تنظيم الإخوان المسلمين والعنف... من الفكرة إلى السلاح

تنظيم الإخوان المسلمين والعنف... من الفكرة إلى السلاح

تنظيم الإخوان المسلمين والعنف... من الفكرة إلى السلاح


20/10/2025

 

لم يكن العنف عند جماعة الإخوان المسلمين مجرد حادثٍ طارئ في مسيرتها الممتدة منذ ما يقرب من قرن، بل كان مكوّنًا جوهريًا في بنيتها الفكرية والتنظيمية. فمنذ اللحظة الأولى التي رفع فيها حسن البنا شعار "الجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا"، تحوّل العنف من فكرة دعوية إلى مشروع سياسي يسعى لفرض نمط ديني سلطوي على الدولة والمجتمع.

وإذا كانت الجماعة قد حاولت في مراحل لاحقة إظهار وجهها "السياسي المعتدل"، فإنّ الوقائع عبر تاريخها، وما خلّفته من تنظيمات فرعية في العالم العربي والإسلامي، تؤكد أنّ النهج الإخواني ظلّ أسير فكرة التمكين بالقوة، وأنّ الخطاب المزدوج بين "السلمية المعلنة" و"العنف المُضمَر" لم يكن إلا وسيلة تكتيكية للبقاء والتمدّد.

كتاب "تنظيم الإخوان المسلمين والعنف: الأفكار.. الانتشار.. الأنماط.. الممارسات" الصادر عن مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة في أبوظبي، يعيد قراءة هذه العلاقة المركّبة بين الفكر والتنظيم والسلاح، من خلال ((6 دراسات تحليلية تغطي مسارات الإخوان في مصر والمنطقة العربية وآسيا وأفريقيا والغرب. الكتاب الذي حرّره الدكتور إبراهيم غالي، بمشاركة نخبة من الباحثين، لا يكتفي بتوثيق تاريخ العنف الإخواني، بل يفكك أسبابه الفكرية والاجتماعية والسياسية، كاشفًا كيف تحوّل التنظيم الأم إلى مرجعية إيديولوجية لمعظم حركات التطرف في العالم الإسلامي.

 

العنف في الجذور: من البنا إلى التنظيم الخاص

يفتتح الكتاب فصوله بدراسة للباحث عبد الجليل الشرنوبي بعنوان "التأسيس التاريخي والتأصيل الفكري للعنف عند الإخوان المسلمين"، يتتبع فيها كيف تأسس الفكر الإخواني على مبدأ "إعداد القوة" كوسيلة للتغيير السياسي والمجتمعي، انطلاقًا من أدبيات حسن البنا وسيد قطب. ويؤكد الشرنوبي أنّ الجماعة لم تكن يومًا حركة دعوية سلمية، بل ارتكزت منذ البداية على بنية تنظيمية عسكرية تمثلت في "التنظيم الخاص" الذي نفّذ عمليات اغتيال وتفجيرات في الأربعينيات والخمسينيات داخل مصر، استهدفت رموزًا سياسية وقضائية.

ويذهب الباحث إلى أنّ العنف في فكر البنا لم يكن مجرد ردّ فعل على أوضاع سياسية، بل رؤية استراتيجية تنبع من فهم خاص للإسلام السياسي يقوم على فكرة "التمكين" و"استعادة الخلافة"، وهو ما جعل الصدام مع الدولة والمجتمع أمرًا حتميًا في منهج الجماعة. ويشير إلى أنّ الفكر القطبي لاحقًا، خاصة في كتاب "معالم في الطريق"، عمّق النزعة التكفيرية وجعل العنف واجبًا دينيًا ضدّ ما وصفه بـ "جاهلية المجتمع".

 

الحالة المصرية... صناعة العنف وآلياته

في الفصل الثاني يقدّم الدكتور أحمد زايد، أستاذ علم الاجتماع ومدير مكتبة الإسكندرية، دراسة بعنوان "آليات صناعة العنف عند جماعة الإخوان... دراسة خاصة للحالة المصرية"، يتناول فيها كيفية توظيف الجماعة للعنف وسيلة ضغط سياسي، من خلال ثلاث آليات أساسية: التعبئة العقائدية، والشرعنة الدينية، والتنظيم الخفي.

ويحلل زايد البنية النفسية والاجتماعية التي مكّنت الجماعة من استقطاب أفرادها لتبنّي العنف، موضحًا أنّ الخطاب الدعوي الإخواني يقوم على ثنائية "المؤمن والعدو"، وهو ما يخلق حالة دائمة من الصراع مع مؤسسات الدولة والمجتمع. ويرصد أشكال العنف غير المباشر التي مارستها الجماعة بعد 2011، من تحريض إعلامي وتخوين سياسي وتشويه للمؤسسات الوطنية، وصولًا إلى دعم خلايا إرهابية في سيناء ومدن مصرية مختلفة عقب سقوط حكمهم عام 2013.

ويرى زايد أنّ الحالة المصرية تمثل النموذج الأوضح لبنية العنف الإخواني، إذ تكررت أنماطها في أفرع الجماعة بدول عربية وإسلامية أخرى، من تونس إلى السودان وماليزيا، مع اختلافات طفيفة في الشكل والأسلوب تبعًا للسياقات المحلية.

 

العنف الإخواني في المنطقة العربية... تعدد الأنماط ووحدة المنهج

يتناول الفصل الثالث الذي شارك في كتابته خالد عكاشة مدير المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، والدكتورة دلال محمود أستاذ العلوم السياسية، مظاهر العنف الإخواني في المنطقة العربية، خاصة في أعقاب ثورات 2011 التي اعتبرتها الجماعة "فرصة تاريخية للتمكين".

ويؤكد الكاتبان أنّ الإخوان اعتمدوا ثنائية الازدواج بين الدعوة والممارسة المسلحة في أكثر من دولة عربية، فقد أسّسوا ميليشيات أو دعموا جماعات مسلحة لتحقيق أهدافهم السياسية. ففي ليبيا مثلًا شارك الإخوان في تشكيل ميليشيات مسلحة، وفي اليمن تحالفوا مع قوى متطرفة كتنظيم القاعدة. أمّا في تونس والمغرب، فقد مارسوا العنف الرمزي والفكري، عبر السيطرة على الفضاء الديني والإعلامي لفرض رؤيتهم الإيديولوجية.

ويسلط الفصل الضوء على دور التنظيم في تأجيج النزاعات الطائفية والمناطقية كوسيلة للهيمنة السياسية، ويؤكد أنّ الجماعة لم تتخلَّ عن العنف حتى في فترات مشاركتها السياسية، بل كانت تستثمره كأداة للابتزاز والمساومة.

 

آسيا... من الإسلام الحركي إلى العنف المنظّم

أمّا الفصل الرابع، الذي أعدّه الدكتور إبراهيم غالي، فيتناول انتشار فكر الإخوان في آسيا، مركّزًا على دول مثل باكستان وبنجلاديش وأفغانستان وإندونيسيا وماليزيا، حيث أسهمت الجماعة في نشوء حركات متطرفة مثل "الجماعة الإسلامية" في شبه القارة الهندية.

يقدّم غالي تحليلًا لعملية تكييف الفكر الإخواني مع البيئات الآسيوية، مبينًا أنّ الجماعة هناك استخدمت خطابًاً اجتماعيًا وتنمويًا لكسب النفوذ، لكنّها حافظت على بنيتها التنظيمية السرّية وصلاتها بحركات العنف. ويشير إلى أنّ التحالفات التي عقدتها جماعة الإخوان مع تنظيمات مثل (القاعدة وطالبان) كانت جزءًا من مشروعها العابر للحدود لإعادة تشكيل النظام الإسلامي العالمي وفق رؤيتها.

 

أفريقيا... العنف عبر شبكات النفوذ الدعوي والسياسي

الفصل الخامس الذي أعدّه الدكتور حمدي عبد الرحمن حسن يتناول الدور الإخواني في القارة الأفريقية، من خلال دراسة حالتي السودان والصومال، ثم امتدادات الجماعة في تشاد وإريتريا ونيجيريا.

يرى عبد الرحمن أنّ تجربة الإخوان في السودان منذ سبعينيات القرن الماضي تمثل أوضح نموذج لتحويل الدعوة إلى سلطة سياسية بالقوة، عبر انقلاب عام 1989 الذي قاده الإسلاميون ضد حكومة الصادق المهدي، ثم تورّطهم في إشعال حروب أهلية في دارفور والجنوب. أمّا في الصومال، فقد نشأت حركة "الإصلاح" ذات الجذور الإخوانية، التي وفّرت البيئة الفكرية لنمو جماعات العنف مثل "الشباب المجاهدين".

ويشير الباحث إلى أنّ التنظيم عمل في أفريقيا على تغلغل ناعم عبر التعليم والدعوة والمساعدات الخيرية، لكنّه وظّف هذه الأدوات لبناء قاعدة اجتماعية تمهّد لتشكيل أجنحة سياسية وعسكرية، وهو ما جعل القارة ساحة خصبة لتكاثر خلاياه وشبكاته.

 

الغرب... العنف المُضمَر والخطاب المزدوج

الفصل السادس والأخير، الذي كتبه الأكاديمي والمؤرخ السوري سامي مروان مبيّض، يتناول العنف الإخواني في أوروبا والولايات المتحدة تحت عنوان "الخطاب المزدوج... العنف المُضمَر للإخوان المسلمين في الغرب".

يوضح مبيّض أنّ الإخوان في الغرب لا يستخدمون العنف المسلح مباشرة، لكنّهم يمارسون عنفًا فكريًا وثقافيًا يقوم على "أسلمة" المجتمعات الغربية عبر ما يُعرف بـ "الجهاد الحضاري"، مستخدمين خطابين متناقضين: واحد معتدل موجّه للرأي العام، وآخر متطرف يُروَّج داخليًا في أوساط التنظيم.

ويقدّم الباحث أمثلة على منظمات تابعة للإخوان في أوروبا والولايات المتحدة تورّطت في دعم مالي أو لوجستي لتنظيمات إرهابية، مثل "مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية" (CAIR) و"الرابطة الإسلامية في بريطانيا". ويستعرض الإجراءات التي اتخذتها دول أوروبية، أبرزها فرنسا وألمانيا وبريطانيا، لمراقبة نشاطات الإخوان ومحاولات تصنيفهم جماعة إرهابية.

 

مقدمة جينكينز.. تصحيح للفهم الغربي

في مقدمة الطبعة الدولية من الكتاب، كتب السير جون جينكينز أنّ هذا العمل يقدّم "تصحيحًا جوهريًا طال انتظاره" لفهم الغرب لحقيقة الإخوان، مؤكدًا أنّ التنظيم "يحمل في جوهره بذور التطرف منذ نشأته"، وأنّ العنف يشكّل استراتيجية بنيوية في فكر الجماعة، لا مجرد استثناءات ظرفية.

وأشار جينكينز إلى أنّ أهمية الكتاب تكمن في أنّه يقدّم تحليلًا داخليًا من باحثين يعيشون في المجتمعات التي يسعى الإخوان للتأثير فيها، ممّا يمنحه دقة وفهمًا سياقيًا نادرًا. واعتبر أنّ دراسة جماعة الإخوان باتت ضرورة أمنية وثقافية معًا، لأنّ التنظيم ما يزال يستخدم أدوات متعددة للنفاذ إلى الغرب عبر الخطاب الحقوقي والهوية الدينية.

 

العنف كجوهر لا عرض

يخلص الكتاب إلى أنّ العنف في فكر وممارسة الإخوان المسلمين ليس طارئًا ولا ردّ فعل على القمع السياسي، بل هو أحد أعمدة المشروع الإخواني منذ تأسيسه. تتبدل الأشكال والأساليب بتبدّل السياقات، لكنّ الهدف واحد: التمكين عبر الصدام.

فمن التنظيم الخاص في مصر، إلى الجماعات المسلحة في السودان وآسيا، إلى الخطاب المزدوج في أوروبا، تتكرر الملامح ذاتها: تديين السياسة، وتكفير الدولة الوطنية، وتحويل الدين إلى وسيلة هيمنة. وبذلك يقدّم الكتاب إضافة نوعية للنقاش الأكاديمي والسياسي حول الجماعة، ويعيد التأكيد على أنّ الإخوان هم الجذر الفكري لمعظم التنظيمات الإرهابية المعاصرة، مهما حاولوا تجميل صورتهم أو إعادة تسويق أنفسهم تحت شعارات الاعتدال والمشاركة.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية