اقتصاد الظل الإخواني... شبكات التمويل الخفية بين العمل الخيري والتجارة

اقتصاد الظل الإخواني... شبكات التمويل الخفية بين العمل الخيري والتجارة

اقتصاد الظل الإخواني... شبكات التمويل الخفية بين العمل الخيري والتجارة


26/10/2025

أدرك حسن البنا أنّ المال هو الركيزة التي يُبنى عليها التنظيم منذ اللحظة الأولى لتأسيس جماعة الإخوان المسلمين عام 1928، وأنّ الدعوة وحدها لا تكفي لإقامة مشروع سياسي يمتد في الزمن ويتجاوز حدود الدولة؛ لذلك شكّل "صندوق الدعوة" أول ملامح البنية الاقتصادية للجماعة، التي سرعان ما تحولت إلى إمبراطورية مالية تعمل في الظل تمتد من الأسواق الشعبية في مصر إلى الشركات والمؤسسات الإسلامية المنتشرة في أوروبا.

في ظاهرها كانت الجماعة حركة إصلاحية دينية، لكن في عمقها الاقتصادي كانت تضع لبنة "اقتصاد موازٍ" يسعى إلى تحقيق استقلال مالي وتنظيمي عن الدولة، لتضمن الجماعة بقاءها حتى في أحلك لحظات الملاحقة أو الحظر. هذا الاقتصاد لم يكن عشوائياً أو ثانوياً، بل شكّل أحد أعمدة "التمكين" الذي سعى إليه التنظيم لبناء نفوذ سياسي واجتماعي طويل الأمد.

من "صندوق الدعوة" إلى الشركات الدولية

بدأت قصة التمويل الإخواني في الثلاثينيات حين أسّس حسن البنا "شركة المعاملات الإسلامية" لتكون الذراع الاقتصادية الأولى للجماعة، مروّجاً في الوقت ذاته لفكرة "الاقتصاد الإسلامي" كبديل عن النظام الربوي.

لم يكن الهدف فقط تحقيق الربح، بل إنشاء شبكة اقتصادية مغلقة تحكمها القواعد التنظيمية. فكلّ تاجر أو عضو ملتزم كان يقدّم جزءاً من دخله "للدعوة"، وكانت الزكوات والتبرعات تُجمع في صناديق خاصة تُدار بسرّية تامة. ومع توسّع الجماعة امتدت الأنشطة إلى مجالات العقارات والمقاولات والنشر والتعليم.

في شهادات تاريخية متعدّدة وُصف هذا النظام المالي بأنّه "اقتصاد داخل الاقتصاد"، يعمل وفق منظومة تضامنية تضمن تمويل الحركة واستمرارها بمعزل عن أيّ دعم خارجي، وهو ما جعل الجماعة قادرة على الصمود المالي حتى في فترات الحظر والملاحقات الأمنية في عهد عبد الناصر والسادات ومبارك.

الاقتصاد الخفي في الشرق الأوسط

مع صعود المد الإسلامي في السبعينيات توسّع الإخوان في بناء إمبراطوريات مالية صغيرة داخل دول عربية عديدة، مستفيدين من الانفتاح الاقتصادي ومن تدفق الأموال الخليجية بعد الطفرة النفطية.

في مصر انتشرت شركات السياحة والمقاولات والمستشفيات الخاصة المملوكة لقيادات أو متعاطفين مع الجماعة. وفي الخليج لعبت جمعيات كـ "الإصلاح الاجتماعي" في الكويت و"الرحمة العالمية" دوراً محورياً في تمويل النشاط الإخواني تحت لافتة العمل الخيري.

أمّا في السودان واليمن والأردن، فقد وجدت الجماعة في النظام المصرفي الإسلامي بيئة مثالية لإدارة الأموال وتدويرها عبر حسابات يصعب تتبعها. واستخدمت الجماعة نظام "الحوالة" التقليدي لنقل الأموال عبر الحدود بعيداً عن رقابة البنوك.

هذه الشبكة المتداخلة بين الاقتصاد والدين والعمل الخيري مثّلت أحد أسرار قوة الجماعة، إذ كانت التبرعات التي تُجمع لصالح "الفقراء والمحتاجين" تُستخدم جزئياً في تمويل نشاط سياسي أو إعلامي، أو تُحوّل إلى فروع التنظيم في الخارج لتغطية نفقات الحملات والدعاية.

الواجهة الأوروبية: الجمعيات الإسلامية كشبكات تمويل

حين ضاق الخناق على الإخوان في المنطقة بعد تصنيفهم تنظيماً إرهابياً في مصر والسعودية والإمارات، وجدت الجماعة في أوروبا ملاذاً آمناً لإعادة بناء شبكاتها المالية والتنظيمية.

هناك ظهرت كيانات مثل "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا"، الذي أسسه القيادي المعروف إبراهيم الزيات، أحد أبرز وجوه التمويل في التنظيم الدولي، وزوج صبيحة أردوغان، ابنة صهر القرضاوي. وانتشرت مؤسسات أخرى كـ "المجلس الأوروبي للأئمة"، و"منتدى الشباب المسلم"، لتقوم بأدوار مزدوجة: التبشير الثقافي وجمع التبرعات.

تقرير للمخابرات الألمانية كشف عام 2020 أنّ مراكز إسلامية في برلين وهامبورغ مرتبطة بالإخوان حصلت على تمويلات بملايين اليوروات من جمعيات تتلقى أموالاً من قطر وتركيا. بينما خلصت التحقيقات الفرنسية بعد هجمات 2015 إلى أنّ بعض المساجد والجمعيات الإسلامية استخدمت التبرعات في دعم شبكات التطرف لا الأنشطة الخيرية.

تعتمد هذه الجمعيات على آليات تبرع إلكترونية ووقفات رمضانية موسمية، تجمع خلالها مبالغ ضخمة من المسلمين المقيمين في أوروبا، ثم تُحوّلها إلى حسابات يصعب تتبعها في الخارج. ووفقاً للباحث لورينزو فيدينو تُدار هذه الشبكات كـ "اقتصاد موازٍ فوق وطني" يخدم الأهداف السياسية للجماعة أكثر من خدمته القضايا الاجتماعية.

اقتصاد التمكين... المال وسيلة للسيطرة

لا تنظر الجماعة إلى المال بوصفه أداة للبقاء فحسب، بل باعتباره سلاحاً لتحقيق السيطرة الناعمة على المجتمعات، فمن خلال الجمعيات الخيرية والمساعدات تبني الجماعة قاعدة ولاء اجتماعي تربط المحتاجين بها اقتصادياً ونفسياً.

في المناطق الفقيرة في مصر أو تونس أو السودان تُقدّم المساعدات باسم "خدمة الإسلام"، لكنّها في الواقع تُستخدم لبناء حاضنة شعبية تدافع عن التنظيم وتبرّر مواقفه.

كما استُخدم المال في تمويل الحملات الانتخابية حين وصلت الجماعة إلى السلطة بعد ثورات الربيع العربي، وفي دعم وسائل الإعلام التابعة لها في الخارج، خصوصاً في تركيا وقطر، حيث تموّل قنوات ومواقع إلكترونية تعمل على الدعاية السياسية والتحريض ضد الأنظمة العربية.

يقول باحثون: إنّ جماعة الإخوان "تدير اقتصاداً عابراً للسيادة"، يستغل البنوك الإسلامية والجمعيات الدينية كقنوات مالية مشروعة ظاهرياً، لكنّها في جوهرها مخصّصة لخدمة مشروع التمكين، فالمؤسسات الخيرية بالنسبة إلى الجماعة ليست عملاً إنسانياً، بل أداة لفرض النفوذ السياسي.

الملاحقات الدولية ومستقبل الشبكات المالية

خلال السنوات الأخيرة بدأت دول أوروبية عدة في إعادة تقييم علاقتها بالمؤسسات الإسلامية بعد اكتشاف ارتباط بعضها بالتنظيم الدولي للإخوان.

في فرنسا أطلقت وزارة الداخلية حملة "مكافحة الانفصالية الإسلامية"، وأغلقت عشرات الجمعيات المشتبه في تلقيها تمويلاً من الخارج. وفي النمسا وضعت الحكومة خريطة للمنظمات المرتبطة بالإخوان لكشف مصادر تمويلها، أمّا في ألمانيا، فتتولى هيئة حماية الدستور مراقبة الجمعيات الإخوانية باعتبارها "تهديداً للنظام الديمقراطي".

ورغم هذه الجهود ما تزال الجماعة قادرة على التكيّف، عبر نقل نشاطها المالي إلى الفضاء الرقمي، مستفيدة من العملات المشفّرة ومنصات التمويل الجماعي التي يصعب ضبطها. وتلجأ إلى إنشاء كيانات جديدة بأسماء محلية لا تُظهر أيّ صلة مباشرة بالتنظيم.

ويُرجّح خبراء أن يستمر هذا "الاقتصاد الموازي" في التطور، طالما ظلّ محمياً بخطاب ديني يخلط بين الصدقة والولاء، وبين العمل الخيري والمشروع السياسي.

وتكشف تجربة جماعة الإخوان أنّ المال كان دائماً مركز ثقلها الحقيقي، أكثر من الفكرة أو الخطاب الإيديولوجي. فبينما فقدت الجماعة كثيراً من نفوذها السياسي بعد سقوط حكمها في مصر، بقيت شبكاتها الاقتصادية حيّة، تعمل في صمت، وتعيد التموضع حيثما أُتيح لها الهروب من الرقابة.

"اقتصاد الظل الإخواني" ليس مجرد مورد مالي، بل بنية فكرية كاملة تُترجم عقيدة التنظيم في "التمكين"، حيث يصبح الاقتصاد أداة لبناء مجتمع بديل يخضع لولاء التنظيم لا لسلطة الدولة.

وبينما تشتد رقابة الحكومات على تمويل الجماعات المتطرفة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يمكن فعلاً تفكيك هذا النمط من الاقتصاد الذي ترسّخ عبر عقود من السرّية والتغلغل الاجتماعي؟

الإجابة الأقرب، كما يقول باحثو مكافحة التطرف في أوروبا، هي أنّ الجماعة ستظل قادرة على إعادة إنتاج أدواتها ما لم يُكسر الرابط بين المال والعقيدة الذي شكّل جوهر مشروعها منذ البداية.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية