
رغم أنّ الدمار يحيط بكلّ شيء في غزة، ورغم أنّ البيوت تحولت إلى أكوام من الركام، إلا أنّ وجوهًا كثيرة ما زالت ترسم الابتسامة كأنّها رسالة مقاومة بحدّ ذاتها، فكيف يستطيع أهل غزة أن يجدوا سببًا للابتسام، بينما يفتقدون أبسط مقومات الحياة؟
أوضحت دراسة أعدّها مركز التدريب المجتمعي وإدارة الأزمات الفلسطيني أنّ 96% من الأطفال في قطاع غزة يشعرون بأنّ الموت وشيك، وأنّ 87% من الأطفال يظهرون خوفًا شديدًا، ويعاني 79% منهم من الكوابيس.
وأكدت تقارير منظمة الصحة العالمية أنّ حوالي (485) ألفًا من السكان يعانون اضطرابات نفسية، ومن ضمنهم (20) ألفًا بحاجة إلى تدخلات صحة نفسية متخصصة.
وتشير دراسة بحثية نُشرت في تموز (يوليو) 2025 إلى ارتفاع مقلق وغير مسبوق في معدلات الأعراض النفسية، فقد أظهرت نتائج الدراسة أنّ 72.7% من المشاركين لديهم اكتئاب متوسط إلى شديد، و65% لديهم قلق متوسط إلى شديد، واستوفى 83.5% منهم عتبة اضطراب ما بعد الصدمة.
وأظهرت نتائج تحليل البيانات الإكلينيكية للربع الأول من العام 2025 في برنامج غزة للصحة النفسية ارتفاع معدلات الاضطرابات النفسية بين الحالات الجديدة من الأطفال والبالغين مقارنة مع معدلات العام المنصرم التي تمّ تشخيصها في المراكز المجتمعية الثلاثة التابعة له، حيث إنّ 31% من الحالات شخصت باضطرابات اكتئاب حادة، و27% باضطرابات قلق من ضمنها اضطراب ما بعد الصدمة، وشخصت باقي الحالات بمجموعة مختلفة من الاضطرابات النفسية، منها على سبيل المثال لا الحصر اضطرابات الأعراض الجسمية، النفسية المنشأ، والوسواس القهري وغيرها.
لن يسرقوا ابتسامتنا
صفية بنات، سيدة خمسينية فقدت منزلها في حيّ التفاح شرق مدينة غزة، تجلس الآن مع أحفادها في خيمة أقيمت قرب مدرسة إيواء بحي الرمال وسط مدينة غزة، تقول: "نضحك كي لا نموت من القهر، لو استسلمنا للحزن لما بقينا على قيد الحياة، أطفالنا يحتاجون أن يروا فينا قوة حتى لو كنا مكسورين من الداخل".
وتضيف بنات: "الحياة سلبت منا الكثير، لكنّها لا تستطيع سرقة روحنا، نبتسم لأننا نؤمن أنّ هذا الليل سينتهي، وأنّه سيكون لنا مستقبل مختلف".
وتتابع: "الابتسامة التي ترتسم على وجهي تخفي وجعًا كبيرًا، فأنا فقدت منزلي وزوجي خلال الحرب المتواصلة، لكنني أرفض أن أترك أبنائي يواجهون الألم وحدهم".
وتؤكد: "حتى لو دُمّر كل شيء، لا أستطيع أن أسمح للحزن أن يسيطر عليّ، كلّ يوم يمرّ يمنحني شعورًا بأنني ما زلت على قيد الحياة، رغم مرارة الأيام وصعوبتها".
وتضيف: "الضحك صار وسيلة جماعية لمواجهة القلق، فحين نضحك معًا نشعر بأننا ما زلنا نملك شيئًا، نملك أنفسنا على الأقل".
صفية بنات مثل كثير من النساء في غزة، وجدن طريقة صغيرة للبقاء بين الأمل واليأس، وكلّ يوم يكتشفن طرقًا جديدةً لتحويل الألم إلى مقاومة، والدمار إلى حياة، ولو كانت مؤقتة.
الضحك كوسيلة للبقاء
في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة يجلس الفلسطيني خليل النجار (42 عامًا) على ركام منزله، يوزّع الشاي على جيرانه ويمازحهم رغم أنّه فقد بيته وكلّ ما يملكه، ويروي بابتسامة واسعة رغم عينيه الممتلئتين بالتعب: "سرقوا بيتنا، لكنّهم لن يسرقوا ابتسامتنا، ما دام القلب ينبض، سنظل نضحك، هذا هو سلاحنا الأخير".
ويضيف النجار: "في ليلة واحدة فقدنا كلّ شيء، البيت، والذكريات، والأمان، لكنني لا أستطيع أن أظهر الانكسار أمام عائلتي، أحاول أن أضحك معهم، أن أخلق لهم إحساسًا بأننا ما زلنا نعيش".
وتوقف النجار قليلًا، ثم تحدث بابتسامة خجولة: "البيت يمكن أن يُبنى من جديد، لكن إذا ضاع الأمل، فلن نستطيع أن نستعيده".
ويتابع: "أحيانًا أصرخ وأبكي، لكنّي أعرف أنّ في كل دمعة بذرة أمل، إذا لم نحافظ على هذا الأمل، فلن يبقى لنا شيء".
ويؤكد: "رغم أنّ الحرب أطفأت النور في بيوت كثيرة، فإنّني ما زالت أحلم بمستقبل مضيء، وأؤمن أنّ العودة إلى السعادة والابتسامة ستعيد لي شيئًا من حياتي الطبيعية".
ويبتسم النجار قائلاً: "كل ما أريده هو أن يضحك أبنائي، إذا استطاعوا أن يجدوا لحظة سعادة وسط هذا الخراب، فأنا أكون قد انتصرت".
لا نريد أن نُهزم
سمية معروف من حي الصفطاوي شمال قطاع غزة، فقدت زوجها وبيتها خلال الحرب الإسرائيلية، تجلس أمام خيمتها، وتقول: "نحن لا نملك الكثير، لكننا نملك القوة لنستمر، هذه الأرض علمتنا أنّ الابتسامة مقاومة".
وتضيف معروف (39 عامًا): "نحن الذين فقدوا بيوتهم وأحبتهم، ولكن لم يفقدوا قدرتهم على الحلم، ولن يسمحوا لليأس أن يبتلعهم".
وتؤكد: "الابتسامة في غزة ليست رفاهية، بل وسيلة بقاء، إنّها رسالة غير مكتوبة، مفادها أنّ أهل غزة لن يسمحوا للركام أن يسحق أرواحهم، ولن يقبلوا أن تتحول حياتهم إلى مجرد أرقام في نشرات الأخبار".
وتوضح: "إذا رآني أطفالي منهارة، فسينهارون هم أيضًا، أحيانًا أضحك بصوت عالٍ من دون سبب، فقط كي أجعلهم يضحكون، الضحك أصبح سلاحي الوحيد ضد هذا الخراب".
وتضيف: "الكثيرات من صديقاتي فقدن أحلامهن، لكننا لا نريد أن نُهزم، نضحك رغم الألم، لأننا نؤمن أنّ هذه الحرب ستنتهي، وما يبقى هو إرادتنا".
وتتابع: "نبتسم كي ننسى القصف، إذا بقينا نفكر في الخوف، فلن نضحك أبدًا، لا أريد أن أستسلم، فالنساء عليهنّ مسؤولية مضاعفة، أن نحمي أبناءنا نفسيًا قبل أن نحميهم من الجوع".
رسالة صمود
يرى أستاذ علم النفس بجامعة القدس أحمد أبو سلطان أنّ "هذه الظاهرة جزء من الثقافة المجتمعية التي تتوارثها الأجيال في غزة، موضحًا أنّ "الضحك والابتسامة في أقسى الظروف هما شكل من أشكال الدفاع النفسي، ووسيلة لمواجهة الصدمة".
ويضيف أبو سلطان: "عندما يبتسم سكّان غزة وسط الكارثة، فهم لا ينكرون حجم المأساة، بل يحاولون أن يحافظوا على توازنهم النفسي، الابتسامة هنا ليست تعبيرًا عن الفرح بقدر ما هي وسيلة للتخفيف من الألم الداخلي، وحماية للأطفال والعائلة من الانهيار".
ويوضح: "الابتسامة وسط المأساة ليست إنكارًا للواقع، بل وسيلة ذكية للتأقلم، الناس هنا يستخدمون الضحك لتخفيف الصدمة، ولإرسال رسالة صمود إلى أنفسهم وإلى الآخرين".
ويؤكد أبو سلطان: "رغم الجوع والدمار، ورغم غياب الكهرباء والماء والدواء، ما يزال الناس في غزة يضحكون، فهذه الضحكات ليست نابعة من ترف، بل من إدراك عميق بأنّ اليأس أخطر من الحرب ذاتها".
وسط كلّ هذا الخراب، تبقى ابتسامات أهل غزة بمثابة شهادة حيّة على صمود لا ينكسر، هي ضحكات تحمل وجعًا، لكنّها في الوقت نفسه تحمل معنى المقاومة، فالضحك هنا ليس إنكارًا للواقع، بل هو إعلان بأنّهم لن يستسلموا، وأنّ وراء كل ابتسامة رسالة تقول: "نحن باقون".

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_13.jpg.webp?itok=spQUDIJB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_2_0.jpg.webp?itok=JhFfhYPA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D9%8A%D8%B1%20%D8%AA%D8%AF%D8%B1%D9%8A%D8%AC%D9%8A_0.jpg.webp?itok=vxmSwnWT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_1.jpg.webp?itok=xPM6Zm6W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_0.jpg.webp?itok=o9GuuOK0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A9_0_0.jpg.webp?itok=oReg_6OS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/bS9h1QQC8Ibxq-Zun7e7I3XZ9pTAR6Hooc8tBKmPdGarEceWYq-LXVMJpnmDToBW2tBynDQtONt9BYdEcNWmtnKCvf1-y8XVc2k7VapC-xhjRdvmUd6AChwb3SggR2pYGpa2blLFZ6lja7ERor2BfD54xHBRWdDoA-f_PXiCBiw75fjOudZLWKl84JjBmDnD.jpg.webp?itok=caFu8voa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%84_6_2_0_0.jpg.webp?itok=bXmPMgmE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86_0_0_0.jpg.webp?itok=E2PAAHDO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/se2eSzBtgtZRvochpXWXHRd8zJBTdSWUjbrvDt0HXmgf6oUX8IJbzzaVjDswDs5fNPFP8F2YCXmj1QoaVi7cvkkCLIDn4lgzNlP5Fb1m1yxn_6_MonFxDiYg9RD7QPKpOqQ76LD1Y5aT7WMJxmzBKZdrEuyHdbh_kree1NSzAlBQqGvzJiK_H5thQehOLXXq%20%281%29.jpg.webp?itok=ybPL0QY1)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_132_0_3.jpg.webp?itok=pHqrfLPb)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA_0_0.jpg.webp?itok=woqFOs9E)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/HZqzmEM3wHkpGDbaSRAGBBQMhEa0hdlTTItgQp3YQ8vkDfD4RYKg23G5l2fLOzSA03MFwoRi3ZXf323e4nL3cGcgCtJZ1paZeCO0deQan3C9vbLdqv33J12rlbMXyvhrmx35wvn3PVmnqlgOasmOg-uxIOD0Ui5L3ldmqsEmQOVOc-DELTto2MSMQ5fvj8mD%20%281%29.jpg.webp?itok=wQ_c7z8P)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_3_0.jpg.webp?itok=9i6zbI2S)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/CoGHKdHI0A1hPADsf1xvDHVYJqUe203-L3Pi6M4DItYuTY-LBYbdxBlWhxyVw5eFpyA77EhAFTia-ZJfwN_pPc-dT2jAvVSmof1AU4jW-RzbK6tUu3zl53R8QNE4uB11Ku6-xRExeteqGE4nrU0FKMjgD-qSsmdO2ta_bQ1psS94XeIDmHXni2TQvZ9guYV4.jpg.webp?itok=d3qSl9vR)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

