رضا بنكيران: لا يمكن للإسلام الاستجابة للتحديات الاجتماعية والعلمية إلا عبر المعرفة

مدني قصري's picture
كاتب ومترجم جزائري
7451
عدد القراءات

2018-06-28

ترجمة: مدني قصري

يدعو عالم الاجتماع، رضا بنكيران، إلى الإقبال على العلوم وتحكيم العقل لإخراج الإسلام من الأصولية، وإعادته إلى الواقع الاجتماعي والثقافي  الحاضر في زماننا.

وفيما يلي نص الحوار المترجم:

* في كتابك "الإسلام، استعادة المعنى"، نراك تستنكر الانطواء العقائدي والسياسي للإسلام المعاصر، كيف تشرح تطور هذا الإسلام الراديكالي الذي تصفه بأنه "مرضي"؟

يعتقد العديد من الغربيين أنّ الإسلام كان دائماً متباهياً وسياسياً..، وأنّهم لم يعلموا بذلك إلا مؤخراً مع وصول المهاجرين المسلمين إلى أوروبا، لكن لو تحولنا إلى التاريخ، سنلاحظ بسرعة أنّ الإسلام السياسي، كما يظهر اليوم، لا يستند إلى المظاهر التاريخية للدين الإسلامي، قدر استناده إلى إستراتيجية سياسية حديثة ساهمت فيها إلى حدّ كبير الحكومات الغربية نفسها.

في كتاب بنكيران يتحاور سبينوزا وليبنيز وباشليارد وديلوز مع ابن عربي وابن رشد وابن خلدون ومحمد إقبال

على عكس الاعتقاد السائد، كانت مجتمعات المغرب العربي والشرق الأوسط، سائرة في طور العلمنة منذ بداية القرن التاسع عشر، لم يكن الدين سوى عامل ثقافي للتماسك، دون أيّ دور سياسي بارز، وفي أثناء تصفية الاستعمار، كانت بلدان العالم العربي الإسلامي أكثر انجذاباً للنماذج الأيديولوجية المرتبطة بالاشتراكية والشيوعية، وباعتبارها العدو الأول للأيديولوجية الليبرالية بالنسبة إلى المستوطنين القدماء، كانت الماركسية السائدة في ذلك الوقت متماشية مع احتياجات الدول العربية والإفريقية الجديدة، وهو ما كانت الدول الغربية تدركه جيداً في سياق الحرب الباردة؛ لذلك شجعت هذه الأخيرة على تطوير نموذج أيديولوجي آخر، ينظر إليه على أنه رجعي في البلدان المغاربية، وفي الشرق الأوسط، ألا وهو العودة السياسية إلى الدين.

لعقود من الزمان، تم بشكل مصطنع، تشجيع تيارات الأقليات؛ بل حتى التي كانت تعدّ تيارات هرطقية، لتصبح قائمة في قلب الأرثوذكسية...،

وأدى تطور الإسلام السياسي والعقائدي إلى ظهور الخمينية، واغتيال أنور السادات، والحرب في أفغانستان، وأخيراً ظهور الجهادية.

غلاف كتاب "الإسلام، استعادة المعنى"

الإسلام المخرج

*أمام هذا "الخروج من الإسلام"، تراك تسعى لنبش عالمية الدين الإسلامي، الذي كثيراً ما تم طمسه وتعتيمه بواسطة ترتيبات وأحكام عرفية أو سياسية، ضد "الخروج من الإسلام"، يجب علينا أن نزرع "الإسلام المخرج"، ماذا تقصد بهذا المصطلح؟

بالانطواء على السياسة، والعقيدة، والمادية والاستهلاكية الرأسمالية، أصبح الإسلام فقيراً بشدة من حيث اللاهوت، من خلال الدعوة إلى تفوق السابقين والقراءة الحرفية للقرآن الكريم، إسلام العلماء (الفقهاء) تجمّد وجفّ، لا توجد الآن سردية أخرى، وتأويلات جديدة، لقد توقف التجديد اللاهوتي في الإسلام ونبضه الروحي، وكلّ ما يحدث هو تكرار القديم ضمن علاقة مخيفة وخادعة بالماضي.    

لكن إيمان الغالبية العظمى من المسلمين ما يزال حياً، إنّهم يرغبون في إخراج الإسلام من المأزق الذي تورط فيه، إنّهم يأملون في أن يروا بروز الإسلام المخرج، الخروج من المأزق، الذي يعيد للدين حيويته، ويبعث عالميته، عالميته التي عتمت اليوم باعتبارات سياسية وقانونية ومعيارية.

*في الإسلام، يعدّ القرآن الكريم كلمة الله والحقائق التي يكشف عنها حقائق مطلقة، كيف يمكن إعادة بناء وتحديث الفكر الديني للإسلام إذا اعتقد المرء أنّ حقائق القرآن غير قابلة للجدل؟

إنّ إعادة بناء الفكر الديني وتحديثه في المقام الأول يجعل من الضروري التمييز بين الحقيقة والمعنى، الجهد يركز على المعنى الذي يمكن إنتاجه من خلال قراءة معاصرة للقرآن، هذا هو التحدي الذي يواجهه المفكر السوري محمد شحرور، وهو مهندس مدني، يقوم بقراءة دينامية جديدة للقرآن، دون التشكيك في طبيعة النص الأصلي أو أصله، بالنسبة إليه، كما هو الحال بالنسبة إلى معظم المسلمين، فإنّ القرآن هو كلمة الله التي لا تشوبها شائبة، التفكير في إعادة بناء الفكر الديني للإسلام يمكن تصورها على هذا النحو دون التشكيك في أقل حرف، وأقل كلمة في القرآن.

أفكار الفلاسفة لا أفكار اللاهوتيين هي التي أدركت العالمية من خلال تعميمها ووصولها إلينا عبر الفضاء

يزعم شحرور، وغيره من المفكرين النقديين، أنّ القرآن يحمل في جوهره حقائق عالمية تجد صداها في جميع الأزمنة؛ لذلك فإنّ التفسير الحديث للنص القرآني هو، حسب هؤلاء، ممكن تماماً، شريطة أن يحرر هذا التفسير نفسه من عادات وتقاليد القرن السابع الميلادي التي عفا عليها الزمن، رغم ذكرها في النص المقدس، وكذلك معظم التفسيرات الرجعية التي تم تطويرها على هوامش القرآن من قبل الفقهاء.

على مرّ القرون، قام هؤلاء المفكرون بتطعيم علم اللاهوت الإسلامي بعدد من القواعد المعيارية والقانونية، على سبيل المثال، حول وضع المرأة، أو حول العنف، التي عفا عليها الزمن الآن.

التشكيك بمواقف الفقهاء، الذين غالباً ما يخدمون مصالح السلطة السياسية (الخليفة، الأمير، السلطان) لا يعني رفض كل تراث الإسلام! لا سيما أنّ الإسلام، على المستوى العقائدي، لا يعترف بالإكليروس الديني...

شحرور يقترح التركيز على القرآن، بتجاهل قرون من التفسير لبعث روحانية وعالمية القرآن العميقتين، وبالتالي للكشف عن قدرته الذاتية الكامنة على الحداثة.

استقبال المعرفة اليونانية في الإسلام بدأ من القرن الثامن على يد المفكرين المعتزلة

استكشاف الإسلام العلماني

*كيف يمكن للإسلام أن يتوافق مع الحداثة؟

كي نكون قادرين على ابتكار الحداثة في الإسلام، يجب بالضرورة أن نقطع الصلة بالعقلانية الدينية المهيمنة اليوم، التي تستمد شرعيتها وفق إطار فكري من القرون الوسطى (وهو ما أسميه "الهيكل الأسطوري السلفي"). هذه العقلانية المعيبة؛ لأنّها مفارقة تاريخياً، تلمس دون استثناء جميع التيارات الدينية، وجميع المدارس اللاهوتية، والفقهية والفكرية. الفكرة الرئيسة لكتابي هي أنّه يجب استبدالها الآن بعقلانية دينية مزودة بهيكل أسطوري (أسميه "الإقبال") المتحول بعزم نحو المستقبل، والذي عليه بالضرورة إقامة علاقات جديدة مع السلطة، ومع المعرفة.

لا يمكن للإسلام أن يفرز عقلانية حرة قادرة على الاستجابة للتحديات الاجتماعية والعلمية إلا من خلال طرق المعرفة

كتابي يستكشف إمكانيات الإسلام العلماني؛ أي المتحرر من أي إخضاع إلى السلطة السياسية والسلطة الدينية.

نمط العقلانية (الموسَّع) الذي تدعو إليه اليوم علوم الأحياء والمادة والحساب، من شأنه أن يبرز عقلانية مستنيرة قائمة على مقاربة فلسفية للفكر الإسلامي. في الإسلام، أفكار الفلاسفة، وليس أفكار اللاهوتيين هي التي أدركت العالمية من خلال تعميمها ووصولها إلينا عبر الفضاء والزمان، فإنه باسم هذه العالمية، في كتابي يتحاور سبينوزا، وليبنيز، وباشليارد، وديلوز مع ابن عربي، وابن رشد، وابن خلدون، ومحمد إقبال. وبعبارة أخرى؛ لا يمكن للدين الإسلامي أن يفرز في ذاته عقلانية حرة وناقدة، قادرة على الاستجابة للتحديات الاجتماعية والعلمية والتكنولوجية في القرن الحادي والعشرين، إلا من خلال طرق المعرفة.

 محمد إقبال رأى بالفعل أنّ الروح اليونانية قد حجَبت رؤيةَ العلماء المسلمين الأوائل

العربية لغة العلم لعدة قرون

*هناك إذاً، في رأيك، أرضية مشتركة بين الإسلام والعلم؟

يجب أن ندرك أنّ الإسلام والعلم ساهما، منذ أكثر من ألف عام، في مرحلة تاريخية خلاقة منفصلة عن الروح الكلاسيكية المتأخرة للعصور القديمة، يعود صعود الإسلام الحضاري في جزء منه إلى الانفتاح الكبير على المعرفة والثقافات الأخرى في ذلك الوقت، يجب أن نتذكر أنّ انتقال التراث اليوناني إلى الغرب أصبح ممكناً بفضل العلوم الإنسانية العربية، وأنّ اللغة العربية كانت لغة العلم المشتركة لعدة قرون.

المصدر: lemondedesreligions

اقرأ المزيد...

الوسوم: