
يطرح مركز (صواب) في دراسته البحثية الأخيرة بعنوان "الطموحات الإسلاموية وفشل الحوكمة: حالة جماعة الإخوان المسلمين" قراءة معمقة في مأزق الحركات الإسلاموية التي وصلت إلى السلطة، وخصوصًا تجربة جماعة الإخوان المسلمين في مصر.
الدراسة تنطلق من فرضية مفادها أنّ الإسلاميين، حين انتقلوا من موقع المعارضة إلى موقع الحكم، فشلوا في تحويل خطابهم الإيديولوجي إلى مشروع سياسي قابل للحياة، وأنّ هذا الفشل لم يكن عارضاً أو نتيجة ظرف سياسي استثنائي، بل نتاج بنيوي لطبيعة الفكرة الإسلاموية نفسها، التي لا تؤمن بالدولة الحديثة بقدر ما تسعى إلى توظيفها لصالح مشروع عقائدي مغلق.
الدراسة التي نشرها مركز (صواب)، وهو مؤسسة بحثية تُعنى بتفكيك خطاب التطرف والحركات الدينية السياسية، تتناول الإخوان باعتبارهم النموذج الأوضح لذلك التناقض بين الطموح الإيديولوجي والقدرة الواقعية على الحوكمة، وتستعرض المراحل التي قادت الجماعة من الانتصار الانتخابي إلى السقوط السياسي خلال فترة قصيرة، كاشفةً كيف تحوّل الوعد "الإسلامي" إلى أزمة حكم عميقة هزّت ثقة الشعوب في الخطاب الديني المسيس.
إيديولوجيا الطموح في مواجهة واقع الدولة
تشير الدراسة إلى أنّ الإخوان المسلمين قدّموا أنفسهم بوصفهم "البديل الأخلاقي" للنخب السياسية الحاكمة، متكئين على خطاب ديني عاطفي يوظّف فكرة "النهضة الإسلامية" و"الهوية" في مواجهة خصومهم. غير أنّ هذا الخطاب، بحسب مركز (صواب)، ظلّ أسيرًا للشعارات ولم يُترجم إلى رؤية حقيقية لإدارة الدولة. فحين واجهت الجماعة اختبار الحكم، اصطدمت بالبنية العميقة للمؤسسات الوطنية وبالأسئلة الجوهرية حول الاقتصاد، والعدالة، والعلاقات الخارجية، والحريات العامة.
تذهب الدراسة إلى أنّ فشل الإخوان لم يكن فنياً أو إدارياً فحسب، بل كان فكرياً أيضاً، فقد سعت الجماعة إلى بناء سلطة دينية تُخضع الدولة لمفهوم "التمكين" التنظيمي، لا إلى بناء دولة مدنية قادرة على خدمة المواطنين جميعاً. وبذلك نقلت منطقها التنظيمي المغلق إلى مؤسسات الدولة، فاستبدلت الكفاءة بالولاء، وحوّلت المجال العام إلى ساحة تعبئة عقائدية.
وترى الدراسة أنّ هذه المفارقة، بين خطاب الشريعة ومقتضيات الدولة، شكّلت جوهر أزمة الإسلاميين المعاصرين، فالمجتمعات التي انتخبتهم كانت تتطلع إلى تحسين مستوى المعيشة وتحقيق العدالة الاجتماعية، بينما انشغلت الجماعة بإعادة هندسة المجال السياسي على أساس ديني، ففقدت سريعاً ثقة جمهورها.
فشل الحوكمة وتآكل الشرعية
يرى مركز (صواب) أنّ التجربة الإخوانية في الحكم مثّلت نموذجاً واضحاً لفشل الحوكمة، إذ لم تتمكّن الجماعة من إدارة مؤسسات الدولة أو استيعاب طبيعة التوازنات السياسية. فقد تحوّل البرلمان والرئاسة إلى منصّتين لتصفية الحسابات مع الخصوم، بدل أن يكونا إطاراً لصنع السياسات العامة. كما أنّ الإخوان لم ينجحوا في بناء تحالفات وطنية واسعة، بل تعاملوا مع شركائهم في الثورة على نظام مبارك بمنطق "الاستحواذ"، وهو ما أدى إلى عزلهم سياسياً وشعبياً.
وتلفت الدراسة إلى أنّ تآكل شرعية الإخوان كان نتيجة مباشرة لخلطهم بين الدعوة والسياسة، وبين الدين والسلطة. فبمجرد أن أصبحت الجماعة في الحكم، فقدت موقعها الدعوي التقليدي، دون أن تتمكّن في المقابل من ترسيخ شرعية سياسية قائمة على الإنجاز. وتضيف الدراسة أنّ خطاب الجماعة المزدوج ـ الذي يُطمئن الخارج بلغة براغماتية ويعبّئ الداخل بخطاب ديني مغلق ـ أدى إلى فقدان الثقة لدى الطرفين، فبدت الجماعة في نظر المواطنين عاجزة عن إدارة الدولة، وفي نظر القوى الدولية غير جديرة بالشراكة.
وتخلص الدراسة إلى أنّ مفهوم "الحوكمة الإسلامية" الذي روّجت له الجماعة لم يتجاوز حدود الخطاب. فعلى أرض الواقع لم تملك جماعة الإخوان رؤية اقتصادية متماسكة، ولا مشروعًا اجتماعيًا جامعًا، بل كرّست الاستقطاب وأعادت إنتاج الانقسام الديني والسياسي داخل المجتمع المصري.
الإخوان والدولة الوطنية: صراع وجودي
تناقش دراسة (صواب) العلاقة المأزومة بين الإخوان وفكرة الدولة الوطنية، مؤكدة أنّ الإخوان لم ينظروا إلى الدولة الحديثة باعتبارها كياناً سياديّاً قائماً بذاته، بل وسيلة لتحقيق غاية إيديولوجية أوسع هي "الخلافة" أو "الأمّة الإسلامية". وهذا الفهم، بحسب الدراسة، جعل الجماعة تتصادم بنيوياً مع مفهوم المواطنة، ومع مؤسسات الدولة التي تمثل الشرعية القانونية والسياسية للمجتمع.
وترى الدراسة أنّ هذا التناقض البنيوي كان أحد الأسباب الرئيسية التي جعلت الجماعة تفشل في الاندماج ضمن النظام السياسي الحديث. فبينما تقوم الدولة الحديثة على مبدأ الفصل بين السلطات وتداول السلطة والتمثيل الديمقراطي، ظلّ الإخوان يقدّمون أنفسهم كـ "جماعة طليعية" تمتلك الحق في تحديد الصواب والخطأ باسم الدين. ومن ثمّ، فإنّ أيّ اختلاف مع الجماعة يُعتبر انحرافاً عن "المنهج الإسلامي"، لا مجرد خلاف سياسي مشروع.
وتضيف الدراسة أنّ هذا النمط من التفكير أنتج سلوكاً إقصائياً، جعل الجماعة تفقد القدرة على التفاوض أو بناء تسويات وطنية، وهو ما أسهم في تعجيل سقوطها السياسي، وبذلك تحوّل الإخوان من قوة تعبئة شعبية إلى كيان منغلق يعيش على هامش الدولة والمجتمع.
الدروس المستفادة وسياق ما بعد الإخوان
يؤكد مركز (صواب) أنّ تجربة الإخوان ليست استثناءً، بل تُعبّر عن مأزق شامل للحركات الإسلاموية حين تواجه مسؤولية الحكم. فالمشكلة، وفق الدراسة، لا تتعلق فقط بأداء الإخوان، بل بالبنية الفكرية التي تحكم الحركات الدينية السياسية عامةً، حيث يختلط فيها "الرسالي" بـ "السياسي"، و"العقائدي" بـ "المصلحي"، بما يجعلها عاجزة عن قبول قواعد اللعبة الديمقراطية إلا كمرحلة عابرة في طريق السيطرة.
وتستعرض الدراسة في ختامها مجموعة من الدروس المستفادة، من أبرزها:
ـ أنّ أيّ مشروع سياسي يقوم على احتكار الحقيقة الدينية مصيره الفشل، لأنّه يتناقض مع مفهوم الدولة التعددية.
ـ أنّ بناء الدولة يحتاج إلى مؤسسات كفوءة لا إلى ولاءات تنظيمية.
ـ أنّ الحركات الإسلاموية، ما لم تُراجع إيديولوجيتها وتفصل بين الدعوي والسياسي، ستظل تدور في حلقة مفرغة من الصعود والانهيار.
وترى الدراسة أنّ فشل الإخوان في مصر شكّل نقطة تحوّل في وعي المجتمعات العربية تجاه خطاب الإسلام السياسي، الذي لم يعد يُنظر إليه بوصفه "حلاً"، بل كأحد أسباب أزمات الحكم. وتشير إلى أنّ مرحلة ما بعد الإخوان شهدت صعود تيارات مدنية جديدة تسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدين والدولة على أساس المواطنة والمصلحة العامة، لا على أساس الانتماء العقائدي.
تقدّم دراسة مركز (صواب) قراءة نقدية متماسكة لتجربة الإسلاميين في الحكم، وتعيد طرح السؤال الجوهري: هل يمكن للإسلام السياسي أن يتحول إلى مشروع دولة؟ الجواب، كما تستنتج الدراسة، هو أنّ الأزمة ليست في التطبيق فقط، بل في جوهر الفكرة التي ترفض مفهوم الدولة الحديثة لصالح تصوّر عقائدي يتعارض مع منطق الحوكمة الرشيدة.
إنّ تجربة الإخوان المسلمين، كما تقول الدراسة، كشفت حدود الإيديولوجيا حين تصطدم بواقع الدولة، وأظهرت أنّ الدين حين يُستعمل كأداة سلطة، يفقد قدرته على الإلهام الروحي، ويتحوّل إلى عبء سياسي وأخلاقي. ومن هنا، فإنّ الخلاص لا يكون في إعادة تكرار التجربة الإسلاموية، بل في ترسيخ نموذج مدني ديمقراطي يحترم الدين دون أن يوظّفه، ويقيم الدولة على أساس الكفاءة لا العقيدة.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_1.jpg.webp?itok=xPM6Zm6W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A9_0_0.jpg.webp?itok=oReg_6OS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86_0_0_0.jpg.webp?itok=E2PAAHDO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_0.jpg.webp?itok=o9GuuOK0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_2_0.jpg.webp?itok=JhFfhYPA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/bS9h1QQC8Ibxq-Zun7e7I3XZ9pTAR6Hooc8tBKmPdGarEceWYq-LXVMJpnmDToBW2tBynDQtONt9BYdEcNWmtnKCvf1-y8XVc2k7VapC-xhjRdvmUd6AChwb3SggR2pYGpa2blLFZ6lja7ERor2BfD54xHBRWdDoA-f_PXiCBiw75fjOudZLWKl84JjBmDnD.jpg.webp?itok=caFu8voa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D9%8A%D8%B1%20%D8%AA%D8%AF%D8%B1%D9%8A%D8%AC%D9%8A_0.jpg.webp?itok=vxmSwnWT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%84_6_2_0_0.jpg.webp?itok=bXmPMgmE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_13.jpg.webp?itok=spQUDIJB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/HZqzmEM3wHkpGDbaSRAGBBQMhEa0hdlTTItgQp3YQ8vkDfD4RYKg23G5l2fLOzSA03MFwoRi3ZXf323e4nL3cGcgCtJZ1paZeCO0deQan3C9vbLdqv33J12rlbMXyvhrmx35wvn3PVmnqlgOasmOg-uxIOD0Ui5L3ldmqsEmQOVOc-DELTto2MSMQ5fvj8mD%20%281%29.jpg.webp?itok=wQ_c7z8P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_3_0.jpg.webp?itok=9i6zbI2S)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/se2eSzBtgtZRvochpXWXHRd8zJBTdSWUjbrvDt0HXmgf6oUX8IJbzzaVjDswDs5fNPFP8F2YCXmj1QoaVi7cvkkCLIDn4lgzNlP5Fb1m1yxn_6_MonFxDiYg9RD7QPKpOqQ76LD1Y5aT7WMJxmzBKZdrEuyHdbh_kree1NSzAlBQqGvzJiK_H5thQehOLXXq%20%281%29.jpg.webp?itok=ybPL0QY1)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_132_0_3.jpg.webp?itok=pHqrfLPb)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

