
مبكراً، سعت جماعة الإخوان المسلمين إلى تجاوز حدود مصر وبناء تنظيم عالمي يجد في أفريقيا أرضاً خصبة للانتشار، ليس فقط لأسباب دينية أو دعوية، بل لأهداف استراتيجية تتعلق بالثروات الطبيعية والموقع الجيوسياسي وأهمية القارة كجسر نحو العالم الإسلامي والعربي.
لم يكن الحضور الإخواني في أفريقيا وليد اللحظة، بل نتيجة تخطيط طويل الأمد استثمر في الدعوة، والتعليم، والعمل الخيري، ثم في الاقتصاد والتجارة لاحقاً، لتتحول بعض الدول الإفريقية إلى ملاذات آمنة للتنظيم بعد التضييق عليه في العالم العربي.
ومع تمدد الجماعة، تبلورت ملامح "مشروع إخواني أفريقي" يقوم على ثلاث ركائز: الدعوة الدينية، والتمكين الاقتصادي، والتغلغل السياسي، تدعمه دول وحركات حليفة، أبرزها تركيا وقطر اللتان وفرتا الغطاء المالي والسياسي لهذا التمدد.
الدعوة أولاً... التغلغل الناعم تحت لافتة الإسلام
تاريخياً، بدأت أولى محاولات الجماعة للانتشار في أفريقيا خلال الأربعينيات والخمسينيات، عبر البعثات التعليمية والدعوية التي أرسلها الأزهر الشريف، والتي تسلل من خلالها عناصر متأثرون بفكر الإخوان إلى بلدان كالسودان وإثيوبيا ونيجيريا.
في السبعينيات، ومع صعود التيار الإسلامي في المنطقة، أنشأت الجماعة فروعاً رسمية في السودان وتونس والمغرب، ثم امتدت لاحقاً إلى دول جنوب الصحراء عبر منظمات خيرية مثل "الهيئة الإسلامية العالمية للإغاثة"، و"الندوة العالمية للشباب الإسلامي"، و"مؤسسة قطر الخيرية"، التي وفرت غطاءً مثاليًا لنشاط الإخوان.
اعتمدت الجماعة على استراتيجية "الاختراق الثقافي" عبر المدارس والمراكز الإسلامية والمناهج التي تمزج بين التعليم الديني والدعاية السياسية. ففي الصومال مثلًا تمكنت الحركة من إنشاء شبكة مدارس ومراكز شبابية أصبحت لاحقاً نواة لحركات متطرفة مثل "الاتحاد الإسلامي"، و"حركة الشباب".
أمّا في كينيا وتنزانيا وأوغندا، فقد استخدمت الجماعة الدعوة الاجتماعية لتجنيد كوادر جديدة، عبر برامج لمحو الأمية ورعاية الفقراء، تموّلها مؤسسات غير حكومية تتلقى أموالاً من قطر وتركيا.
بهذا الشكل استطاعت الجماعة التغلغل بعمق داخل المجتمعات الأفريقية، مستخدمة الدين كمدخل لكسب الثقة الشعبية، قبل أن تتحول الدعوة إلى أداة تعبئة سياسية تخدم مشروع "التمكين".
الاقتصاد جسر للنفوذ... من التجارة إلى البنوك الإسلامية
مع بداية التسعينيات، أدركت الجماعة أنّ التمويل الخارجي وحده لا يكفي لاستدامة مشروعها الأفريقي، فبدأت في بناء شبكة اقتصادية إخوانية تستغل الانفتاح التجاري وضعف الرقابة في العديد من الدول.
في السودان مثلاً شكّلت تجربة "الجبهة الإسلامية القومية" بقيادة حسن الترابي نموذجاً متكاملاً للتمكين الاقتصادي، فقد أنشأت الجماعة شركات في مجالات الزراعة والذهب والاتصالات والبنوك الإسلامية، لتصبح بعد فترة قصيرة مركز التمويل الإقليمي للتنظيم الدولي في أفريقيا.
وفي نيجيريا تسللت الجماعة من خلال رجال أعمال ودعاة تأثروا بالفكر الإخواني، وأسست مدارس وجمعيات خيرية ذات طابع تجاري، أبرزها "مؤسسة الزكاة" التي تعمل في مجال التعليم والصحة، لكنّها تخضع منذ عام 2017 لتحقيقات حول علاقتها بتمويل جماعات متشددة.
أمّا كينيا وإثيوبيا، فقد أصبحتا مركزين لنشاط المنظمات التركية والقطرية المرتبطة بالإخوان، مثل "وقف الديانة التركي"، و"جمعية قطر الخيرية"، التي تمول مشاريع اقتصادية صغيرة ومساجد ومدارس، وتوفر فرص عمل لشباب مرتبطين بالفكر الإخواني.
ويرى مراقبون أنّ الجماعة طورت نموذجاً اقتصادياً "عابراً للسيادة"، يسمح لها بتحويل الأموال من أوروبا والخليج إلى أفريقيا عبر شبكات غير رسمية مثل "الحوالة" أو التجارة بين الشركات التابعة، ممّا يجعل تتبعها شبه مستحيل.
تركيا وقطر... الداعم المالي والسياسي
لم يكن تمدد الإخوان في أفريقيا ممكناً دون الدعم اللوجستي والمالي من دولتين رئيسيتين: تركيا وقطر.
منذ صعود حزب العدالة والتنمية في أنقرة اعتمدت تركيا سياسة "القوة الناعمة" في القارة الأفريقية، مستخدمة المساعدات الإنسانية والاستثمارات التعليمية والثقافية كأدوات للتأثير. لكن خلف هذه الأنشطة توجد بنية إيديولوجية مرتبطة بتنظيم الإخوان، يتولاها رجال أعمال وشخصيات مقربة من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
تموّل وكالة التعاون والتنسيق التركية (تيكا) ومؤسسة "وقف الديانة" مئات المدارس والمشروعات في أفريقيا، وهي مؤسسات وُجّهت لها اتهامات أوروبية بأنّها تُستخدم كقنوات نفوذ ديني وسياسي.
أمّا قطر، فقد تبنت دور "الراعي المالي" للجماعة، عبر مؤسسات مثل "قطر الخيرية"، و"مؤسسة الشيخ عيد"، وتضخّان ملايين الدولارات سنوياً في مشروعات ظاهرها الإغاثة، لكنّها تُستخدم لبناء نفوذ اجتماعي يخدم الجماعة.
تقرير لوزارة الخزانة الأمريكية عام 2020 أشار إلى أنّ بعض الكيانات التابعة لقطر الخيرية تموّل نشاطات جماعات مصنفة إرهابية في أفريقيا، من بينها عناصر قريبة من الإخوان وحركات موالية لهم في السودان وليبيا وتشاد.
من الدعوة إلى السياسة... عندما يتحول الوجود إلى مشروع سلطة
في عدد من الدول الأفريقية لم تكتفِ الجماعة بالعمل الاجتماعي أو الاقتصادي، بل سعت للدخول في الحياة السياسية مستفيدة من ضعف الأحزاب المحلية وطبيعة المجتمعات الدينية المحافظة.
في السودان وصلت إلى الحكم عبر واجهة "الإنقاذ" عام 1989، لتقدّم أول تجربة حكم إسلامي بنكهة إخوانية، لكنّ النتيجة كانت انهياراً اقتصادياً وعزلة دولية انتهت بسقوط النظام.
في تونس كررت حركة النهضة التجربة بعد عام 2011، محاولة تصدير نموذجها إلى شمال وغرب أفريقيا عبر مراكز بحثية وشبكات شباب إسلامي.
وفي موريتانيا والسنغال حاولت الجماعة اختراق النسيج الصوفي، مستغلة غياب الرقابة على الجمعيات الدعوية، غير أنّ الحركات الصوفية هناك واجهت هذا التغلغل بخطاب مضاد يركّز على الاعتدال والهوية الوطنية.
ويشير باحثون إلى أنّ الإخوان في أفريقيا يعتمدون "استراتيجية التغلغل البطيء"، أي الانتقال من النشاط الدعوي إلى التمكين الاقتصادي ثم السياسي، مستفيدين من هشاشة الدولة وضعف التعليم وانتشار الفقر.
التحدي الأمني والتهديد المتصاعد
أخطر ما في التمدد الإخواني في أفريقيا أنّه وفّر بيئة خصبة لتفريخ جماعات متطرفة. ففي الصومال وُلدت حركة "الشباب المجاهدين" من رحم الفكر الإخواني بعد أن انشقت عن الجماعة الأم متأثرة بالسلفية الجهادية. وفي نيجيريا أسهمت الأفكار الإخوانية في تأسيس جماعة "بوكو حرام" في مراحلها الأولى قبل تحوّلها إلى تنظيم أكثر عنفاً.
كما أنّ بعض الجمعيات الإخوانية لعبت دوراً غير مباشر في دعم النزاعات الأهلية من خلال التمويل غير المراقب، وهو ما جعل الأجهزة الأمنية في كينيا وتنزانيا والسودان تفتح تحقيقات حول مصادر تمويل هذه الجمعيات.
تقرير المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات 2023 وصف أفريقيا بأنّها "الحدود الجديدة للإخوان"، مشيراً إلى أنّ الجماعة تستغل هشاشة الأنظمة وانشغال القوى الغربية بالحرب في أوكرانيا لتعزيز حضورها الاقتصادي والدعوي.
تمدد الإخوان في أفريقيا ليس مجرد نشاط دعوي أو خيري، بل هو مشروع استراتيجي متكامل يسعى لتحويل القارة إلى قاعدة بديلة بعد خسائر التنظيم في العالم العربي. ويعتمد هذا المشروع على مزيج من القوة الناعمة عبر التعليم والإغاثة، والقوة الاقتصادية عبر التجارة والاستثمار، والقوة السياسية عبر التحالفات الحزبية.
ورغم أنّ عدداً من الدول الأفريقية بدأ يضيّق الخناق على هذه الشبكات، فإنّ ضعف البنية المؤسسية وفساد بعض الأنظمة يجعل مواجهة هذا التمدد معركة طويلة.
الرهان الأكبر يبقى في تعزيز الدولة الوطنية ومراقبة التمويل العابر للحدود، لأنّ كل مدرسة أو جمعية تُترك دون رقابة قد تتحول غداً إلى مركز نفوذ إخواني جديد.
فأفريقيا، بالنسبة إلى التنظيم الدولي، ليست مجرد ساحة دعوة، بل رئة جديدة يتنفس بها مشروع الإخوان بعد سقوطه في المشرق العربي، مشروع يتقاطع فيه الدين بالمال، والخطاب الإنساني بالمصالح الجيوسياسية.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_1.jpg.webp?itok=xPM6Zm6W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A9_0_0.jpg.webp?itok=oReg_6OS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86_0_0_0.jpg.webp?itok=E2PAAHDO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_0.jpg.webp?itok=o9GuuOK0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_2_0.jpg.webp?itok=JhFfhYPA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/bS9h1QQC8Ibxq-Zun7e7I3XZ9pTAR6Hooc8tBKmPdGarEceWYq-LXVMJpnmDToBW2tBynDQtONt9BYdEcNWmtnKCvf1-y8XVc2k7VapC-xhjRdvmUd6AChwb3SggR2pYGpa2blLFZ6lja7ERor2BfD54xHBRWdDoA-f_PXiCBiw75fjOudZLWKl84JjBmDnD.jpg.webp?itok=caFu8voa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D9%8A%D8%B1%20%D8%AA%D8%AF%D8%B1%D9%8A%D8%AC%D9%8A_0.jpg.webp?itok=vxmSwnWT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%84_6_2_0_0.jpg.webp?itok=bXmPMgmE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_13.jpg.webp?itok=spQUDIJB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/HZqzmEM3wHkpGDbaSRAGBBQMhEa0hdlTTItgQp3YQ8vkDfD4RYKg23G5l2fLOzSA03MFwoRi3ZXf323e4nL3cGcgCtJZ1paZeCO0deQan3C9vbLdqv33J12rlbMXyvhrmx35wvn3PVmnqlgOasmOg-uxIOD0Ui5L3ldmqsEmQOVOc-DELTto2MSMQ5fvj8mD%20%281%29.jpg.webp?itok=wQ_c7z8P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_3_0.jpg.webp?itok=9i6zbI2S)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/se2eSzBtgtZRvochpXWXHRd8zJBTdSWUjbrvDt0HXmgf6oUX8IJbzzaVjDswDs5fNPFP8F2YCXmj1QoaVi7cvkkCLIDn4lgzNlP5Fb1m1yxn_6_MonFxDiYg9RD7QPKpOqQ76LD1Y5aT7WMJxmzBKZdrEuyHdbh_kree1NSzAlBQqGvzJiK_H5thQehOLXXq%20%281%29.jpg.webp?itok=ybPL0QY1)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_132_0_3.jpg.webp?itok=pHqrfLPb)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

