كيف تُستغل الثقافة السائدة لتبرير العنف المجتمعي؟

كيف تُستغل الثقافة السائدة لتبرير العنف المجتمعي؟

مشاهدة

21/11/2019

تسعى نظرية ثقافة العنف أو (The culture of violence theory)، في علوم الأنثروبولوجيا، إلى دراسة تأثير الثقافة السائدة في بعض المجتمعات واستغلالها في تبرير العنف أو شرعنته أو التصالح معه؛ بل والاحتفاء به في بعض الحالات.

العنف الممنهج يحتاج إلى توعية بقيمة المواطنة عبر الإعلام والمنصات الثقافية وتغيير مناهج التعليم الدينية

شهد العام 1969 إصدار دراسة بحثية بعنوان "العنف والسلام وأبحاث السلام"، للباحث النرويجي (Johan Galtung)، ومن خلال الدراسة تطرق لما أسماه "العنف الهيكلي"، أو (Structural Violence)؛ أي عنف له بنية ودور عُرفي في المنظومة الثقافية للشعوب وينتج عنه غياب للعدالة الاجتماعية. 
ومن بين أنماط العنف التي قام (Galtung) بالإشارة إليها في ثقافات مختلفة: العنف الأسري، وجرائم الكراهية التي تستهدف الأفراد بناء على توجهاتهم العقائدية أو السياسية أو انتماءاتهم العرقية، أو خصائصهم الجسمانية، وكذلك ميولهم الجنسانية. 

اقرأ أيضاً: التفاوت الطبقي يغذي العنف ضد الأجانب في جنوب أفريقيا
كما أدرج العنف الذي تمارسه بعض الأجهزة السيادية ضدّ المواطنين، كنمط من أنماط العنف المنظم، الذي قد يبرره المجتمع تحت شعارات الحفاظ على السلم العام.
أما عالم النفس الألماني (Eric Fromme)، فقد أصدر كتاب "الهروب من الحرية"، العام 1941، ومن خلاله عرض حالة رفض الجماهير للحرية والتفافهم حول قائد يُخلصهم من شعارات الحرية، ينصاعون له دون تردّد، بل ويبرّرون جرائمه ضدّ المطالبين بالحقوق المدنية، ولا شكّ في أنّ (Fromme) كان مشغولاً في صعود النازية، التي هرب منها بعدما غادر بلاده، وللنازية في التاريخ المعاصر أشكال متعددة.  
ظاهرة "لكن" في معاداة الحريات والمساواة
العنف ضدّ المطالبين بالتحرر من قيود مجتمعية بعينها كان من الأنماط التي رصدها د. قدري حفني (1938-2018) أستاذ علم النفس المصري، في كتابه "العنف بين سلطة الدولة والمجتمع"، وقد رصد د.قدري حفني هذه الظاهرة حتى بين الجماعات التي تطالب بالحرية، سواء كانت ليبرالية أو يسارية.
فوصف هذه الظاهرة بظاهرة (لكن)؛ أي إنّ الجماعات التي تتشدق بالحرية تتبعها بكلمة (لكن)، فتضع قيوداً وشروطاً للحرية، الهدف منها ليس تنظيم الحريات، إنما كبح جماحها، إن تعارضت مع مصالحها السياسية، ومن أشهر تلك الشعارات: "الحرية للوطنيين الحقيقيين ولا حرية لأعداء الشعب"، أو "الحرية للأفكار الشريفة ولا حرية للأفكار الهدامة المستوردة"، وتتبع هذه الشعارات عبارات: "الحفاظ على الثوابت الدينية والوطنية"، وقد يتبع ذلك الرفض ممارسات عنيفة لفظية أو جسدية. 

اقرأ أيضاً: هل تكون الطفلة جنى آخر من يتعرض للعنف الوحشي في مصر؟
ما رصده حفني في الجماعات المُنادية بالحرية ليس بعيداً عمّا شهدناه بأنفسنا، داخل بعض التجمعات التي اتخذت من الليبرالية والعلمانية صفة لها، إبان العام 2011 في القاهرة، ولعلّ الحالة التي استوقفتني بشدة؛ هي نبذ  بعض  تلك التجمعات الليبرالية  للصراعات  الدامية في فترة الخلافة الراشدة، خاصة حادثة مقتل مالك بن نويرة على يد  الصحابي خالد بن الوليد، ورغم ذلك نجد التجمعات نفسها (بدون تعميم) تطالب بسحق المعارضين من اليسار، أو المعترضين على السياسات الاقتصادية للسلطة في بعض الأحيان، ويستخدم بعض أفراد هذه التجمعات الليبرالية مفردات بدلالات عنيفة، لا تقل شدة عن الأحداث والصراعات التي ينتقدونها في التاريخ، وهنا تتجلى أزمة نبذ دماء الماضي، وتبرير دموية الحاضر في سياق انفصامي لا يدركه المتحدث نفسه، والدلاله هنا تكمن في تأثير الموروث التاريخي  في اللاوعي. 

اقرأ أيضاً: اليونيسف: العنف يهدّد التعليم في هذه الدول الإفريقية
هنا تلعب الخصوصية الثقافية دوراً في تبرير العنف ضدّ المختلف، حتى لو كان المختلف مسالماً، ولا ينتمي، فكرياً أو تنظيمياً، لأيّة جماعة تكفيرية؛ فالخصوصية الثقافية هنا ترفض الاختلاف الأيديولوجي أو تتسامح معه على مضض، فانتقلت بعض العقول من الأصولية إلى الليبرالية، وغيّرت أفكارها لكن من دون تغيير نهج التفكير نفسه.
رغم دعوة هذه التجمعات إلى التحرّر وقبول الآخر، إلا أنّ الموروث المتمثل في نظرية المجتمعات ذات البنيان المرصوص الرافضة لقوالب مختلفة، ما يزال هو الغالب على تفكيرها.
لكنّ حقيقة الأمر، ورغم ما رصدناه داخل تلك التجمعات، ودون الوقوع في خطأ التعميم، إلا أنّها تعد الاستثناء بالمقارنة بالحالة الأكثر شيوعاً بين الجماهير، وهي رفض الحريات والمساواة وتبرير العنف تحت تأثير شعارات حماية ثوابت الدين من المؤامرات الخارجية.
هنا أصبحت الحقوق المدنية، أو الحريات الشخصية، بحسب المتخيل الشعبي بمثابة خنجر يسعى للطعن في الدين وقد يؤدي إلى تبرير أو تقديس العنف.
علاقة الخصوصية الثقافية بمصطلح الثوابت الدينية 
عبارة الخصوصية الثقافية قد توحي بالأعراف والتقاليد، لكنّ خصائص الثقافة السائدة في المجتمعات لها عدة روافد ومن بينها الموروث الديني، بتأويلاته المُختلف عليها، قد تكون بعض التأويلات أشدّ وطأة وبعضها أكثر عنفاً، ويُعد المُخالف للتأويلات مارقاً، بحسب العقل الجمعي للمجتمع.

اقرأ أيضاً: ماذا تعرف عن أول معاهدة دولية بشأن العنف والتحرش في العمل؟
هكذا أصبحت عبارة (الثوابت الدينية) جزءاً من الخصوصية الثقافية في بعض المجتمعات حتى وإن شملت الخصائص الثقافية روافد أخرى من العادات والتقاليد، رغم أنّ كلمة الثوابت الدينية تداعب المشاعر الدينية إلا أنّها تحمل داخلها إشكالية أخرى؛ لأنّ ثوابت البشر مختلفة، حتى إن كانوا يعيشون في البقعة الجغرافية نفسها، بل وينتمون للعقيدة نفسها.
كما أنّ الثوابت تتغير مع الظروف المكانية والزمانية والتجارب الحياتية؛ فالتشريعات الملائمة لعدد محدود من البشر قبل مئات السنين، في مكان ما، وفي جغرافيا صحراوية، لا تلائم بالضرورة الإنسان في التاريخ المعاصر، وهذا لا يمسّ قدسية الأديان في شيء، بل هي محاولة لإعمال العقل.
الخصوصية الثقافية وتبرير العنف المقدس
تبرير العنف المقدس له سياقات مختلفة قد تستهدف النساء أو الرجال على حدّ السواء، رغم أنّ النساء هنّ الحلقة الأضعف، لكن هنالك  قواسم مشتركة  أساسية في العنف الممنهج، فهو عنف   يستند إلى  تقديم القربان انتصاراً  للسماء، والتطهر أمام المجتمع، وغسل الشرف بدماء الضحية؛ لهذا قد نجد العنف الأسري شائعاً في هذا السياق، خاصة إن كانت الأسرة تقطن منطقة جغرافية تتسم بالقبلية، وتعلو القبيلة على القانون المدني، حيث يتستر أفراد هذا المجتمع القبلي على الجريمة أمام رجال القانون، ليس تنصلاً منها، لكن رغبة في الاحتفاظ بحقّ الخصوصية الثقافية والعقائدية التي تنزل العقوبة على الضحية  حفاظاً على ما يسمونه شرف الأسرة.

اقرأ أيضاً: محاولة لتشخيص عنفنا اللّغوي
يمكن تصنيف العنف الممنهج في البلاد العربية تحت تأثير الخصوصية الثقافية، وما يتبادر في الوعي الجمعي عن الثوابت الدينية إلى عدة أنماط:
جرائم ضدّ نساء العائلة: وتشمل ما يعرف باسم جرائم الشرف، رغم تناقض كلمة الجريمة مع الشرف فلا شرف في الجريمة، وهي جرائم في حقّ الفتيات، إثر حكم الأسرة على سلوكهنّ، وسواء ثبت الظنّ أم لم يثبت فهذا ليس مبرراً للقتل أو الإيذاء، لكن هنا نرصد فحسب الجريمة تحت غطاء ما يسمى بالشرف.  

جرائم ضدّ نساء دون صلة قرابة: وتشمل هجمات ضدّ فتيات يهددن النظام العام والثوابت المجتمعية، وكان من أشهر تلك الجرائم ما تم ارتكابه في حقّ الطفلة الباكستانية (ملالا يوسفزاي)، التي أصيبت بطلق ناري، العام 2012، وهي في الخامسة عشرة على يد جماعة طالبان، وتمّت الجريمة التي نجت منها ملالا في الحافلة التي كانت تقلها إلى المدرسة، كونها كانت تنادي بتعليم الفتيات في منطقة وادي سوات شمال غرب باكستان، التي تسيطر عليها طالبان. 
ولعلّ أشهر أشكال الاستهداف في بعض الدول العربية، والتي انتشرت مؤخراً؛ هو استهداف الفتيات غير المحجبات، خاصة في نهار شهر رمضان، أو حوادث قصّ الشعر في المواصلات العامة، وقذف الماء كنوع من الترهيب الساخر، كما تمّ رصد عدة جرائم قذف بمادة كاوية على فتيات يرتدين بناطيل في بعض المناطق، اعتبرها الجناة اعتداء على المشاعر الدينية، حوادث الدفع والصفع تمّ رصدها كذلك، ومن بينها حادثة صفع راكبة في حافلة بتركيا بسبب ملابسها غير اللائقة.

انتقلت بعض العقول من الأصولية إلى الليبرالية وغيّرت أفكارها لكن من دون تغيير نهج التفكير نفسه

لعلّنا استفضنا في تفنيد هذه الظاهرة في مقال سابق بعنوان "متلازمة المرأة والغواية: من الموروث الديني إلى الثقافة العامة".
جرائم تحت ذريعة الحقّ الشرعي: تشمل هذه الجرائم ضرب الأبناء، أو ضرب الزوجات، أو اغتصابهنّ، وتشكل هذه الجرائم أزمة كبيرة، بسبب عدم تجريمها في التشريع العقابي في معظم البلاد الناطقة بالعربية؛ كونها تقع في إطار التأديب أو الحقّ الشرعي في الممارسة الزوجية. 
جرائم الخروج عن الملّة أو الشرك بالله: تتمّ بعض تلك الجرائم ضدّ فرد في العائلة، أو على يد الأهالي الغيورين على الدين، بحسب تصوراتهم.
وقد تتم تلك الجرائم ضدّ أفراد لا صلة قرابة بينهم والجاني، فتتخذ الجريمة شكلاً سياسياً، كما حدث في مقتل المفكر المصري د.فرج فودة، ولعلّ هذه الحادثة فتحت الأعين على أزمة تبرير تنفيذ الحدود، خاصة بعد أن أدلى الشيخ محمد الغزالي بفتواه في محاكمة القتلة، وحين سئل الشيخ الغزالي (خريج كلية أصول الدين بالأزهر): ماذا لو أنّ القانون لا يعاقب على الردة؛ فهل يبقى الحد واجب التنفيذ؟ فيقول الشيخ إنّ غياب حكم الله في إقامة حدّ الردة يتسبب في فوضى المجتمع، وحكم الله لا يلغيه أحد، وإن نفذ آحاد الناس الحدّ، يكون مفتتياً على السلطة، ولا عقوبة شرعية لذلك.
جرائم ضدّ دور العبادة الكنسية في دار الإسلام 
قبل ثلاثة أعوام، ومن خلال عمل ميداني في جمع بعض المعلومات عن الهجمات التي استهدفت  منع بناء كنائس في صعيد مصر، أشار أحد المؤيدين لمنع بناء الكنائس في صعيد مصر إلى مخطوط بعنوان "إقامة الحجة الباهرة في هدم كنائس مصر والقاهرة"، لشيخ الأزهر الأسبق، أحمد الدمنهوري ( 1190-1182هـ)، وتمّت إعادة طبع المخطوط، عام 2012، في كتاب يحمل عنوان المخطوط الأصلي نفسه، وقد حصل الكتاب على رقم إيداع في دار الكتب والوثائق القومية المصرية، دون أدنى اعتراض، ورقم الإيداع هو (1883\2012)، وعدّ كثيرون من الشباب المتأثر بهذا الفكر الكتاب مرجعية أصيلة لتبرير العنف الممنهج، بحسب التأويل الفقهي.

اقرأ أيضاً: العنف متخفياً في التاريخ
الأنماط السابقة ليس جامعة مانعة، فهناك أنماط أخرى ومنها: تبرير العنف البدني ضدّ الشيعي في بلاد السنّة، أو السنّي في بلاد الشيعة، أو ضدّ البهائيين على اعتبار أنّها ديانة غير إبراهيمية، وكذلك لا يمكن أن يتمّ غضّ البصر عن جرائم تستهدف الأفراد، ذكوراً وإناثاً، بسبب ميولهم الجنسانية، التي يعدّها الجاني اعتداء على الأعراف الثقافية والثوابت الدينية.   
العنف بين الخصوصية الثقافية وطائلة القانون
استهداف مواطن لآخر، أو التحريض ضدّه، لأسباب جندرية أو أيديولوجية أو عقائدية، يعدّ جريمة عنف تتطلب إنفاذ القانون للحيلولة ضدّ هذا العنف، لكنّ الأمور ليست بهذا الوضوح في كثير من الأحيان، فهناك عدة إشكاليات، من بينها مثلاً: غياب نصّ واضح في التشريعات التي  تخصّ العنف الأسري، أو صعوبة إنفاذ القانون في حالة التوتر الطائفي،  واللجوء بدلاً من إنفاذ القانون إلى الجلسات العرفية التي قد تنتهي بالغلبة لصالح المتطرفين الذين يمنعون بناء كنيسة، وفي حالات أخرى قد يصبح القانون نفسه تمييزياً لكن بشكل نوعي مختلف عن العنف الممنهج، فالقانون مثلاً؛ لا يسمح بقتل المرتد في غالبية البلاد العربية، لكن قد يمثل المرتد أمام المحاكمة بتهمة ازدراء الأديان، فهو لا يقتل وإنما يسجن أو يفرق عن زوجته المسلمة. 
العنف الممنهج أو الهيكلي قد يحتاج إلى توعية بقيمة المواطنة من خلال الإعلام والمنصات الثقافية وتغيير مناهج التعليم الدينية، ومن خلال إشراك المجتمع في مشاريع تنموية تعزز قيمة المواطنة، لكنّ الفيصل سيظلّ في قدرة القانون على نبذ العنف من خلال صياغات تشريعية واضحة، وإنفاذها للقضاء على كافة أشكال التمييز المجتمعي، وما يتبعه من عنف مبرر تحت مظلّة الثوابت الدينية أو الخصوصية الثقافية.


الصفحة الرئيسية