
لم تكن أيرلندا يوماً ساحة رئيسية لنشاط جماعة الإخوان المسلمين، لكنّ السنوات الأخيرة أظهرت تحوّلاً لافتاً في طبيعة الحضور الإخواني على أراضيها، فبينما انشغلت العواصم الأوروبية الكبرى ـ مثل لندن وبرلين وباريس ـ بملاحقة التنظيمات الإسلامية بعد موجة الهجمات الإرهابية التي ضربت القارة، نجحت الجماعة في تحويل دبلن إلى ما يشبه "المحطة الهادئة" لشبكتها الأوروبية.
تحوّلٌ يثير تساؤلات متزايدة داخل الأوساط الأكاديمية والأمنية الأيرلندية، خاصة بعد تصاعد الجدل حول علاقات عدد من المراكز الإسلامية في دبلن بشبكة الإخوان العالمية، وتزايد الدعوات إلى فرض رقابة على التمويل الخارجي والأنشطة الدينية ذات الطابع السياسي.
البدايات... من الدعوة إلى النفوذ
بدأ الوجود الإسلامي في أيرلندا خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي مع قدوم طلاب مهاجرين، لكنّ النفوذ المنظم لجماعة الإخوان برز بوضوح في تسعينيات القرن العشرين، حين أُنشئ "المركز الثقافي الإسلامي في أيرلندا" (ICCI) في ضاحية كلونسكياغ بدبلن، وهو المركز الذي يُعدّ اليوم أحد أبرز معالم الإسلام في البلاد، وأكثرها إثارةً للجدل.
تُظهر دراسات أكاديمية عدة أنّ هذا المركز كان جزءاً من شبكة تمتد من لندن إلى جنيف، مروراً بفيينا وميونيخ، تمثل الامتداد الأوروبي لجماعة الإخوان. هذه الشبكة، بحسب باحثين في جامعة كامبريدج، لم تكن مجرد كيان ديني، بل منظومة اجتماعية وسياسية تسعى إلى "تأطير الوجود الإسلامي في أوروبا ضمن رؤية الإخوان للإسلام السياسي.
وفي أيرلندا، كما في دول أوروبية أخرى، لم يكن وجود الإخوان تنظيماً صريحاً يحمل اسم الجماعة، بل منظومة فكرية ومؤسسية تعتمد على ما يسمّى التماثل الإيديولوجي؛ أي أن يتبنّى الأفراد والمؤسسات رؤية الجماعة من دون إعلان انتماء مباشر إليها.
تجلّى ذلك في نشاطات التعليم والدعوة والتثقيف الإسلامي، حيث أُنشئت مدارس ومراكز تعليمية بإشراف أو دعم من مؤسسات خارجية مرتبطة بالشبكة الإخوانية في أوروبا، مثل "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا" (FIOE). كما برزت شخصيات محسوبة على التيار الإسلامي السياسي في مواقع قيادية داخل المجلس الإسلامي للإمامات في أيرلندا، ممّا أتاح للجماعة التأثير في الخطاب الديني العام وفي مساحات الاندماج المجتمعي.
التمويل الخارجي... عصب النفوذ
تشير تقارير بحثية إلى أنّ التمويل لعب الدور الأهم في ترسيخ نفوذ الإخوان داخل أيرلندا. فالمركز الثقافي الإسلامي في دبلن أصبح لاحقاً محطة لقيادات وشخصيات إسلامية ذات صلة بالشبكة الإخوانية الأوروبية. ومع مرور الوقت اتسعت شبكة التمويل لتشمل منحاً وتبرعات من مؤسسات أجنبية ومنظمات غير حكومية خارجية، وهو ما دفع بعض وسائل الإعلام الأيرلندية إلى التساؤل عن مدى شفافية موارد هذه المراكز، وعن العلاقة بين الخطاب الديني الذي تقدّمه وبين أجندات سياسية خارجية.
صحيفة Gript الأيرلندية مثلاً تساءلت صراحة: "لماذا يموّل دافعو الضرائب الأيرلنديون منظمة ترتبط بجماعة الإخوان المسلمين؟"، في إشارة إلى بعض الكيانات التي تتلقى دعماً حكومياً رغم ما يثار حولها من ارتباطات إيديولوجية.
صعود الشكوك والتحقيقات
لم يمرّ هذا الحضور بهدوء، فمع تصاعد القلق الأوروبي من نشاط الإخوان بعد عام 2013 بدأت السلطات الأيرلندية تراجع علاقاتها بالمؤسسات الإسلامية الكبرى. وأخذت الأصوات تتعالى داخل البرلمان ووسائل الإعلام للمطالبة بإجراء تحقيقات موسّعة حول طبيعة أنشطة المركز الثقافي الإسلامي في دبلن وعلاقاته التنظيمية.
في نيسان (أبريل) الماضي أُعلن عن إغلاق مؤقت للمركز بعد أزمة إدارية حادّة واتهامات بتجاوزات مالية وتنظيمية، وسط حديث عن ارتباطات فكرية مع جماعة الإخوان. هذه الحادثة اعتُبرت نقطة تحوّل في التعامل الرسمي مع الملف، إذ أظهرت أنّ الحكومة الأيرلندية لم تعد تتعامل مع تلك الكيانات باعتبارها مؤسسات دينية محضة، بل كجهات قد تحمل تأثيراً سياسياً عابراً للحدود.
تحركات مدنية ومجتمعية
إلى جانب التحركات الرسمية ظهرت في السنوات الأخيرة منظمات مسلمة معتدلة وشخصيات إصلاحية داخل المجتمع الإسلامي في أيرلندا، تنتقد علناً ما تصفه بـ "الهيمنة الفكرية للإخوان" على الخطاب الإسلامي في البلاد.
من بين هذه الجهات مجلس السلام والاندماج الإسلامي الأيرلندي، الذي دعا إلى فصل الدين عن السياسة داخل المؤسسات الإسلامية، وطالب بإنهاء تبعية المراكز الدينية لأيّ تيارات خارجية. هذا الحراك، وإن كان محدوداً، يعكس تحوّلاً في الوعي داخل الجالية المسلمة، ورغبة في بناء نموذج إسلامي أيرلندي مستقل عن شبكات الإسلام السياسي الوافدة من الخارج.
يمكن القول إنّ اختيار أيرلندا كموقع نفوذ لم يكن عشوائياً. فالدولة التي لطالما اتسمت بانفتاحها وتسامحها الديني، لم تضع ضوابط صارمة على النشاط الديني أو التمويل الأجنبي، وهو ما جعلها بيئة مثالية للحركات العابرة للحدود.
كما أنّ حجم الجالية المسلمة الصغير نسبياً ـ نحو ((70 ألف مسلم فقط ـ ساعد الجماعة على بناء نفوذ هادئ غير مثير للضوضاء، مستفيدة من ضعف الخبرة الحكومية في التعامل مع التنظيمات الإسلامية. ويشير باحثون في مراكز أوروبية متخصصة إلى أنّ أيرلندا شكّلت بالنسبة إلى الإخوان قاعدة خلفية آمنة لإدارة بعض أنشطتهم الفكرية والإعلامية، بعيداً عن الرقابة الصارمة في دول أوروبية أخرى.
معضلة المواجهة
رغم تزايد الأصوات المطالبة بوضع الجماعة تحت الرقابة، ما تزال المواجهة القانونية مع الإخوان في أيرلندا معقدة. فالجماعة غير مصنّفة كتنظيم إرهابي في البلاد، ولا يوجد كيان رسمي يحمل اسمها، ممّا يجعل الإجراءات الممكنة محدودة في إطار الشفافية والتمويل فقط.
إضافة إلى ذلك، يعتمد الإخوان في استراتيجيتهم الأوروبية على نموذج الواجهة الثقافية، أي التحرك تحت مظلة منظمات خيرية أو تعليمية، بما يجعل إثبات الطابع السياسي أو الإيديولوجي لهذه الكيانات صعباً قانونياً.
هذا التعقيد دفع بعض الباحثين للدعوة إلى نهج أوسع يقوم على تعزيز التعليم المدني والانفتاح المجتمعي، بدل التركيز فقط على الملاحقة الأمنية، باعتبار أنّ المواجهة الفكرية هي الأنجع في بيئة ديمقراطية مثل أيرلندا.
ولا يمكن فهم ما يجري في دبلن بمعزل عن المشهد الأوروبي العام. فالجماعة التي طُوّقت في مصر والدول العربية بعد عام 2013، أعادت تموضعها في الغرب عبر مؤسسات فكرية وإعلامية ومراكز بحث ومنظمات مجتمع مدني.
وفي هذا السياق، تُعدّ أيرلندا أحد الخطوط الخلفية لهذه الشبكة، إلى جانب دول مثل بلجيكا والسويد والنمسا، حيث ما تزال الجماعة قادرة على العمل ضمن إطار قانوني مفتوح، مستفيدة من الخطوط الرمادية بين حرية المعتقد والنشاط السياسي.
من المراقبة إلى المساءلة
تعيش أيرلندا اليوم مرحلة اختبار حقيقية في كيفية التوفيق بين قيمها الليبرالية ومقتضيات الأمن الوطني. فالمجتمع الذي طالما تباهى بتسامحه الديني يكتشف أنّ الحرية الدينية قد تُستغل لترويج أجندات سياسية عابرة للحدود. وفي المقابل تبدو جماعة الإخوان في مرحلة انكماش نسبي داخل القارة، ممّا يدفعها إلى التمركز في دول الهامش حيث الرقابة أقل.
لكنّ ما جرى في دبلن خلال العامين الأخيرين، من تحقيقات وإغلاقات ومراجعات، يشير إلى أنّ النموذج الأيرلندي لن يبقى استثناءً طويلاً. فالمعادلة الجديدة في أوروبا باتت واضحة؛ لا مكان لأيّ نفوذ ديني يسعى إلى تقويض الدولة أو توظيف الدين لتحقيق مكاسب سياسية.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_1.jpg.webp?itok=xPM6Zm6W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A9_0_0.jpg.webp?itok=oReg_6OS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86_0_0_0.jpg.webp?itok=E2PAAHDO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_0.jpg.webp?itok=o9GuuOK0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_2_0.jpg.webp?itok=JhFfhYPA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/bS9h1QQC8Ibxq-Zun7e7I3XZ9pTAR6Hooc8tBKmPdGarEceWYq-LXVMJpnmDToBW2tBynDQtONt9BYdEcNWmtnKCvf1-y8XVc2k7VapC-xhjRdvmUd6AChwb3SggR2pYGpa2blLFZ6lja7ERor2BfD54xHBRWdDoA-f_PXiCBiw75fjOudZLWKl84JjBmDnD.jpg.webp?itok=caFu8voa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D9%8A%D8%B1%20%D8%AA%D8%AF%D8%B1%D9%8A%D8%AC%D9%8A_0.jpg.webp?itok=vxmSwnWT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%84_6_2_0_0.jpg.webp?itok=bXmPMgmE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_13.jpg.webp?itok=spQUDIJB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/HZqzmEM3wHkpGDbaSRAGBBQMhEa0hdlTTItgQp3YQ8vkDfD4RYKg23G5l2fLOzSA03MFwoRi3ZXf323e4nL3cGcgCtJZ1paZeCO0deQan3C9vbLdqv33J12rlbMXyvhrmx35wvn3PVmnqlgOasmOg-uxIOD0Ui5L3ldmqsEmQOVOc-DELTto2MSMQ5fvj8mD%20%281%29.jpg.webp?itok=wQ_c7z8P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_3_0.jpg.webp?itok=9i6zbI2S)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/se2eSzBtgtZRvochpXWXHRd8zJBTdSWUjbrvDt0HXmgf6oUX8IJbzzaVjDswDs5fNPFP8F2YCXmj1QoaVi7cvkkCLIDn4lgzNlP5Fb1m1yxn_6_MonFxDiYg9RD7QPKpOqQ76LD1Y5aT7WMJxmzBKZdrEuyHdbh_kree1NSzAlBQqGvzJiK_H5thQehOLXXq%20%281%29.jpg.webp?itok=ybPL0QY1)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_132_0_3.jpg.webp?itok=pHqrfLPb)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

