
في الوقت الذي تتعامل فيه أجهزة الدولة المصرية مع أزمة السيول وغرق بعض القرى الواقعة على ضفاف النيل، أصدرت جماعة الإخوان المسلمين بياناً تحريضياً جديداً، حاولت من خلاله إعادة نفسها إلى واجهة الأحداث، عبر تبنّي خطاب "التعاطف الإنساني" مع المتضررين من الفيضانات، وربطه بفشل الدولة في إدارة أزمة سد النهضة.
البيان الذي وقّعه المتحدث الإعلامي للجماعة حسن صالح يوم أمس، جاء في وقت تسعى فيه القاهرة لاحتواء الأزمة ميدانياً، وهو ما يكشف ـ وفق مراقبين ـ عن محاولة ممنهجة لإحياء نشاط الجماعة إعلامياً داخل المشهد الوطني من بوابة الكوارث الإنسانية.
قد يبدو بيان الجماعة في ظاهره تعاطفاً مع ضحايا السيول، لكنّ لغته السياسية تكشف نية مبيتة لاستغلال المأساة لتأليب الرأي العام. فقد استخدمت الجماعة مصطلحات مثل "سلطة الانقلاب" و"فشل النظام" و"الاستخفاف بمصالح الوطن"، وهي مفردات تنتمي إلى خطابها الدعائي المعتاد منذ إقصائها عن الحكم في 2013.
ويرى مراقبون أنّ البيان الأخير "يمثل محاولة لإحياء ماكينة الدعاية الإخوانية التي تراهن على أيّ حدث مأساوي لربطه بأداء الدولة المصرية وتشويه مؤسساتها"، ويؤكدون أنّ الجماعة تتعامل مع الأزمات الطبيعية كفرصة لإعادة تدوير خطابها القديم حول "المظلومية والفساد والإهمال"، في حين أنّها لا تملك أيّ أدوات واقعية للتعامل مع الكارثة.
توظيف الكوارث كأداة سياسية
لم يكن بيان 4 (أكتوبر) هو الأول من نوعه، فمنذ عام 2019 دأبت الجماعة على استغلال حوادث طبيعية واجتماعية داخل مصر لتقديم نفسها في صورة "المدافع عن الشعب"، بينما تهدف عملياً إلى إعادة إنتاج حضورها في الوعي الجمعي بعد أن فقدت قواعدها التنظيمية داخل البلاد.
وتشير تقارير المراكز البحثية، مثل مركز (تريندز) للبحوث والاستشارات، إلى أنّ الإخوان اعتمدوا منذ سقوط حكمهم على سياسة "الاستثمار في الأزمات"، أي تحويل الكوارث إلى مادة تحريضية ضد الدولة.
ويلاحظ أنّ الجماعة تلجأ في كل مرة إلى عناوين إنسانية مثل "التضامن مع الضحايا"، أو "المطالبة بالعدالة الاجتماعية"، لكنّها تُخفي تحتها خطاباً عدائياً يستهدف مؤسسات الحكم ويشكك في قدرة الدولة على إدارة الأزمات.
في هذا السياق، يمكن قراءة البيان الجديد كجزء من حملة منسقة عبر صفحات الجماعة في الخارج، خاصة في تركيا وقطر، لإعادة إنتاج صورة النظام المصري باعتباره "عاجزاً عن حماية مواطنيه"، وهو ما يتماشى مع نمط البروباغندا الذي تتبناه أذرعها الإعلامية منذ عقد من الزمن.
إعادة تدوير خطاب "سلطة الانقلاب"
اللافت في البيان أنّه أعاد مفردة "سلطة الانقلاب" التي تخلت عنها بيانات الجماعة في العامين الأخيرين في بعض إصداراتها الموجهة للغرب، وهو ما يعكس عودة واضحة إلى خطاب المواجهة المباشرة.
ويرى مراقبون أنّ استخدام هذا المصطلح الآن "يُعبّر عن أزمة داخلية في بنية الجماعة، إذ تسعى إلى ترميم الولاء التنظيمي في الخارج بعد تصاعد الانقسامات بين جناحي لندن وإسطنبول". كذلك "البيان موجّه بالأساس إلى عناصر التنظيم وليس إلى الشارع المصري، بهدف إحياء الشعور بالمظلومية وتذكيرهم بالخطاب الأصلي ضد الدولة المصرية".
كذلك يبدو أنّ الجماعة فقدت قدرتها على التأثير المباشر داخل مصر، لكنّها ما تزال تحاول مخاطبة الداخل عبر الإعلام الخارجي، مستخدمة قضايا حساسة مثل سد النهضة والأزمات المعيشية، لتبدو كأنّها الصوت المدافع عن حقوق المصريين.
اللعب على وتر "سد النهضة"
إنّ ربط البيان بين غرق القرى وفشل إدارة أزمة سد النهضة لم يكن عفوياً، إذ تسعى الجماعة منذ سنوات لتصوير ملف السد على أنّه "دليل على ضعف الدولة"، رغم أنّ المفاوضات التي تقودها القاهرة تتم بشفافية وبمشاركة مؤسسات دولية.
ويرى خبراء في هذا الصدد أنّ "الجماعة تحاول عبر هذا الربط أن تضرب مصداقية الدولة في ملف حساس يمسّ الأمن القومي"، كذلكّ الإخوان يعتمدون على نشر الشكوك بين المواطنين حيال قدرة الحكومة على حماية الموارد المائية، وهي استراتيجية قديمة استُخدمت سابقاً في قضايا الأمن الغذائي والطاقة.
خطورة هذا النوع من البيانات أنّه يوظّف المعاناة الإنسانية لأغراض سياسية خالصة، دون تقديم أيّ دعم فعلي للضحايا، أو أيّ حلول عملية، بل فقط توجيه اللوم وتشويه مؤسسات الدولة".
تضامن زائف... ومشروع قديم
البيان دعا إلى "مدّ يد العون للمتضررين"، لكنّ الجماعة التي تصدر بياناتها من الخارج لا تملك أيّ آلية للمساعدة، وهو ما يجعل دعوتها أقرب إلى استعراض إعلامي يهدف إلى الظهور بمظهر "المتحدث باسم الشعب".
هذا النوع من البيانات هو جزء من مشروع الإخوان القديم لتقديم أنفسهم كبديل أخلاقي للدولة. والجماعة تحاول دائماً توظيف فكرة التضامن الاجتماعي لتجميل صورتها أمام جمهور فقد الثقة بها بعد تجربة حكمها الفاشلة في 2012-2013، لكنّها في الواقع تستخدم المآسي العامة لإعادة تسويق خطابها العدمي المعادي للدولة الوطنية.
دلالات التوقيت
يأتي البيان في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات سياسية واقتصادية كبرى، ومع اقتراب الانتخابات الأمريكية وعودة الجدل حول الدعم الغربي للإسلام السياسي. ويشير محللون إلى أنّ الجماعة تحاول الاستفادة من المناخ الدولي الحالي لإعادة تسويق نفسها كقوة "معتدلة" بعد حظرها في عدة دول أفريقية مثل كينيا والسودان وتشاد.
ويرى المراقبون أنّ توقيت البيان يتزامن مع حملات إلكترونية تُدار من الخارج عبر منصات قريبة من التنظيم، هدفها إحياء قضايا محلية في مصر وربطها بـ "فشل النظام"، في إطار ما يُسمّى "الإعلام الموجّه من الخارج".
فشل محاولات العودة
رغم كل هذه المحاولات تبدو عودة الجماعة إلى المشهد المصري شبه مستحيلة. فالمجتمع المصري تجاوز خطابها السياسي منذ سنوات، والمؤسسات الأمنية تتابع بدقة أيّ محاولات لإعادة تشكيل قواعد تنظيمية داخل البلاد. كما أنّ الأحزاب والقوى السياسية الوطنية ترفض بشكل قاطع أيّ تواصل مع الجماعة أو واجهاتها الجديدة التي تحاول الاندماج في العمل المدني تحت أسماء مستعارة.
الجماعة "تحاول استخدام الفضاء الإلكتروني كمنصة بديلة للعمل التنظيمي بعد تفكيك خلاياها التقليدية"، خاصةً أنّ "البيانات، مثل بيان غرق القرى، ليست سوى اختبار لقياس التفاعل الشعبي عبر الإنترنت، قبل الانتقال إلى خطوات أكثر تنظيماً في حملات الدعاية".
استثمار الألم وإفلاس الخطاب
يعكس بيان الإخوان حول غرق القرى المصرية محاولة جديدة لاستثمار المآسي الوطنية من أجل إعادة إنتاج الذات التنظيمية، في وقت تراجع فيه نفوذ الجماعة إقليمياً وتشتت قيادتها بين عواصم عدة.
فبينما تنشغل الدولة المصرية بإغاثة المتضررين ومعالجة آثار الكارثة، تواصل الجماعة ترديد خطابها المأزوم الذي يخلط بين الشفقة والتحريض، محاوِلةً الظهور كصوت الضمير الجمعي بينما هي في الحقيقة تُعيد تدوير أدواتها القديمة في التحريض والتشويه.
إنّ بيان (أكتوبر) 2025 ليس سوى حلقة جديدة في مسلسل الاستغلال الإخواني للكوارث، يؤكد أنّ الجماعة لم تتعلم من إخفاقها التاريخي، ولم تخرج بعد من مأزقها الفكري والسياسي، وأنّ عزلتها المتزايدة جعلتها لا تملك سوى المتاجرة بمعاناة المصريين لتذكير العالم بوجودها.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_1.jpg.webp?itok=xPM6Zm6W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A9_0_0.jpg.webp?itok=oReg_6OS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86_0_0_0.jpg.webp?itok=E2PAAHDO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_0.jpg.webp?itok=o9GuuOK0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_2_0.jpg.webp?itok=JhFfhYPA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/bS9h1QQC8Ibxq-Zun7e7I3XZ9pTAR6Hooc8tBKmPdGarEceWYq-LXVMJpnmDToBW2tBynDQtONt9BYdEcNWmtnKCvf1-y8XVc2k7VapC-xhjRdvmUd6AChwb3SggR2pYGpa2blLFZ6lja7ERor2BfD54xHBRWdDoA-f_PXiCBiw75fjOudZLWKl84JjBmDnD.jpg.webp?itok=caFu8voa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D9%8A%D8%B1%20%D8%AA%D8%AF%D8%B1%D9%8A%D8%AC%D9%8A_0.jpg.webp?itok=vxmSwnWT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%84_6_2_0_0.jpg.webp?itok=bXmPMgmE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_13.jpg.webp?itok=spQUDIJB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/HZqzmEM3wHkpGDbaSRAGBBQMhEa0hdlTTItgQp3YQ8vkDfD4RYKg23G5l2fLOzSA03MFwoRi3ZXf323e4nL3cGcgCtJZ1paZeCO0deQan3C9vbLdqv33J12rlbMXyvhrmx35wvn3PVmnqlgOasmOg-uxIOD0Ui5L3ldmqsEmQOVOc-DELTto2MSMQ5fvj8mD%20%281%29.jpg.webp?itok=wQ_c7z8P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_3_0.jpg.webp?itok=9i6zbI2S)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/se2eSzBtgtZRvochpXWXHRd8zJBTdSWUjbrvDt0HXmgf6oUX8IJbzzaVjDswDs5fNPFP8F2YCXmj1QoaVi7cvkkCLIDn4lgzNlP5Fb1m1yxn_6_MonFxDiYg9RD7QPKpOqQ76LD1Y5aT7WMJxmzBKZdrEuyHdbh_kree1NSzAlBQqGvzJiK_H5thQehOLXXq%20%281%29.jpg.webp?itok=ybPL0QY1)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_132_0_3.jpg.webp?itok=pHqrfLPb)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

