شفيقة سمور.. حكاية أم فلسطينية شاهدة على مذبحة دير ياسين

الأم الفلسطينية

شفيقة سمور.. حكاية أم فلسطينية شاهدة على مذبحة دير ياسين

مشاهدة

21/03/2018

في ذلك اليوم الذي صادف التاسع من نيسان 1948، لم تعلم الحاجة شفيقة سمّور وأهالي قريتها المقدسية الوادعة دير ياسين، أنّهم سيسطرون بدمائهم فصلاً في حكاية الفلسطينيين التاريخية.

في منزلها الذي يغص دفئاً تجلس شفيقة، التي كانت حاملاً إبّان المذبحة في شهرها الثامن، ليتحلق حولها أبناء أخويها محمود وعبد الله، آبية ذاكرتهما الطفولية نسيان أحداث ذلك اليوم رغم سنواتهما الغضة في حينها.

استهلّ محمود حديثه بابتسامة مريرة أعقبها سيل ذكريات عارم، قائلاً: "كنت أبلغ من العمر أربعة أعوام، لربما لا يتذكر البشر حياتهم في مثل هذه السن، ولكن ما رأيته لا يُنسى ولا يُمحى من ذاكرتي وكأنّه حدث في الأمس القريب".

يتنهد بحرارة مكملاً "كنت نائماً ليلتها في بيت جدي لأمي، أفقنا على طرقات باب مرتعبة أنذرتنا بانقضاض العصابات الصهيونية على قريتنا".

بصوت مرتجف، تقول شفيقة "كان الحاج عبد المجيد سمور هو الذي على الباب، قرابة الساعة ثلاثة فجراً. قال إن اليهود يحشدون قواتهم وبدؤوا يتسللون إلى القرية. أنا كنت يومها في بيت أهلي، كنت أنام فيه من أسابيع؛ لأن بيتي في طرف القرية وكان أهلي خائفين من اليهود فأبقوني عندهم".

لحظات مرعبة

يمثُل رعب تلك اللحظات في عينيها، بنبرة مرتعدة وهي تروي "جاء أخ زوجي وطلب منّا الدخول وإغلاق باب الحديد علينا. زوجة أخي من الخوف أدخلت البنت الصغيرة ونسيت ابنها طه الذي كان عمره سنة وثمانية أشهر خارج البيت".

ظلّت أم طه تبكي. ولم تحتمل في نهاية المطاف صراخ ابنها الذي أُصيب بثلاث رصاصات ما تزال بادية على ذراعه حتى اليوم. ضحت بأي احتمال لاكتشاف أمرهم وهم يتكدسون في الغرفة ففتحت الباب وسحبته من شعره وعادت لتقفله بإحكام.

تقول سمور "انتبه اليهود أنّ الطفل الذي كان يبكي وينزف اختفى فجأة. عرفوا أن هناك أحداً بالغرفة. صاروا يضربون باب الغرفة بقوة ببساطيرهم"، مردفة "حكيتله من ورا الباب بفتحلك بس إحلف بالعشر كلمات المقدسة عندكم إنك ما بتقتلنا".

سمور: زوجة أخي من الخوف أدخلت البنت الصغيرة ونسيت ابنها طه الذي كان عمره سنة وثمانية أشهر خارج البيت

بنبرة بالكاد تظهر ملامحها تقول إنّها شاهدت والدتها مقتولة على فراشها. رَفَضت العصابات التي اقتحمت البيت أن تسجّي شفيقة سمور جثمان والدتها.

وتتابع "كانت إمي مقتولة وفي حجرها ابن أخي. اسم أمي فضية محمد الشيخ، وابن أخي سمور خليل سمور. كان مطلوباً مني أن أشاهد وأسكت".

يقول محمود "عندما دخل اليهود غرفتنا واعتقلونا كان الوقت عصراً، وكان هناك أمر بوقف إطلاق النار، وإلا كنا لحقنا بمن استشهدوا منذ الصباح. كنا نسألهم: أين تذهبون بنا؟ وكانوا يردون بينما يضحكون ساخرين: عند مفتيكم أمين الحسيني في البلدة القديمة؛ أي القدس".

يردف "بعدما حملت أم طه طفلها المصاب، خبأت في قميصه 15 جنيهاً فلسطينياً وفي رغيف خبز خبأت 215 جنيهاً فلسطينياً أيضاً، ولكن اليهود أمسكوا بالنقود وصادروها".

شريط الذاكرة

وتستعيد سمور شريط الذاكرة قائلة: "لمّا خرجنا من البيت رأينا ما لا تُحتمل رؤيته؛ جثث أهلنا وناسنا، شاهدت جثة الخباز وابنه عبد الرؤوف ووحيد الشريف، وعائلة زهران المكونة من 27 نفراً وقد استشهدوا جميعاً، وعائلة ثانية اسمها "علي مصطفى" كلهم قُتلوا حتى ابنتهم الرضيعة البالغة 40 يوماً. كما رأيت معلمة القرية واسمها حياة البلابسة شهيدة بثوبها الفلسطيني وهي تحاول إسعاف الجرحى".

وتتابع بلكنتها الفلسطينية "شفنا اليهود عم بنهبوا كل إشي. الفلوس والذهب والفرشات والنحاسيات وحتى الأثواب الفلاحية بحملوا فيها من البيوت وبهربوا. كنا نمرّ بين الجثث ونفشق عنها وإحنا عارفينهم كلهم. كانوا رجال ونساء وشيوخ وأطفال ورضّع. وكانوا اليهود يسحبوا لحف من البيوت ويغطوا على وجوه الجثث عشان ما حدا يعرفهم".

أما محمود فيروي "عندما فرغ الرصاص من بنادق المجاهدين، عاد منهم والدي محمد سمور شحادة وزوج الحاجة شفيقة واسمه سليم جابر وابن خالي حسين سمور ورجال من القرية أسماؤهم؛ جميل عيد وعلي عيد وعيسى عيد. عادوا وكان اليهود لهم بالمرصاد؛ إذ اعتقلوهم ولا نعلم عنهم شيئاً حتى الآن. لم تحضر لنا أي نجدة من القرى المجاورة ولا من الثوّار، كان الجميع مشغولاً بجنازة الشهيد عبد القادر الحسيني بينما نحن نتساقط ونُعتقل الواحد تلو الآخر".

وضعت سمّور طفلتها ونذرت نفسها لتربيتها مع ابنَي شقيقيها عبدالله ومحمود وعادت لتأسيس عائلة أخرى وإنجاب مزيد من الياسينييّن

ويردف "حين وصلنا إلى مستعمرة جفعات شاؤول أنزلونا من الشاحنات وبدأوا بتفتيشنا. لم يتركوا معنا أي شيء حتى خواتم النساء صادروها. بعد ذلك أقلّونا في سيارة نقل كبيرة أخرى ومن ثم بدأوا يقولون لنا: إخنا بدنا نوخذكم إنتو على مذبحة. بدنا نذبح إنتو. كنا في مرحلة من الصدمة والهلع إلى حد فغرنا فيه أفواهنا من غير أن نملك القدرة حتى على البكاء".

تعطّلت سيارة النقل تلك في الطريق، فهَرَع أهالي دير ياسين المحتجزين راكضين نحو منطقة المسكوبية وبعدها نحو باب الخليل في القدس. تقول شفيقة "كنا ننوح ونصيح وفزعولنا المقادسة برغم إنه الدنيا صارت نص الليل، وأسعفوا الجرحى من النساء والأطفال. ناس منا بعدها طلع على منطقة الدباغة وناس على المزرعة الشرقية وناس على المخماس وناس على كوبر. أنا رحت على سلوان مع ناس من القرية وهناك عاملونا مثل المهاجرين والأنصار، كل عيلة آوت عيلة".

تمسح على رؤوس أحفادها الذين يحيطونها بينما تتنهد، وتكمل "نزلت عند عائلة رجل سلواني اسمه محمود أبو العورة، بعدها ذهبت إلى خالتي في قريوت، ومنها إلى جبل المكبر وبعدها إلى أبو ديس. ورغم كل ما جرى كان أمل كبير أننا سنرجع".

تشهق من جديد بالبكاء وتقول "والله لمّا كانوا يحكولنا إنا رح نغيب بس شهرين عن دير ياسين كنت أعيّط وأحكي شو بدّو يصبّرني شهرين بعيدة عنها. ولمّا تمكنت من زيارة دير ياسين في السبعينيات لقيتهم عاملين فيها مصحة أمراض عقلية، ونصّ القرية مهدّمة. وما في حدا ياسيني فيها من يوم 9 نيسان 1948".

وضعت شفيقة سمّور طفلتها التي كانت حاملاً بها. ونذرت نفسها لتربية الطفلة مع ابنَي شقيقيها عبدالله ومحمود، نهضت من جديد، وعادت لتأسيس عائلة أخرى وإنجاب مزيد من الياسينييّن، وما تزال تعلّق صور أفراد عائلتها الذين قضوا جميعاً في المجزرة.

سمور: والله لمّا كانوا يحكولنا إنا رح نغيب شهرين عن دير ياسين كنت أعيّط وأحكي شو بدّو يصبّرني 

يقول عبدالله "أرفض تسمية ما حصل في دير ياسين بالمجزرة، ولا أقول إنها كانت ملحمة. في الواقع واستناداً إلى أرقام ووقائع بحوزتي هي معركة بطولية، وإن كانت غير متكافئة من حيث عدد المقاتلين والتسليح. لقد سلّط الإعلام العربي والغربي الضوء على الفظائع التي ارتكبها اليهود بحقنا في ذلك اليوم ولكن لم يتناول بطولة رجال دير ياسين".

يردف بينما يقلّب صفحات دفتره الضخم، الذي دُوّنت عليه بيانات أهالي القرية بالتفصيل "حوالي 70% من الشهداء كانوا من النساء والأطفال والشيوخ. كان عدد البنادق في القرية ما يقارب الخمس وعشرين، وسلاح برنّ واحد. على ضوء هذه الأرقام المتواضعة للتسليح الفلسطيني الذي كان بالخفية عن الإنجليز الذين كانوا يعدمون أي فلسطيني يحمل سلاحاً ولو سكّيناً، وفي مقابل التسليح اليهودي الحديث وبالنظر لعدم مساعدة أي أحد من القرى أو الثوار لأهالي دير ياسين بسبب انشغالهم بجنازة الشهيد عبد القادر الحسيني، فإنّ ما فعله أهالي دير ياسين كان مقاومة باسلة استمرت حتى نفد الرصاص من بنادقهم".

تمثل شفيقة سمور نموذجاً للأم الفلسطينية الصابرة التي عاشت تحت الحصار وما تزال رغم ذاكرتها التي تختزن صور الموت والرعب التي خبرتها، تقدم ولا تنسى، مورثة أبناءها وأحفادها وجعاً وأملاً بحجم الوطن دون أن يتزحزح إيمانها الراسخ بأنّها تحمل أمانة لا يمكن التفريط فيها من واجبها أن تورثها للأجيال القادمة؛ أن لا تستسلموا لليأس مهما طال ليل الفراق، وأنّ تستمسكوا بإيمان راسخ أنّ موعدنا مع العودة لا بد آتٍ يوماً إلى حضن أمنا الكبرى فلسطين، ذلك الحضن الذي سيزيح كل مرارات الغربة وذكرياتها إلى الأبد.

الصفحة الرئيسية