"نحن أعداؤنا".. قصة اليقين الذي يشبه الخرافة

2200
عدد القراءات

2018-04-09

هامش:

بعض الأسئلة آلة، بإمكانها أن تنتج رغيف خبز أو رواية أو خطاباً سياسياً، أو رصاصة طائشة أو حرباً قذرة. وبعض الأسئلة رخوة، تموت بمجرد أن يرتطم رأسها ببيت عنكبوت.

ما الحرب إذن؟

سؤالُ من فقد أمه أو أباه أو هُدم جداره على رأسه.

ما البلاد إذن؟

سؤالُ من زَرع وردة فذبلت، أو استند إلى جذع شجرة سَرَق اللصوص ثمارها، أو مشى على رصيف شارع "يقرُصه" الفراغ والخوف من أيّ طرفيه شاء.

ما السؤال إذن؟

سؤال من لا يستطيع أن يعُضَّ أو يعِضَ، أو يخُضّ الماء كي يروب.

السؤال إذن: هل في الحياة شيءٌ مما نحب؟

نحب الحياة وهي مليئة بالموت، ونحب السلام لكن التوحش يقضمه من أطرافه، ونحب "الدين" لكنّ رديئي الفكر يشوّهونه عن سبق إصرار وترصّد، ونحب "الله" لكن الذين نصبوا أنفسهم وكلاءه في الأرض فخخوا كل لحظاتنا الوجدانية والعقلية معه.

متن

تأتي عبارة "نحن أعداؤنا" مكتملة من مبتدأ وخبر، إلا أنّ الذين حاولوا العبث بعقولنا وأن نتحسس قدرتنا على فهم الجُمل القصيرة والعبارات المباشرة، أوهمونا أنّ هناك نقصاً ما، فمكثنا عمراً طويلاً وأعواماً خدّاعات نبحث عن عدو مفترض، كما لو أننا "أمة" لا تستطيع أن تحيا إلا حين تصنع أو تخترع لها عدواً، تحمل عليه كل آفاتها وخساراتها وأوساخ ماضيها وعبث حاضرها وإهمال مستقبلها.

نحن، لم نجرّب أن نفشل كي ننجح؛ بل حققنا نجاحات كبيرة جداً في الفشل المستمر معنا منذ عقود، كل ذلك بسبب وهمنا أنّ ثمة عدواً واحداً يتربص بنا دوماً، دون أدنى التفاتة لعدو حقيقي يسكن قناعاتنا وأفهامنا، ومستويات تفكيرنا الضحلة ويعتاش على أمراضنا الثقافية وأوهامنا وخرافاتنا، ونحن تغمرنا اليقين حتى أنوفنا بأننا على صواب وكل الآخرين "جهنم".

نحن، لم نجرّب أن نفشل كي ننجح؛ بل حققنا نجاحات كبيرة جداً في الفشل المستمر معنا منذ عقود

عشنا طويلاً في هذا الخواء والانحراف والتعب، وعاش الآخرون الذين هم "جهنم" بعرفنا مقتنعين -كما يقول - "برتراند راسل" - إنّهم "لن يموتوا أبداً دفاعاً عن قناعاتهم، فقط لأنهم قد يكونون على خطأ"، أو كما لدى "نيتشة" حيث تبدو الاعتقادات الراسخة هي أعداء الحقيقة، وهي أكثر خطراً من الأكاذيب.

لهذا.. ربما يعتقد البعض أن ليس لدينا أكاذيب، لكن الحقيقة غير ذلك، فالاعتقادات الراسخة التي قد تكون بُنيت على "كذبة" صغيرة أصبحت اليوم أكاذيب كبيرة.

حتى إن اعترفنا أنّ ثمة أعداء كثيرين حولنا، لكننا انشغلنا بالتنبؤات والاستغراق في الافتراضات على حساب الواقع والوقائع والأحداث التي نتفاجأ بها، فحين امتلأت صفحات كتب تاريخنا بالتنبؤ بالمتوحشين والثأريين والقتلة وشذاذ الآفاق وأصحاب الرايات السود، اخترعوا كل ذلك لنا، على اعتبار أنّ "داعش" مثلاً صنيعة الآخرين، إلا أنّها نامت طويلاً في صفحات كتبنا العتيقة حتى حفروا قبرها بأقلام تصرخ على منابرنا بالويل والثبور والثأر وجهنم.

امتلأت كتب تاريخنا بالتنبؤ بالمتوحشين والقتلة وأصحاب الرايات السود على اعتبار أنّهم صنيعة الآخرين

في المقابل، مارسنا قدراً واسعاً من التنبؤ بالمستقبل، لكن هؤلاء "الآخرين" اخترعوه ونحن بتنا نتلصص بعيون وقحة على مجازفاتهم وتجاربهم واختراعاتهم التي مكنت للحياة وجعلتها أكثر إمكانية ويسراً وسهولة، وكما يقال "اختراع المستقبل أفضل وسيلة للتنبؤ به".

لا أنفي أبداً وجود أعداء..

لكن لا يمكننا أن نتجاوز أنّ عدونا الأكبر هو "نحن"، بالجهل الذي يُعبأ بكراريس وكتب تلاميذ المدارس وطلبة الجامعات، على اعتبار أنّه علم ومعرفة وخبرات مفترضة،  بالخرافات التي تملأ الرؤوس التي أثقلتها "العمائم" السوداء والبيضاء والحمراء، بالفقر الذي نصنعه بأيدينا، حين نتنازل بسهولة ودون عناء عن حرياتنا أمام يقينيات الحياة الدنيا، وبعض يقينيات الحياة الأخرى التي أُفهمناها خطأ أنّها يقين، فثمة من جعل المسافة بين اليقين والخرافة أقصر من إصبع، بينهما خيط رفيع أوهن من خيط عنكبوت.

اقرأ المزيد...

الوسوم: