) الواحدة تلو الأخرى.

فقد شهدت العاصمة الماليّة حصارًا منذ أكثر من شهرين من قبل "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"، بقيادة "إياد أغ غالي" ليمنع عنها الوقود وإمدادها بالسلع الغذائية المختلفة، وهاجموا قوافل ناقلات الوقود التي كانت تحاول الدخول إلى البلاد أو الوصول إلى العاصمة، ممّا قد يدفع المدينة نحو الهاوية، فتوقف الحياة واشتعال الأزمات قد يتسبب في مشاكل اجتماعية وحروب وسرقات وشلل تام للمؤسسات الحكومية والخدمية، قد تفجر المدينة من الداخل ليسهل على الجماعة دخول العاصمة، وإعلان مالي حكومة إسلامية وفق مفاهيم وأدبيات القاعدة، أو على الأقل إشغال الحكومة الحالية بفوضى أمنية تؤدي إلى تغيير النظام الحاكم.

يلاحظ أنّ تقدّم القاعدة نحو العاصمة جاء وسط صمت دولي يعيد إلى الذاكرة التراخي الذي شهده العالم أثناء زحف تنظيم "الدولة الإسلامية" لإقامة دولة في الرقة عام 2014، أو ما سيعرفه العالم بـ "دولة الخلافة الإسلامية في العراق والشام" (داعش)، فهل تعاقب فرنسا (مالي) على سياسة العقيد "أسيمي غويتا" الذي قاد انقلابًا عام 2021، واتخذ مجموعة من الإجراءات قلصت نفوذ فرنسا في مالي والعديد من الدول الأفريقية، أم أنّ روسيا الحليف الجديد لـ (مالي) سوف تتدخل لمنع سقوط العاصمة بأيدي المتطرفين؟

وحسب وكالة الأنباء (رويترز) فإنّ العاصمة المالية أصيبت بالشلل بعد منع المتطرفين دخول ناقلات النفط والمحروقات إليها، ونظرًا لتفاقم الوضع وتوقف المواصلات العامة والخاصة قررت الحكومة المالية تعليق الدراسة في المدارس والجامعات في أنحاء البلاد مدة أسبوعين اعتبارًا من يوم الإثنين 27 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي بسبب نقص الوقود.

وذكرت الوكالة أنّ استراتيجية "حصار الوقود" جزء من حملة ضغط على الحكومة من قبل جماعات متشددة تريد خنق العاصمة التي يقودها الجيش في (مالي) بعد انقلاب 2021، وبعد هذا الحصار أغلقت بعض محطات الوقود في العاصمة (باماكو)، ولجأ السكان إلى السير على الأقدام، أو الدراجات الهوائية، أو البقاء في منازلهم.

ويرى أنطوان غلازر، الصحفي والكاتب المتخصص في شؤون أفريقيا، أنّ العاصمة (باماكو) لن تسقط في أيدي الجماعة القاعدية، ففي تصريح له في استضافة برنامج (64 دقيقة) على قناة (TV5Monde) أوضح أنّ ما تقوم به جماعة "نصرة الإسلام"  مجرّد استراتيجية لتطويق (باماكو) وخلق الفوضى، وانتفاضة اجتماعية وثورة شعبية تنتهي برفض النظام الحاكم الحالي، مؤكدًا أنّ "جماعة نصرة الإسلامGNIM  "ليست لديها القدرة الحقيقية على احتلال المدينة، أو إدارة الدولة"، مشيرًا إلى أنّ الإمدادات التي تأتي لمالي من داكار في السنغال أو من أبيدجان في ساحل العاج، ستمنع المتطرفين من خنق (باماكو).

واختتم أنطوان تصريحه بأنّ أكبر خسارة لـ (مالي) هي أنّها فقدت دعم الجزائر التي كانت داعمًا قويًا لها في حربها ضد جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" خاصةً زعيمهم إياد آغ غالي، وكانت تستطيع التهدئة وحماية (باماكو) بشكل غير مباشر.

وكتبت راشيل شاسون في (واشنطن بوست)  أنّ الوضع المتأزم في العاصمة فاق التصور، فتدافع السيارات والدراجات النارية بطوابير طويلة أمام محطات الوقود القليلة المفتوحة، يزيد من صعوبة الحياة اليومية، فضلًا عن انقطاع التيار الكهربائي ممّا يصيب المؤسسات الخدمية كالمستشفيات بالشلل التام، إضافةً إلى إلغاء عشرات الرحلات الجوية، وتوقف الحركة التجارية من (باماكو) وإليها، وأنّ السفارات الدولية والمنظمات غير الربحية تقوم بتخزين الإمدادات والأغذية خوفًا من القادم واستعدادًا لمواجهة أسوأ السيناريوهات.

يُذكر أنّ (مالي) تعاني من وجود الجماعات ذات الإيديولوجية الإسلامية المتطرفة ذات الصلة بتنظيم القاعدة الممتد في أفريقيا، إلا أنّ ذروة وجود الجماعات الإسلاموية المتطرفة في (مالي) كان عام 2012، حين تمكنت التنظيمات القاعدية من السيطرة على وسط وشمال (مالي)، ثم تحركوا نحو العاصمة (باماكو) لاحتلالها وإعلانها عاصمة للدولة الإسلامية المنشودة ولتطبيق الشريعة الإسلامية وتفكيك الدولة الوطنية الحديثة التي يرونها ضد الدين، ولم يوقف هذا التحرك إلا التدخل العسكري الفرنسي في عمليتي "سرفال"، ثم "برخان"، فأُحبط المشروع، وانحسر التموضع الجغرافي للمتطرفين في مناطق محدودة شمالي البلاد وغربها، ورغم ما حققته العمليات العسكرية الفرنسية من نجاح في بداية الأمر في عامي 2013 و2014، واستعادتها لأراضٍ كانت بيد الجماعات الجهادية وتحييد العديد من كبار قادة الجماعات الإسلاموية، إلا أنّ هذه الجهود لم تكن كافية لوقف تمدد الجماعات وإعادة تشكيلها في تنظيم ممتد بشبكة إرهابية عبر دول الساحل الأفريقي، وفي جماعة جديدة عام 2017 تحت اسم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين.

وقدّر الخبراء عدد القوات القتالية لحركة نصرة الإسلام والمسلمين عبر منطقة الساحل بنحو (6) آلاف جندي، وهو رقم يبدو ضئيلًا في بلد يبلغ عدد سكانه نحو (25) مليون نسمة. لكنّ الجماعة تمكنت من ترسيخ حكمها وكسب الدعم الشعبي من مالي وبوركينا فاسو المجاورة، وهي الآن تهدد الدول الساحلية مثل بنين وتوغو وغانا، ووفقًا لمسؤولين ماليين، فإنّ حصار الوقود الذي يفرضه التنظيم هو توسع في حربه الاقتصادية الاستراتيجية  وأهمّ استعراض لقوته حتى الآن.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية